الكاتب: أحمد علي
يتقدّم الدواء على الجهاز حين تُختبر قدرة أي منظومة صحية على حماية الناس، فالقصة لا تبدأ من جهاز تصوير حديث بل من إبرة لا يتم العثور عليها في الوقت المناسب، ومن مضاد حيوي يتأخر فيحوّل وعكة عابرة إلى إقامة أطول. في سوريا، حيث تتقاطع آثار حرب طويلة مع اقتصاد مضغوط وتراجع في التمويل، بات سؤال الإمداد الصحي يطل على تفاصيل العلاج اليومية، وتغدو حكاية مشفى واحد مدخلاً لقراءة أزمة أوسع تمتد عبر المحافظات.
أزمة الإمداد في المحافظات تتكشف
تؤكد مصادر دولية معنية بالتنسيق الصحي أن اضطراب توريد الأدوية والمعدات ما زال من التحديات الحرجة، وأن أصنافاً أساسية للأمراض المزمنة والصحة النفسية وصحة الأم والطفل قد تكون أقل حضوراً مما تتطلبه الحاجة. وتضيف هذه المصادر أن جزءاً مهماً من شبكة المرافق لا يعمل بكامل طاقته، وأن مرافق كانت تتلقى دعماً أصبحت مهددة بالتوقف مع تغيّر التمويل، ما يضغط على ما تبقى من شبكات الإحالة والاستقبال.
وهنا تُختبر المحافظات بوصفها مساحة حساسة للعدالة في التوزيع، لأن التأخير في الوصول قد يكون فرقاً بين علاج متاح وفاتورة لا تُحتمل.
مشفى حمص الجامعي كمرآة
أُحدث مشفى حمص الجامعي بمرسوم تشريعي عام 2021 بوصفه أول مشفى جامعي في المنطقة الوسطى، ويعرّف نفسه كمؤسسة تجمع بين الخدمة الصحية والتدريب السريري. بحسب بياناته التعريفية يضم نحو 200 سرير موزعة على خمسة طوابق مع خدمات مساندة، لكن التشغيل اليومي لا يُقاس بعدد الأسرّة وحده، بل بما يتوافر حولها من أدوية وأدوات تعقيم ومواد مخبرية وقطع تبديل وحتى خدمات تموين ونظافة.
تظهر هذه الطبيعة المركبة في ما ينشره المشفى من إعلانات طلب عروض ومناقصات لأعمال النظافة وتوريد مواد غذائية وتموينية، وبطلبات لتجهيزات مثل فلوميترات الأوكسجين، وبمشروعات صيانة لأجهزة المونيتور وأجهزة التنفس ومجموعات التوليد. وهذه الإعلانات لا تكفي وحدها للحكم على مستوى الكفاءة، لكنها تشرح أن المشفى يعيش داخل سلسلة إمداد واسعة، وحين تتعثر حلقة واحدة يصبح الجهاز المتوافر أقل فاعلية، ويصبح الدواء الذي يملأ الوصفة أصعب وصولاً.
في تشرين الأول 2025 أعلن عن تسلّم المشفى دفعة من التجهيزات الطبية ضمن مبادرة محلية بقيمة 61 ألف دولار ضمن منحة أكبر، وشملت طاولة عمليات ووحدة إضاءة وأجهزة مراقبة وجهازي إيكو دوبلر، وقدمت المبادرة ذلك بوصفه استجابة لاحتياجات حددتها إدارة المشفى لسد نقص المعدات. الدلالة هنا أن تحديث غرفة عمليات إضافية قد يحتاج أحياناً إلى دعم خارج الموازنات المعتادة، بينما تبقى أزمة الإمداد الدوائي اليومية أكثر تعقيداً لأنها ترتبط بسوق وإجراءات وقيود استيراد وتمويل.
سلسلة توريد تتعثر محلياً
تقدم روايات محلية رسمية تفسيراً متعدد الطبقات لأزمة الإمداد في المحافظات. في حديث لصحيفة محلية، أشار مسؤول في وزارة الصحة إلى أن النقص نتيجة عوامل متراكبة، منها تشدد إجراءات التعاقد بعد تعديل عتبات الشراء بهدف الحد من الفساد، وهو ما قد يطيل زمن التوريد. وأضاف أن بعض الأصناف غير متوافر في السوق المحلية، وأن الاستيراد يواجه صعوبات مرتبطة بالعقوبات، إلى جانب عزوف مزودين عن دخول المناقصات بسبب آليات الدفع وحدود السحب المصرفي.
