بقلم: ريم ريّا
أصدرت الهيئة العامة السباعية لدى محكمة النقض السورية القرار رقم 12 لعام 2025 القاضي: بالتوقف عن الحكم بين الأفراد بأي نص أو اجتهاد يقضي بالحكم بالفائدة القانونية أو بالتعويض الذي يجري مجرى الفائدة في الديون والمبالغ التي تحكم بها المحاكم في الجمهورية العربية السورية وعلى مختلف درجاتها وأنواعها، مع تعميم هذا المبدأ على جميع المحاكم للعمل به.
قرار الهيئة العامة أثار الجدل بين القانونيين في سوريا من جهة وبين المصارف والبنوك من جهة أخرى. وتمحورت الآراء حول قانونية هذا القرار من الجانب الحقوقي وآثاره، وبين استياء المصارف منه واعتباره سبباً لمماطلة المدين “الموسر”، بالتالي خسارة الدائنين لحقهم. في هذا المقال سنناقش بموضوعية وبناءً على مقارنة قانونية مدى صحة اتخاذ هذا القرار من قبل الهيئة العامة التي استندت بإصداره إلى الإعلان الدستوري المعتمد في البلاد، ريثما يتم إقرار دستور رسمي للبلاد بناءً على الإجراءات المتبعة في إصدار الدساتير. فما المآخذ القانونية على قرار الهيئة السباعية لمحكمة النقض؟
الفرق بين الدستور والإعلان الدستوري في سوريا
سنوضح الفرق بين الإعلان الدستوري والدستور بشكل مبسط. الإعلان الدستوري هو وثيقة مؤقتة تصدرها السلطة الحاكمة لكي تنظم الدولة خلال فترة انتقالية، على سبيل المثال عند وجود ثورة أو تغيير سياسي كبير في الدولة كما حصل في سوريا. أما الدستور فهو القانون الأساسي للدولة، والذي ينظم كل شي بشكل دائم، من الحكم للحقوق والواجبات.
الإعلان الدستوري عادة يكون شي مؤقت ويتغير بسهولة وينشئ بسهولة حسب الظروف السياسية، بينما الدستور شيء ثابت ولا يتغير إلا بإجراءات معقدة وبموافقة الشعب.
كما يختلف كل منهما بالهدف، فالإعلان الدستوري هدفه تسيير الأمور بشكل مؤقت لحين استقرار الأوضاع، بينما الدستور هدفه يكون المرجع الأساسي والدائم الذي ينظم العلاقة بين الحكومة والشعب.
الإعلان الدستوري عادةً تصدره جهة انتقالية متل مجلس عسكري أو حكومة مؤقتة، أما الدستور يكتب عن طريق لجنة تأسيسية أو برلمان منتخب، ومن ثم الشعب يصوت عليه.
من ناحية المحتوى، الإعلان الدستوري يعطي الخطوط العريضة فقط ولا يدخل بالتفاصيل ويكون غالباً ركيك، بينما الدستور فيه كل شيء بالتفصيل عن نظام الحكم، والسلطات، والحقوق، والقوانين.
من ناحية الشرعية، الإعلان الدستوري يأخذ شرعيته من الجهة التي أصدرته وليس بالضرورة أن يكون الشعب موافق عليه، أما الدستور فيجب الشعب أن يصوت عليه ويوافقه لكي يصبح قانوني، وتختلف إجراءات إقرار الدستور من بلد إلى آخر، في سوريا الأسلوب المتبع هو الاستفتاء الشعبي وفقاً لآخر دستور صدر عام 2012 وأوقف العمل فيه عام 2024.
الإعلان الدستوري هو حل مؤقت يضع قواعد الدولة بفترة انتقالية، أما الدستور فهو القانون الأساسي الدائم الذي ينظم كل شيء بالدولة بشكل واضح ورسمي.
اقرأ أيضاً: اللجنة العليا للانتخابات تصدر القرار رقم (31)
الفرق بين الربا والفائدة القانونية في القانون السوري
المادة 647 من قانون العقوبات السوري تجرّم جريمة المراباة، وتعرفها بأنها كل عقد قرض مالي لغرض غير تجاري يفرض على المقترض فائدة ظاهرة أو خفية تتجاوز الحد القانوني.
الفرق الرئيسي يكمن في أن الربا يعتبر زيادة غير مشروعة ومخالفة للشريعة الإسلامية، بينما الفائدة القانونية هي زيادة يحددها القانون بشكل صريح وتكون غالباً نتيجة للتأخير في سداد دين. في النظام القانوني السوري، يتم التفريق بينهما حيث يعتبر الربا الفاحش مخالفاً للنظام العام، بينما يتم تنظيم الفائدة القانونية بنص صريح في القانون، مثل تحديد نسبة مئوية سنوية لها، وقد يسمح القانون بتحديد نسبة معينة في اتفاق الأطراف ولكن بحدود معينة.
