الكاتب: أحمد علي
لا يبدو التوسع العمراني في دمشق مجرد قصة نموٍ حضري؛ إنه سردية تتنازع فيها حاجات السكن والعمل مع أمنٍ غذائي تراجعت ضماناته، ومياهٌ تتقلّص تحت أقدام المزارعين.. في هذا التقرير، نعيد تركيب المشهد من ذاكرة الأرض ومن شهاداتٍ أكاديمية وميدانية، لنرى كيف يمكن للمدينة أن تتسع دون أن تلتهم حزامها الزراعي.
التوسع العمراني في دمشق: ضرورة سكانية أم فشلُ إدارةٍ للمكان؟
الإجابة الأولى تأتي من الواقع، فالمدن التي تتكدّس فيها الوظائف والخدمات لا بد أن تجذب الناس. في حديثنا معها، وعبر تصريحات خاصة بـ «سوريا اليوم 24»، أكّدت الطالبة في قسم الجغرافيا زينب الخضراء أن التوسع ازداد «بسبب الحاجة لخدمات المدينة ولتوفير حل لمشكلة البعد بين السكن والعمل»، لكن المسار الذي سلكه كان «عشوائياً غير معتمد على الاستخدام الأمثل للأرض ومن دون دراساتٍ تخطيطية للبناء».
ومن وجهة نظرها، فإن تركيز الخدمات والاستثمارات داخل العاصمة ضاعف «الازدحام العمراني والمروري والتلوّث»، وأضعف الأنشطة في المدن والبلدات المحيطة التي حُرمت من نصيبٍ عادل من الفرص.
ويعزّز هذا التشخيص ما تُظهره بيانات أممية عن اندفاعٍ حضري استثنائي خلال سنوات الحرب، إذ ارتفعت نسبة السكان في المدن من 51% عام 2010 إلى 76% بنهاية 2014، وهو ضغطٌ ضخم على السكن والبنية التحتية وقدرة التخطيط على الضبط.
لكن زينب تفتح نافذةً مغايرة داخل المدينة نفسها: «حتى بقلب دمشق توجد مساحات كبيرة نسبياً لم تُستثمر منذ سنوات»، وهي – بحسب منطق التخطيط الحديث – فرصٌ لتجديد النسيج القائم بدل دفع الناس إلى تخوم التربة الخصبة.
ويجد هذا المنطقُ سنداً في اقتراح الدكتورة سمية طالب التي ترى أن الحتمية الديموغرافية لا تعني التضحية بالأرض الزراعية: «التوسع العمراني فعلاً حتمية… لكن أين نتوسع؟» تقترح الدكتورة بديلاً واضحاً: التوسع العمودي داخل النسيج القائم بدل التمدد الأفقي الذي «حوّل الغوطة إلى كتلٍ إسمنتية قبيحة المظهر خالية من أدنى شروط التهوية والمساحات الخضراء».
حزامٌ خصب يختنق: من بساتين برزة والغوطة إلى كتلٍ متلاصقة
عرفت أطراف دمشق – ومنها برزة والغوطة الشرقية – تربةً خصبة كانت تُطعم المدينة. تعود زينب إلى تلك الذاكرة لتقول: «منطقة برزة كانت خصبة… كانت بساتين»، لكن الميل إلى الربح العقاري أهمل الشق الزراعي وأصاب التربة بالتلوّث، حتى «صارت المنطقة تقريباً عمرانية»، وفقدت دمشق البساتين التي كانت تخدم أسواقها.
وتتقاطع هذه الرواية مع أدلةٍ كمية من دراسات الاستشعار عن بعد التي وثّقت انخفاضاً ملحوظاً في الأراضي الزراعية والغطاء الأخضر في محيط دمشق بين 2010 و2018، وارتباط ذلك بارتفاع حرارة سطح الأرض في الأطراف الحضرية؛ وقدّرت إحدى الدراسات الأممية الأكاديمية تراجع هذه المساحات بنحو 22–23% خلال تلك الفترة.