يتداخل ذلك مع واقع لوجستي لا يقل تأثيراً، فالأدوية والمستهلكات التي تحتاج إلى تبريد أو نقل سريع تتأثر بتقطع الكهرباء وارتفاع كلفة الوقود، كما أن صيانة الأجهزة الطبية تصبح جزءاً من المشكلة حين تتأخر قطع الغيار. وبينما تبدو بعض الحلول تقنية مثل تتبع حركة الدواء وإعادة توزيع المخزون وفق الاستهلاك، تبقى فعاليتها رهناً ببيانات دقيقة وبإطار رقابي يوازن بين منع التسرب وعدم إطالة الشراء.
المرضى بين البدائل المكلفة
عند مستوى المريض، تُترجم أزمة الإمداد في المحافظات إلى رحلة علاجية أطول وأغلى. ونقلت تقارير صحافية شهادات لمرضى قالوا إنهم اضطروا لشراء مستلزماتهم من خارج المشفى، أو لإجراء تحاليل وتصوير في مراكز خاصة بسبب غياب أجهزة أو توقفها، وتحدث بعضهم عن تكاليف كبيرة قياساً بالدخل. وهذه الشهادات ليست إحصاءً شاملاً، لكنها تكشف منطقاً يتكرر، وهو أن المشفى الحكومي قد يؤدي دور الاستقبال والتشخيص الأولي، ثم تُدفع الأسر نحو القطاع الخاص لاستكمال ما يفترض أن ينجز داخله.
في حمص، يرتبط المشفى الجامعي بدور تدريبي، فغياب أدوية أو مواد مخبرية يضغط على العلاج وعلى التدريب معاً، كما أن الإحالات من الريف أو من محافظات مجاورة تفترض مخزوناً مستمراً، فإذا انقطع المخزون يصبح المريض عالقاً بين مسافة السفر وكلفة الشراء.
كما تتصل المسألة بقدرة النظام على توزيع ما يتوافر بعدل، إذ تميل سلاسل الإمداد عادة إلى التركيز حول المخازن واللجان المركزية، بينما تحتاج المحافظات إلى هامش قرار أسرع في الطوارئ. ويشير بعض العاملين في القطاع إلى أن نقص صنف واحد قد يربك بروتوكولاً علاجياً كاملاً، فتُستبدل الأدوية بما هو أقل فعالية أو تُؤجل الجرعات، وهذا ينعكس على مدة الإقامة وعلى الضغط على الأسرة.
لذلك تبدو أزمة الإمداد في المحافظات مسألة جودة علاج بقدر ما هي مسألة توفر، وتتضاعف الكلفة حين تصبح الأسواق الخاصة الخيار الوحيد فعلاً.
مخارج واقعية للنقاش العام
تظهر في المصادر المتاحة اتجاهات إصلاحية يجري تداولها، فوزارة الصحة تحدثت عن آليات توزيع تعتمد على الاستهلاك الفعلي وتفعيل تتبع إلكتروني لحركة الدواء، وعن التعاقد مع شركات محلية لإنتاج بدائل للأصناف المفقودة وفتح قنوات توريد بالتعاون مع منظمات دولية. وفي المقابل، تحذر تقارير التنسيق الصحي من أن تقليص دعم المرافق يخلق ضغطاً انتقالياً على مرافق أخرى داخل المحافظة نفسها.
في حالة مشفى حمص الجامعي، يبدو الدرس أن الاستثمار في الأجهزة يجب أن يسير مع خطة صيانة وقطع تبديل وتدريب وتشغيل، وأن هذا كله يبقى ناقصاً من دون أدوية ومستهلكات مستقرة. كما أن نشر المناقصات والعطاءات يمكن أن يكون فرصة لتعزيز الشفافية، شرط أن تُصمم الشروط بما لا ينفّر الموردين، وأن تُختصر الدورة الزمنية لتأمين الأصناف الحيوية عبر مسارات شراء سريعة مدققة.
لهذا كلّه، فإن القول إن دواء المستشفى قبل جهازه ليس موقفاً ضد التكنولوجيا، بل تذكير بأن النظام الصحي يُقاس بقدرته على تأمين الإمداد المنتظم قبل الاحتفاء بأي تحديث. وقصة مشفى حمص الجامعي تصلح كعدسة لفهم أزمة الإمداد في المحافظات وطرح سؤال بسيط، كيف يمكن جعل الدواء متاحاً بالعدل ذاته الذي نبحث به عن جهاز جديد.
اقرأ أيضاً: مخبر حمص المركزي “مجاني”.. لكن هل تكفي الفحوص لحماية الصحة العامة؟