الكاتب: أحمد علي
بالمعنى العام، تعود فكرة حكومة الوحدة الوطنية إلى الواجهة عادةً حين تبدو السياسة عاجزة، والخطوات لا تتناسب مع ضرورات الواقع والمرحلة. سوريا تعيش اليوم هذا النوع من اللحظات بكثافة، وسط مرحلة انتقال سياسي معقّدة، وأسئلة مفتوحة حول الشرعية والتمثيل وتوزيع الموارد وحدود السلطة وغيرها من القضايا الأخرى التي تكاد لا تنتهي…
سنضع في البداية مجموعة من المعطيات والبيانات الاقتصادية التي تظهر حجم المأساة الماثلة في سوريا، فالتقديرات الأوروبية الرسمية تشير إلى أن نحو 16.5 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وأن قرابة 14.6 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار وجود حوالي 1.5 مليون نازح في مخيمات ومواقع شبيهة بالمخيمات، وتراجع واضح في قدرة قطاع الصحة، ووجود فجوات كبيرة في المياه والتعليم.
في المقابل، تُظهر بيانات برنامج الأغذية العالمي تقديراً مختلفاً لبعض المؤشرات، بينها 9.1 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي و7.2 مليون نازح داخلي، إلى جانب إشارة صريحة إلى تقلصات كبيرة في المساعدات خلال 2024 بسبب نقص التمويل. كذلك لدينا مؤشر الأمم المتحدة الذي يقول إن 90 % من السوريين يعيش تحت خط الفقر.
وهذا على صعيد الاقتصاد، أما على صعيد السياسة فالأمور لا تقل تعقيداً، فمنذ مؤتمر النصر، ومؤتمر الحوار الوطني الذي أنجز بخمسة ساعات، بدأت الإشكاليات السياسية تظهر مع شكل الحلول التي يتم رسمها وتطبيقها ومدى شرعيتها وقانونيتها.. واستمر الأمر مع الإعلان الدستوري والشكل الذي تم عبره إجراء ما سمي بانتخابات مجلس الشعب الذي لم يبصر النور حتى هذه اللحظة.
وسط هذا المشهد، تُطرح حكومة الوحدة الوطنية اليوم من قبل البعض بوصفها محاولة لإعادة بناء “الحد الأدنى” من الدولة، عبر جمع القوى السياسية والاجتماعية الأوسع ضمن حكومة واحدة ذات صلاحيات فعلية، تمهّد لمسار أوسع مثل مؤتمر وطني عام أو تفاهمات دستورية جديدة.
حكومة الوحدة الوطنية ومعناها العملي
تستخدم الأدبيات السياسية تعبير “حكومة الوحدة الوطنية” عادة لوصف ائتلاف حاكم يضم القوى الأساسية في المجتمع السياسي، خصوصاً في سياقات الأزمات الكبرى، مثل الحروب أو الانقسامات الحادة أو الانسداد بعد صراع طويل. إحدى الصياغات الأكاديمية تختصرها بأنها ائتلاف واسع يهدف إلى إشراك “اللاعبين” السياسيين الرئيسيين في هياكل الحكم من أجل خفض مستويات الصراع وفتح طريق نحو استقرار يسمح بإصلاحات مؤسساتية أو دستورية.
لكن “الوحدة” هنا ليست صفة عاطفية ولا خاتمة تلقائية للصراع. هي صيغة إدارة للخلاف تحت سقف واحد، ما يعني أن نجاحها مرتبط بتفاصيل شديدة العملية، مثل وضوح قواعد الشراكة، وتوازن الصلاحيات، والإطار الزمني، وآليات المساءلة. وتشير أدبيات الوساطة في حكومات الوحدة أيضاً إلى نقطة حساسة، وهي أن كثيراً من هذه الحكومات يكون عمرها مؤقتاً، وأن التنفيذ قد يتعثر إذا غابت القدرة على فرض الاتفاق أو مراقبته.
بهذا المعنى، يمكن التفكير في حكومة الوحدة الوطنية كمفتاح لفتح باب مغلق، لا كحل يغيّر كل شيء بمجرد الإعلان عنه. المفتاح قد يعمل إذا كان القفل نفسه قابلاً للإصلاح، وإذا قبلت الأطراف أن “الخروج من الأزمة” يتطلب تنازلات متبادلة لا ترتيبات شكلية.
لماذا عاد الطرح الآن
عودة النقاش ليست “حزبية” الطابع فقط، بل جزء منها داخلي نابع من احتكاك الناس اليومي بانهيار الخدمات وارتفاع الأسعار وتآكل الثقة، وجزء آخر مرتبط ببيئة دولية وإقليمية أكثر اضطراباً، ما يرفع تكلفة الانتظار ويضغط على ملفات الغذاء والطاقة والتمويل. والفكرة مرتبطة مباشرة بمحاولة صد مخاطر تفجير المجتمع من الداخل عبر توترات ثانوية، وهي في مواجهة المشكلة الجامعة للأغلبية الساحقة، أي الفقر وتدهور الواقع الاقتصادي والاجتماعي وغياب حلول كبيرة.
كذلك، فإن توحيد “الكتلة الأوسع” من المجتمع حول مصالح معيشية مشتركة هو بوابة لتخفيف القابلية للانقسام، وبالتالي لخفض احتمال العودة إلى انفجارات داخلية جديدة. ومن زاوية أخرى، يأتي الدفع نحو حكومة وحدة وطنية أيضاً يأتي بوصفه أداة عملية وتنفيذية لتوحيد البلاد والعبور نحو الاستقرار.
