الكاتب: أحمد علي
قد يبدو للوهلة الأولى أن المشكلة هنا تقنية فقط، لكنها ليست كذلك، هي أقرب إلى مشهد يومي يعرفه الموظف والمتقاعد أكثر مما يعرفه الخبير، راتب يصل على الورق، ثم يتعثر في الطريق إلى اليد. لهذا بدت اتفاقية المصرف التجاري السوري مع شركة “الفؤاد” أكثر من خبر مصرفي عابر، لأنها تمس الحلقة الأكثر احتكاكاً بالناس، أي نقطة الحصول الفعلي على المستحقات، لا مجرد تسجيلها في الحساب. لكن هذا هو أول السؤال فقط، لا آخره. فالتوسّع في نقاط الخدمة قد يخفف الضغط، وقد يختصر المسافة والوقت وكلفة الانتظار، إلا أنه لا يلغي وحده أزمة أعمق تتصل بالسيولة، وبانتشار الخدمات، وبثقة متعبة في قطاع مصرفي خرج من سنوات الحرب والعقوبات والاختناقات النقدية وهو يحمل أكثر من ندبة.
الوصول إلى المستحقات أولاً
بحسب الإعلان الرسمي الصادر في 31 آذار 2026، أصبح بإمكان حاملي بطاقات الدفع الإلكتروني الصادرة عن المصرف التجاري السوري سحب الرواتب والمستحقات المالية من مراكز شركة “الفؤاد”، مع إيداع الأموال وتحويلها مباشرة إلى حساب البطاقة، ومع وعد واضح بتوسيع التغطية، ولا سيما في المحافظات الشمالية. وهذا مهم لسبب بسيط، لأن الاختناق لا يبدأ دائماً من غياب المال في الحساب، بل من ضيق المنافذ التي يمر منها.
اللافت أن الاتفاق الجديد لم يأت منفصلاً، فالمصرف نفسه قال إنه يأتي بعد اتفاقات مشابهة مع شركتي الهرم وشخاشيرو، وكان قد أطلق في شباط خدمة موازية عبر مراكز شخاشيرو مع انتشار واسع في محافظات الشمال والشرق، ثم أعاد افتتاح فرعه في إدلب بعد انقطاع طويل. هنا تظهر الصورة الأوسع، ليس قراراً واحداً، بل محاولة لبناء شبكة وصول أوسع، فيها فروع، وفيها شركات حوالات، وفيها بطاقات، وفيها خدمات رقمية مساندة. هذا بحد ذاته تغيير في طريقة التفكير، لأن المصرف يحاول أن يذهب إلى المواطن، لا أن يبقى المواطن أسير الفرع والصراف.
أزمة السيولة لم تنكسر
مع ذلك، لا يجوز المبالغة، لأن توسيع نقاط الخدمة لا يساوي تلقائياً حل أزمة الوصول إلى المستحقات. البنك الدولي قال في تموز 2025 إن سوريا كانت تواجه أزمة سيولة حادة بسبب نقص الأوراق النقدية وتعطل تداول العملة محلياً. والصور التي خرجت لاحقاً من طوابير الرواتب لم تكن تفصيلاً إعلامياً، بل علامة على أن المشكلة تقع في صلب الدورة النقدية نفسها.
كذلك، فإن الملحوظ أن الموظفين ينتظرون ساعات طويلة خارج المصارف، وسقوف السحب منخفضة، وعن صرافات كثيرة لا تعمل أو تتوقف باكراً مع نفاد النقد.
حتى الإجراءات التي أعلنها المصرف التجاري في مطلع 2026 تكشف حجم الضيق أكثر مما تعلن نهاية الأزمة. فقد عدّل سقف السحب عبر الصرافات للمتقاعدين إلى عشرة آلاف ليرة سورية يومياً بدلاً من السقف الأسبوعي السابق. وهذا يخفف عن بعض المستفيدين من جهة انتظام السحب، لكنه يقول في الوقت نفسه إن الكتلة النقدية المتاحة ما تزال تضغط على الخدمة.
بكلمات أبسط، حين يتوسع عدد النوافذ بينما يظل النقد نفسه شحيحاً، فإن الاختناق يتوزع، لكنه لا يختفي بالكامل.