في المسائل المدنية السورية، تحدد الفائدة القانونية المسموح بها بسعر محدد في القانون، وهو 4% سنوياً في حال عدم الاتفاق على سعر آخر، وتسري هذه الفائدة من تاريخ المطالبة القضائية بها ما لم يحدد اتفاق آخر أو عرف تجاري تاريخاً آخر. يجوز للمتعاقدين الاتفاق على نسبة فوائد أخرى بشرط ألا تزيد على 9% سنوياً، وإذا تم الاتفاق على نسبة أعلى، وجب تخفيضها إلى 9%. وفي المسائل التجارية 5%.
المآخذ القانونية على قرار محكمة النقض
وفق ما أورد بعض القضاة والمحامين وأدلوا بآرائهم القانونية والمستندة إلى أحكام القانون المدني السوري النافذ، وحسب الإجراءات القانونية أصولاً المتبعة في الجمهورية العربية السورية، وبناءً على الفرق بين الدستور والإعلان الدستوري من ناحية الهدف منهما ونطاق عملهما الشرعي، خلصت جميع الآراء لعدم صواب القرار واعتباره باطل باستناده للمادة الثالثة من الإعلان الدستوري الحالي في البلاد، التي تنص على الاحتكام للفقه الإسلامي، ووصفتها في تعليلها لهذا الاستناد أن هذه المادة من القواعد الآمرة التي لا يجوز مخالفتها.
فقد أخطأت الهيئة العامة السباعية لدى محكمة النقض في هذا القرار من عدة نواحٍ :
- ليس من اختصاص الهيئة العامة السباعية اعتماد المبادئ القانونية، وإنما اختصاصها توحيد الاجتهاد القضائي ( عند تضاربه وتناقضه)، والعدول عن الاجتهاد القضائي (السابق)، وبالتالي فإنها قضت في أمر لا اختصاص قانوني لها فيه. وبذلك يصبح القرار معدوماً لهذه الجهة.
- ما دام المشرع قد أوجد في الإعلان الدستوري محكمة دستورية عليا، فإن النظر في عدم دستورية أي قانون يخرج عن اختصاص أي هيئة قضائية أخرى، وكان ينبغي على الهيئة العامة التمهل في إصدار الحكم وحث رئيس الجمهورية على تشكيل المحكمة الدستورية العليا.
- الحكم بعدم توافق القانون مع نصوص الإعلان الدستوري في موضوع مكانة الشريعة في التشريع يخص، على ما انتهى إليه “اجتهاد المحكمة الدستورية العليا المصرية”، القوانين التي تصدر بعد الإعلان الدستوري لا قبله.
- وممكن لمجلس “الشعب” المقبل تعديل القوانين السابقة لصدور الاعلان الدستوري كما يشاء باعتباره هو السلطة التشريعية التي تسن القوانين في سوريا أو في أي دولة في العالم، وبالمحصلة قضت المحكمة (بالعدول) عن تطبيق نصوص قانونية من دون أساس قانوني.
من الناحية العملية أيضاً، هذا المبدأ يعطل نصوص قانونية كثيرة كالمواد 228 وما بعدها من القانون المدني السوري، والكثير من مواد القانون التجاري كالمواد (108، 158، 193). والمادة 452 أصول محاكمات مدنية (غرامة الإنكار)، كذلك يؤخذ على هذا المبدأ اقتصاره على قضايا الأفراد فقط، دون قضايا الأشخاص الاعتبارية، وتحديداً قروض وفوائد المصارف، فهذه الازدواجية بالمعايير غير جائزة، ولم يعرف فقيهاً إذا كان سمح للمصارف والشركات بتقاضي الفائدة ومنعها على الأفراد!. ما شكل إشكالية لدى المصارف واستياء من فتح باب المماطلة بسداد الديون.
من جهة أخرى، فإن حرمان الدائن من تقاضي تعويض من (المدين الموسر المماطل) الذي ألجأ خصمه لسلوك طريق التقاضي المرهق والمكلف والطويل لتحصيل دينه، أمر غير جائز وسيجعل من القضاء مؤسسة ظلم وجور، بدلاً من أن يكون مؤسسة عدل وإنصاف! كما يتساءل بعض القانونيين، كذلك هذا القرار فتح الباب على عقود الغرر التي يحظرها الفقه الإسلامي، كالمرتب مدى الحياة، وعقود التأمين التي اعترف (السنهوري نفسه، وهو أحد أعلام القانون ويستند إليه في القانون السوري والمصري على حدٍ سواء) بأنها من عقود الغرر، ولكنه أجازها للضرورة. فكيف ستحل الهيئة هذه الإشكاليات!
ليبقى السؤال المطروح والمقلق، كيف لأعلى هيئة قضائية سورية، وعلى خلاف القانون، أن تلغي الفوائد بين الأفراد، وتبقيها بين الدولة والأفراد، أو المؤسسات المالية الخاصة والأفراد! إجابة هذا السؤال منوطة بالهيئة نفسها ولا جهة أخرى غيرها.
يخلص بعض القانونيين، إلى أن هذه الانتقائية بتطبيق أحكام الفقه الإسلامي، وغض الطرف عن المصارف والشركات والجهات العامة، لا تليق بالهيئة العامة لمحكمة النقض إذا كانت حريصة على تطبيق شرع ربّ العالمين.
القرار الصادر على الشكل التالي:

