رياضة

صناعة العود الدمشقي بين التمسك بالبقاء وحمى الاندثار

صناعة العود الدمشقي بين التمسك بالبقاء وحمى الاندثار

في قلب دمشق القديمة، ينبض العود الدمشقي بروح المدينة وعراقتها. ليس مجرد آلة موسيقية، بل قطعة من ذاكرة الشام، تحمل بين أوتاره صدى الأزمنة وهمسات الأجداد. تمرّ أصابع العازف على أوتاره كما تمر النسائم على أبواب الخشب المنحوت، فتخرج نغمات تخترق القلب قبل الأذن، نغمات تحكي حكاية صانع دمشقي، صاغ الخشب والصوت كما يُصاغ الشعر، بحبّ وصبر وحنين. في هذا المقال سنتعرف على تاريخ العود الدمشقي ومميزاته.

تاريخ العود الدمشقي ممتد لسنين طويلة

يعود عمر آلة العود إلى أكثر من 2000 سنة، وجدت عند “السومريين”، وأصبحت آلة العود بالشكل الحالي عام 1879 على يدي الدمشقي عبده النحات، لكن مكان وجود العود الذي صنعه النحات مجهول حتى الآن، ويعتقد أنه في أحد متاحف تركيا ويصل ثمن العود في الماضي إلى 5 ليرات ذهبية، تبعاً لجودته.

عُرف السوريون على مر السنين بإتقانهم صناعة آلة العود الموسيقية، ويصنف العود الشامي الدمشقي من أكثر أنواع العود شهرة وجودة بين الموسيقيين ومحبي الموسيقى العربية. وتعتبر دمشق عاصمة صناعة الآلات الموسيقية الشرقية في العالم العربي بلا منازع كالعود والرق والدف، والتي يتم تصديرها بكميات كبيرة إلى معظم أنحاء العالم، ولا يوجد منافس عربي للعود الدمشقي حالياً، على الرغم من أن هناك العديد من الدول التي تصنع العود كالعود العراقي والمصري.

يعتبر العود الدمشقي انعكاساً لبيئة بلاد الشام الوسطية التي تتميز بحضارتها العريقة وطبيعتها الخلابة، وإن صوت العود الدمشقي غني جميل وعذب، يجمع كل أنواع الأصوات، لا يعطي صوتاً خشناً (قرار) ولا صوتاً حاداً (جواب) هو عود وسطي لذلك يرتاح العازف والمطرب عندما يعزف على العود السوري.

تعود صناعة آخر الأعواد من قبل إلياس عبده النحات، آخر صناع العود من أبناء عائلة النحات الدمشقية العريقة، إلى عام 1984، وقد اشتهر كثيرون من أبناء هذه العائلة كصانعين مهرة، وقد تأسس متحف “عبده جرجي نحات” وأولاده للنجارة في دمشق عام 1880، وهاجر بعدها إلى البرازيل واستقر في مدينة ساو باولو.

اقرأ أيضاً: التراث اللامادي في سوريا بين الارتباط بالهوية ومعركة الاندثار

مزايا العود الدمشقي.. ولماذا يطلب كثيراً!

تحتاج صناعة العود لأنواع أساسية من الخشب وهي الأخشاب الحراجية، ويصنع العود الدمشقي من عدة أنواع من الخشب مثل الجوز والمشمش للظهر، وذلك بسبب جودة هذه الأخشاب وتواجدها بكثرة في غوطة دمشق والشوح أو الأرز (السدر) للوجه الذي يمتاز بطراوته والصوت الحنون الذي يمنحه للآلة. ويتم تركيب زند العود والفرس والمضرب والمفاتيح ليصبح جاهزاً لتركيب الأوتار.

تمر الأعواد الدمشقية بمراحل تقطيع الخشب وصقله وتكوينه قبل أن تزين بالزخارف الدمشقية، ويعتبر الجوز أفضل أنواع الخشب لهذه الصناعة لكونه يتميز بالصلابة والجودة وهو ذو شكل جميل، ويوازيه خشب الأبانوس بالجودة إلا أن الأخير أغلى ثمناً، والحصول عليه أمر صعب للغاية .

