تقنية

حين تتحول الأمطار إلى تهديد.. كوارث سيول سوريا الأخيرة

حين تتحول الأمطار إلى تهديد.. كوارث سيول سوريا الأخيرة

بقلم: ريم ريّا

رغم أن موسم الأمطار في سوريا كان واعداً هذا العام، سرعان ما تحولت هذه الأمطار إلى مصدر خطر حقيقي هدد حياة المدنيين وأرزاقهم. تكررت مشاهد الغرق والانهيارات والنزوح مع كل منخفض جوي، في ظل بنية تحتية متآكلة وإدارة كوارث ضعيفة تفتقر إلى لمقومات الأساسية.

ضربت السيول البلاد في شهر آذار الجاري، مخلفةً أضراراً مادية وبشرية، وأعادت طرح أسئلة جدية حول مدى جاهزية المؤسسات وقدرة الدولة على التعامل مع الظواهر المناخية القاسية التي باتت أكثر حدة وتكراراً وتهديداً للمجتمع. في هذا المقال سنعرض حجم الأضرار ونناقش كيفية الاستفادة من مياه السيول رغم كارثية المشهد.

سيول سوريا الأخيرة.. خريطة الأضرار وحصيلة الخسائر

ما بين 20 و24 آذار الجاري، شهدت مختلف المحافظات السورية لا سيما حلب، إدلب، الحسكة، دمشق وريفها، موجة سيول واسعة نتيجة منخفضات جوية متتالية مصحوبة بأمطار غزيرة وعواصف رعدية.

ففي محافظة الحسكة، فاض نهر الخابور وارتفع منسوب المياه فيه إلى أكثر من أربعة أمتار، ما أدى إلى غرق أحياء النشوة وغويران والميرديان. وأشارت البيانات إلى غرق أكثر من 400 منزل في منطقة تل حميس، وتضرر أكثر من 300 عائلة، وإجلاء أكثر من 120 عائلة من المناطق الخطرة. وللأسف، سجلت وفيات عدة من بينها طفلين اثنين في ريف رميلان، ووفاة طفلة في ريف دير الزور، وتم العثور على جثة رجل في نهر الفرات. أما دمشق فقد انهار بناء قديم في حي الإصلاح ما أدى إلى وفاة أب وابنه.

بالنسبة لريف حلب الجنوبي، فكانت الكارثة أكبر، إذ انهارت سواتر ترابية في قرية السيحة، ما أدى إلى غمر المنازل والأراضي الزراعية، بينما تضررت مخيمات النازحين في إدلب بشكل كبير بفعل السيول. فرق الدفاع المدني سارعت للتدخل في أكثر من 130 موقعاً، شملت عمليات إنقاذ وفتح طرق وتصريف مياه، فضلاً عن الاستجابة لنحو 40 مخيماً.

اقرأ أيضاً: سوريا في قلب العاصفة..أضرار واسعة واستجابة تحت الضغط

هل يمكن مواجهة السيول أو الاستفادة منها؟

في الحقيقة، لم تعد السيول مجرد ظاهرة طبيعية موسمية سواء في سوريا أو باقي الدول العربية، بل باتت مرتبطة بشكل متزايد بتأثيرات التغير المناخي، ما يرفع من شدة الظواهر المناخية المتطرفة ويُصعد من تكرارها، مثل الأمطار الغزيرة المفاجئة. تؤكد تقارير علمية دولية أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتت أكثر عرضة لتقلبات مناخية حادة، تجمع بين فترات جفاف طويلة وهطولات مركزة وعنيفة خلال وقت قصير، ما يزيد من احتمالية تشكل السيول.

عربياً، أظهرت دراسة صادرة عن جامعة القاهرة، نشرت في عام 2022 بعنوان “الإجراءات التخطيطية العالمية في مواجهة السيول في البيئة المبنية ومدى مواءمتها للحالة المصرية” فإن مصر تعرضت لـ 35 سيلاً خلال الفترة من 1947 – 2020، منها 18 سيلاً صنفت على أنها شديدة، ونحو 15 سيلاً صنفت على أنها متوسطة، وقدرت الدراسة الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لتلك السيول بـ 1.2 مليار دولار. وهو مؤشر واضح على كلفة غياب التخطيط المسبق.

كما تشير تقارير، مثل “التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2023″، إلى أن المنطقة العربية تعد من أكثر مناطق العالم شحاً في المياه، رغم تعرضها لسيول موسمية مهدورة دون استثمار فعلي. نطرح تجارب الدول العربية مع السيول لأن المعاناة واحدة والأسباب واحدة، والحلول هي ذاتها مع تباين نسبة الضرر. هذا الواقع الكارثي يطرح سؤالاً جدياً: هل يمكن تحويل هذه المخاطر إلى فرصة؟

على مستوى الحلول التي يمكن لسوريا الاستفادة منها، تطرح دراسة القاهرة، مجموعة من الأدوات العلمية والعملية لمواجهة السيول. أبرزها الحلول التقنية، أنظمة الإنذار المبكر التي تعتمد على تقنيات الأرصاد الجوية ونظم المعلومات الجغرافية GIS، والتي تتيح توقع السيول قبل وقوعها وتقليل الخسائر البشرية.

ويمكن الاستفادة من الصين ضمن نطاق الحلول البيئية، في تجربة “المدينة الإسفنجية”، التي تقوم على تصميم المدن بحيث تمتص مياه الأمطار عبر المساحات الخضراء والأسطح النافذة، بدلاً من تصريفها بسرعة، مما يخفض من خطر الفيضانات. كذلك الانتقال بالتعامل مع السيول من عقلية درء المخاطر إلى عقلية الاستفادة منها، من خلال حصاد مياه الأمطار عبر إنشاء خزانات وسدود صغيرة، وتخزين المياه في الأحواض الجوفية، أو ما يتفق على تسميته “نشر المياه”، حيث يتم توزيعها على مساحات واسعة لتغذية المياه الجوفية. فضلاً عن تجيير مياه السيول واستخدامها في الزراعة في المناطق الجافة، أو حتى توليد الطاقة من خلال مشاريع مائية صغيرة، وهذا ما يندرج ضمن إطار الحلول الاقتصادية.

كيف نحد من مخاطر السيول في سوريا مستقبلاً؟

للحد من مخاطر السيول في سوريا يجب التحرك سريعاً، خصوصاً في ظل الظروف الجوية السيئة التي تشهدها البلاد، وهذا ما يتطلب إجراءات عاجلة وأخرى على المدى الطويل. الإجراءات العاجلة يجب أن تعتمد على تعزيز جاهزية فرق الطوارئ، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، وتأمين مراكز إيواء مجهزة للمتضررين، لاسيما المناطق المعرضة للخطر.

أما على المدى البعيد، فيجب إعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي، تنظيم التوسع العمراني العشوائي، وإغلاق المخيمات، وتأمين سكن للنازحينن، والعمل على إنشاء بنى تحتية قادرة على استيعاب الأمطار، بالتوازي مع العمل على إنشاء مشاريع لحصاد المياه، لا سيما في المناطق التي تعاني من شح الموارد المائية.

ختاماً، إن استمرار التعامل مع السيول ككارثة طارئة فقط، دون تحويلها إلى مورد، سيبقي سوريا عالقة في دائرة الخسارة المتكررة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.