ولا يتوقف الأثر عند الجغرافيا البصرية. فحين يُستبدل الحقل بمبنى، تتغيّر وظائف المكان ومهارات أهله؛ يصبح المزارع عاملَ بناءٍ أو بائعاً على الهامش، وتطول «المسافة من الحقل إلى السوق»، فتغلو الخضار والفاكهة، وتُظهر نشرات برنامج الأغذية العالمي أن كلفة سلة الغذاء القياسية للأسر شهدت قفزاتٍ كبيرة خلال 2024، وهو انعكاسٌ مباشر لهشاشة العرض المحلي وارتفاع كلفة النقل والاعتماد على مصادر أبعد.
الماء أولاً: آبار تجفّ وبردى يترنّح
إذا كان الإسمنت يلتهم الأرض، فالعطش يلتهم قدرتها على الإنتاج أيضاً، تقول زينب إن «الغوطة الشرقية تعاني الآن من ضعف إمدادات المياه، الآبار تجفّ ويضطر المزارعون للحفر أعمق… وبعض المزارع لم تُحلّ مشكلتها»، فيما «جفاف بردى وضعف كميات الهطل كلّها أثّرت عليها».
وما ترويه الطالبة تؤكده الوقائع الأخيرة، إذ شهدت دمشق في عام 2025 إحدى أسوأ أزمات المياه منذ عقود، مع انخفاض تدفق نبع عين الفيجة – المصدر التاريخي لآبار العاصمة – إلى مستويات غير مسبوقة منذ الخمسينيات، ما أجبر أحياءً واسعة على تقنينٍ قاسٍ والاعتماد على صهاريج خاصة.
اقتصاد الزحف: حين يطرد الربحُ المحصولَ
تشرح زينب كيف دفع نقصُ المياه بعض المزارعين إلى تحويل أراضيهم إلى تربية المواشي «على حساب الزراعة»، وكيف اضطر سكانُ دمشق لشراء المنتجات «من مناطق أبعد وبسعرٍ أعلى». وتضيف أن «رخص الأراضي» على التخوم – مقارنةً بقلب العاصمة – شجّع الزحف، خصوصاً مع «غياب دراسة خصوبة التربة قبل اتخاذ قرارات البناء، وهكذا يُعاد توزيع المكاسب، فيبقى الربح في رخصة بناء، ويُوزّع العجز على سلة غذاءٍ أغلى ومياهٍ أقل.
في المقابل، تقترح الدكتورة سمية قلبَ المعادلة: إعادة تشجير الغوطة ومنع البناء الجديد فيها، وتوجيه العمران «غرباً وجنوباً وشمالاً على الأراضي الصخرية والجرداء»، واعتبار تحويل صفة الأرض الزراعية «جريمةً بيئية» تستوجب المحاسبة الدورية.
وما تقترحه الدكتورة سمية يتسق مع تجارب دولٍ تحمي أحزمتها الزراعية حول المدن عبر حدود نموٍ عمراني ملزِمة، وهو منظورٌ عالمي تؤكده أدبيات التخطيط الحضري المعاصر.
قوانين ومسارات: بين نصٍّ يُشرّع التطوير ونقدٍ يطالب بالحماية
لا تُبنى المدن بالنوايا الحسنة وحدها؛ بل تُبنى بالقوانين أيضاً، وقد وضع القانون رقم 23 لعام 2015 أدوات للتقسيم والتنظيم وإعادة توزيع الملكيات داخل المخططات المصدّقة، وهو ما يُشبه «تجميع الأراضي» لتحقيق بنية تحتية وتطويرٍ عمراني أسرع؛ لكن قراءاتٍ حقوقية وتخطيطية لاحقة رصدت ثغراتٍ في المشاركة والشفافية وآليات الاعتراض.