يمتاز تصميم العود الدمشقي بشكله الراقي الكلاسيكي وزخرفته القليلة لكونه يعتمد على عرق الخشب والتزيين بفسيفساء بسيطة. كما يتضمن تصنيع العود 72 مرحلة وقد تنتهي صنع آلة خلال يومين أو عشرة أيام بناء على شكل العود ودقته وزخرفته.

تمر مراحل صناعة العود بتشريح الخشبة على شكل أضلاع وتترك لفترة من الوقت حتى تجف، من ثم تعالج الأضلاع بالماء والبخار كي لا تتأثر الأخشاب بالعوامل الجوية عند تحويلها لآلة موسيقية، وهذه الميزة المهمة للتصنيع اليدوي، ويأتي بعد ذلك لصق الأضلاع، بذلك ينجز قفص العود الخشبي. ليصنع بعد ذلك الوجه المسمى (الصدر) الذي يتضمن عوارض خشبية من الداخل، لربط الصدر بالظهر وتوزيع الصوت، كذلك تظهر فيه فتحات تحفر بشكل متوازن ومتناسب مع العود وحجمه، لنبدأ بتصنيع الساعد والمسمى (الزند)، وهناك القياس الكبير والقياس الأصغر المسمى (ثلاثة أرباع) الذي كانت تعزف عليه النساء.

يعود سر تفوق العود الدمشقي على غيره من الأعواد الأخرى أنه يبقى لأكثر من مئة سنة دون أن يتغير، فتوجد أعواد عمرها 120 سنة وما يزال العزف عليها ممكناً، كما أنه يحافظ على وضعه، بل يصبح صوته أجود كلما ازداد عمره دون أن يتأثر بالعوامل الطبيعية، والحرفي الدمشقي يضع روحه في الآلة الموسيقية التي يصنعها. تتفاوت أسعار العود بين أسعار رمزية ومرتفعة حسب دقتها، وكلما زاد عمر العود يرتفع سعره وقيمته الفنية ويصبح صوته أجمل وبالتالي يحدد ثمنه بناء على مدة تصنيعه وزخرفته.

اقرأ أيضاً: تخريب معهد الموسيقى الوطني بدمشق..القصة الحقيقية الكاملة

إدراج العود الدمشقي على قائمة التراث اللامادي لليونيسكو

اعتبر فن صناعة الأعواد والعزف عليها العنصر الخامس الذي يدرج باسم سوريا بعد تسجيل عناصر القدود الحلبية والوردة الشامية، والصقارة والقنص وعنصر مسرح خيال الظل على لائحة التراث العالمي الإنساني. أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “يونسكو” عنصر صناعة العود والعزف عليه في سوريا على قائمة التراث الإنساني الثقافي اللامادي،  خلال اجتماع الدورة الـ 17 للجنة الحكومية الدولية لحماية التراث الثقافي اللامادي الذي عقد في العاصمة المغربية الرباط في عام  2022.

كما تحركت وزارة الثقافة السورية عبر مديرية التراث اللامادي وكوادرها المنتشرة في المحافظات السورية على رصد العنصر التراثي ومعاينته دورياً، ومتابعة التحديات التي تواجهها هذه الحرفة بمشاركة المجتمعات السورية الحاملة والممارسة هذا العنصر لصون هذا التراث.

في عام 2018، عملت الأمانة وتعاونت مع السوريين الممارسين لصناعة الأعواد، إضافة إلى العازفين والملحنين، على حصر هذا التراث من خلال مقابلات مع “شيوخ الكار” في دمشق وحلب، وأهم الحرفيين في مختلف المحافظات السورية كحماة والسويداء.

صناعة العود الدمشقي من الصناعات التاريخية والعريقة، والمتجذرة في وجدان السوريين وتاريخ الفن السوري والحرف اليدوية، فالدمشقي يضع روحه ولمسته في صناعة هذا التراث السوري.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.