الجغرافيا تصنع الفارق
أين يمكن أن يظهر الأثر الأسرع إذاً؟ في الجغرافيا. هذا هو الجزء الأكثر واقعية في الاتفاق. المصرف أكد أن التعاون مع “الفؤاد” يعزز التغطية في المحافظات الشمالية، وهي مناطق ظلت طويلاً أبعد عن مركز القرار المالي والخدمة المصرفية المنتظمة. وعندما نضع ذلك بجانب إعادة افتتاح فرع إدلب، يتضح أن الفكرة ليست تقنية فقط، بل خدمية وإدارية أيضاً، أي تقليص المسافة بين المؤسسة وصاحب الحق.
هذا مهم لأن كلفة الوصول إلى المستحقات في سوريا ليست مالية فقط. هناك وقت مهدور، وأجرة نقل، ويوم عمل ضائع، ومشقة إضافية على كبار السن والمتقاعدين وذوي الدخل المحدود. لذلك يمكن لهذا التوسع أن يخفف جزءاً حقيقياً من العبء، خصوصاً عندما يصبح صرف الراتب أو الإيداع أو التحويل ممكناً من مركز حوالات قريب بدلاً من رحلة إلى فرع مزدحم أو صرافة معطلة. هنا يصبح التغيير ملموساً. ليس في الخطاب، بل في اليوم العادي للناس.
الثقة قبل التكنولوجيا
لكن المسألة لا تقف عند عدد المراكز، فالوصول إلى المستحقات يحتاج ثقة، والثقة لا تُبنى بإعلان واحد. في كانون الثاني 2025، قالت رويترز إن المودعين سيسمح لهم مجدداً بطلب السحب والتحويل والإيداع بعد قرار فك تجميد معظم الحسابات، لكن التنفيذ بقي مرتبطاً بالسيولة المتاحة لدى البنوك.
وهذه العبارة وحدها تختصر كثيراً، فالمشكلة ليست قانونية فقط، بل تشغيلية أيضاً، ويستطيع المصرف أن يفتح الباب، لكن المرور منه يبقى رهناً بما يتوافر فعلاً في الداخل.
لهذا تبدو خطوة توسيع الخدمة مفيدة حين تُقرأ ضمن مسار أطول، لا كحل منفرد. هناك تطبيق للمحمول، وخدمة رسائل لعمليات التحويل، وورش عمل مع “فيزا” لدفع تحديث منظومة المدفوعات، ومنحة من البنك الدولي في آذار 2026 لتعزيز إدارة المالية العامة والتمهيد لرقمنة بعض الوظائف الأساسية. كل ذلك يشير إلى اتجاه عام نحو تحديث البنية المالية. لكن النجاح هنا لن يقاس بعدد الاتفاقيات فقط، بل بقدرة المواطن على أن يقبض حقه في وقت معقول، من دون طابور طويل، ومن دون رحلة إضافية، ومن دون خوف من أن يعود خالي اليدين.
اختبار الرواتب القادمة
الجواب الأقرب إلى الدقة هو أن الاتفاق قد يخفف اختناقات الوصول إلى المستحقات، نعم، لكنه لن يحلها وحده بالتأكيد. أثره المباشر سيكون في توسيع منافذ الخدمة، وتخفيف الضغط عن الفروع والصرافات، وتحسين الوصول في المناطق الأبعد. وهذا ليس قليلاً في بلد أنهكته المسافات والازدحام وضعف النقد. لكن الأثر الأعمق يبقى مشروطاً بما هو أكبر من شركة حوالات وأوسع من بطاقة مصرفية، أي توفر السيولة، واستقرار الدورة النقدية، ورفع موثوقية الخدمة نفسها.
المعيار الحقيقي سيظهر مع دورات الرواتب المقبلة.. فإذا انخفضت الطوابير، وتراجعت الرحلات المتكررة إلى الفروع، وصار الإيداع والتحويل والسحب يتمان من نقاط أقرب وبزمن أقل، فسنكون أمام خطوة ناجحة في مكانها الصحيح. أما إذا بقيت السيولة تضيق، وبقيت الخدمة تتعثر عند الصراف أو عند نافذة الصرف، فسيبقى الاتفاق مفيداً لكنه جزئي، يخفف طرف الأزمة من دون أن يمس قلبها.
اقرأ أيضاً: عن الذهب وتغطية العملة.. كيف نفهم تصريح حاكم المصرف؟!