ثم جاء القانون رقم 10 لعام 2018 ليوسّع نطاق إعادة التطوير إلى مناطق أوسع، ما أثار موجة انتقاداتٍ حقوقية وسياسية خشية الإضرار بالحقوق وتغيير أنماط استخدام الأرض بسرعة، وهذه الخلفية القانونية تُفسِّر جزئياً لماذا بدت حماية الأراضي الزراعية حول دمشق هشّة أمام موجات تغيير الصفة التنظيمية.
خرائط خصوبة وحدود نمو: وصفةٌ محلية للخروج من عنق الزجاجة
لكن من قلب الشهادات تبرز وصفةٌ قابلة للتطبيق، إذ تقترح زينب البدء بـ«معرفة الأماكن الخصبة بدمشق ومحيطها» ورسم «خرائط أولويات» تعيد هذه الرقع إلى الاستخدام الزراعي حيث أمكن، وحماية ما لم يُبنَ منها بعد. وتربط الاستعادة بحلّ اختناقات المياه «واستعادة حصص المزارعين» التي تعطّلت خلال سنوات الحرب، مع الإشارة إلى فصل خطوط نبع فَسَرِيّة (فاسريا) وما ترتّب عليه من تحويل الإمداد إلى مناطق محددة وبقاء أخرى بلا نصيبٍ كاف، ما أجبر المزارعين إلى تبديل نشاطهم، ورفع كلفة الغذاء على السكان.
أمّا الدكتورة سمية فتستكمل الوصفة بأداة رقابية حديثة: «أرشيفٌ للصور الفضائية للأراضي الزراعية الممنوعة من الإعمار، يُهدم أي بناءٍ جديدٍ فيها فوراً وتُفرض غراماتٌ عالية»، والغاية ليست العقوبة بحد ذاتها، بل تغيير الحوافز: حين تصبح تكلفة المخالفة أعلى من الربح، يعود القانون مُجدياً.
تقترح الدكتورة أيضاً إعادة توجيه التوسع نحو «دُمّر والأراضي الجرداء» على نحوٍ يذكّر بما تعتبره «مخططاتٍ أكثر حكمة» في حقبةٍ سابقة – حيث يترك العمرانُ الحقلَ في حاله، ويبحث عن أراضٍ أقل قيمةً زراعية.
ومن زاوية العدالة المكانية، تدعو زينب إلى كسر المركزية عبر توزيع الخدمات: «ما لازم تكون الخدمات في دمشق فقط… افتحوا مراكز وخدمات ومشافي. على سبيل المثال، في الزبداني وبلودان؛ هناك بيوت وأراضٍ زراعية ومساحات واسعة لكن لا يوجد ناس تقريباً لعدم وجود خدمات».
من الخلاصة إلى الالتزام
تتفق الشهادتان – على اختلاف منطلقاتهما – على أن التوسع العمراني في دمشق قابلٌ للتنظيم، حدود نموٍ تحمي الحزام الأخضر، خرائط خصوبةٍ تُرشد القرار، إعادة تشجيرٍ ومراقبةٌ صارمة، وتطويرٌ عمودي داخل النسيج القائم بدل قضم الحقول. والأهمّ: تفكيك مركزية الخدمات عبر توزيعٍ عادلٍ للمرافق والتعليم والصحة، كي لا تبقى العاصمة مغناطيساً لا يُقاوَم.
«التوسع العمراني في دمشق واقعٌ يمكن تنظيمه، لا قدرٌ محتوم».. «ضعوا خطاً أحمر حول الغوطة… وليكن تحويل صفة الأرض الزراعية جريمةً بيئية تُهدم مخالفتها وتُغرّم فوراً».
بهذا التوازن وحده، تستعيد المدينة علاقتها بأرضها: عمرانٌ يُؤمّن السكن والعمل، وحقلٌ يحفظ الرغيف…
اقرأ أيضاً: أزمة المياه في سوريا: هل من مخرج من شبح العطش؟