الواقع السوري بالأرقام
يقدّم الواقع الاقتصادي خلفية ثقيلة لأي نقاش سياسي. بيان البنك الدولي في تموز 2025 يشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي تقلص تراكمياً بأكثر من 50% منذ 2010، وأن نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي انخفض إلى ما بين 560 و830 دولاراً في 2024، مع توقع نمو متواضع يقارب 1% في 2025. هذه ليست “تفاصيل مالية”، بل حدود واقعية لقدرة أي حكومة على تمويل الرواتب، وإصلاح شبكات الكهرباء، ودعم الخبز، وتأمين الاستيراد، وضبط التضخم.
على مستوى الاحتياجات الإنسانية والخدمات، تُظهر المعطيات أن 16.5 مليون يعتمدون على المساعدة، وأن 62% من المشافي و41% من مراكز الرعاية الأولية تعمل، وأن انعدام الأمن الغذائي وصل إلى 14.6 مليون، وأن “نحو نصف السكان” يفتقدون وصولاً كافياً إلى مياه شرب آمنة، وأن بين 2.5 و3 ملايين طفل خارج المدرسة. هذه الأرقام، حتى قبل الخوض في السياسة، تصف “عقدة” مركبة تشمل اقتصاداً متهالكاً وخدمات غير مستقرة ونزوحاً واسعاً.
أي أنه بشكل أو بآخر، ليست المسألة “تشكيلة حكومة” فقط، بل “قدرة حكومة” على الإمساك بملفات معيشية ثقيلة في ظرف موارد محدود واستقطاب سياسي لا يزال حاضراً، ما يرفع سقف التوقعات ويُسرّع خيبات الأمل إذا غابت النتائج الملموسة.
التعقيدات الدستورية والسياسية
السؤال العملي يبدأ من هنا، كيف تُولد حكومة وحدة وطنية، وعلى أي أساس قانوني وترتيبي، ومن يمنحها الشرعية والصلاحيات. المرجعية الدولية الأكثر تكراراً على الألسن هي قرار مجلس الأمن 2254، الذي يؤكد أن الحل يجب أن يكون عبر عملية سياسية شاملة بقيادة سورية، ويذكر إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة بصلاحيات تنفيذية كاملة، ويتضمن دعماً لمسار دستور جديد وانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة.
هذا الإطار العام يترك مساحة واسعة للاجتهاد والتأويل، وهو ما ينعكس في النقاش السوري. في قراءة البعض، نجد ان حكومة وحدة وطنية حقيقية تعني حكومة بصلاحيات فعلية تضم التيارات الأساسية، وتكون خطوة أولى نحو مؤتمر وطني عام شامل يقرر السوريون من خلاله مصيرهم. وهنا تظهر فكرة موازية تقول إن التمثيل الواسع والمؤتمر الوطني العام يجب أن يسبقا أو يصاحبا أي صيغة انتقال.
دروس من حكومات مشابهة
التجارب الدولية لا تعطي وصفة جاهزة، لكنها تضيء ما الذي يجعل “حكومة وحدة” تعمل أو تتعثر. في حالات ما بعد العنف الأهلي في أفريقيا مثلاً، تشير قراءات بحثية إلى أن الحكومات الجامعة قد تُهدّئ الشارع وتفتح باب إصلاحات، لكنها قد تقع بسرعة في فخ التنافس داخل الحكومة نفسها، أو في فسادٍ أعلى، أو في تحويل القوة إلى مكافأة.
مثالان غالباً ما يُستشهد بهما لأنهما يوضحان النقيضين. تجربة كينيا بعد أزمة 2007-2008 تُقدَّم كحالة نجحت في تمرير إصلاحات مهمة بينها دستور جديد وإصلاحات سياسية، لكنها لم تُنهِ مشكلات كبرى مثل الفساد أو ملف المحاسبة على العنف. في المقابل، تُقدَّم تجربة زيمبابوي 2009-2013 كحالة تعثرت لأن الطرف الأقوى احتفظ فعلياً بمفاصل السلطة ومنع معظم الإصلاحات، باستثناء مسارات محدودة.
وفي سياق الوساطة، تشير ورقة مؤسسية حول حكومات الوحدة إلى أن هذه الصيغ قد تُستخدم كحل مرحلي لإدارة انتقال أو خفض التصعيد، لكنها تحتاج إلى قدرة تنفيذية واتفاق واضح وإلا قد تبقى سطحية في معالجة جذور الصراع.
إذا أسقطنا هذه الدروس على سوريا، من دون قفز إلى استنتاجات مسبقة، يظهر أن التسمية لا تكفي. عنصر النجاح يرتبط بالمعادلة التالية: مدى واقعية التمثيل، مدى حقيقية الصلاحيات، مدى وضوح البرنامج الزمني، ومدى وجود آليات لتجنب تحوّل الحكومة إلى محاصصة أو إلى واجهة تستمر تحتها السياسات نفسها.
في النهاية، يمكن أن تفكك حكومة الوحدة الوطنية “عقدة” الواقع إذا كانت صيغة محددة لا شعاراً، وإذا ارتبطت بمهام قصيرة المدى تقاس بأثرها على حياة الناس، وبإطار تمثيلي واسع يخفف شعور الإقصاء ويقلل احتمالات التوتر.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: الواقع المعاشي وتصريحات الحكومة