ألعاب

مشاريع الأمم المتحدة في سوريا 2025: كيف دمجت كيانات إدلب في سوريا؟!

مشاريع الأمم المتحدة في سوريا 2025: كيف دمجت كيانات إدلب في سوريا؟!

الكاتب: أحمد علي

تبدّت ملامح عامٍ سوريّ جديد، لكن الحاجات لم تنحسر. تبدّلت الخرائط السياسية منذ أواخر 2024، وتبدّلت معها خرائط العمل الإنساني: مكاتب تنتقل، وهياكل تُعاد هندستها، وبرامج تُمدَّد أو تُعاد برمجتها لتلتحق بمسارٍ يتلمّس التعافي المبكر من دون أن يتخلّى عن خطط الاستجابة الطارئة. وسط هذا التحوّل، برز سؤال عمليّ: كيف تبدو مشاريع الأمم المتحدة في سوريا اليوم؟ وكيف يجري دمج الكيانات التي كانت تخدم إدلب وشمال غرب البلاد ضمن هيكلٍ موحّد لسوريا كلّها؟ هذا المقال يقدّم جردة مُحدَّثة، ويشرح مسار الدمج، والتحدّيات، والفرص.

 مشاريع الأمم المتحدة في سوريا دخلت طوراً انتقالياً

انطلقت في 2025 عملية انتقال إنساني/تنموي تقودها منظومة الأمم المتحدة في دمشق، مع “خطة عمل انتقالية” لتوحيد التنسيق والبرمجة وتغليب التعافي المبكر حيث تسمح الظروف، من دون التفريط بالاستجابات المنقذة للحياة. وأتاحت التحوّلات السياسية والفتح التدريجي لمساحات الوصول إعادة تشكيل البنية التي عُرفت لسنوات بهندسة “سوريا ككل” (WoS) إلى هيكل وطني واحد، مع جداول زمنية واضحة لإنجاز الانتقال.

خريطة “مشاريع الأمم المتحدة في سوريا” 2025: من الإغاثة إلى التعافي المبكر

تواصلت الاستجابة متعددة القطاعات عبر وكالات الأمم المتحدة وشركائها: برنامج الأغذية العالمي WFP حافظ على قدرته التشغيلية ووضع خطوط تدخل للطوارئ والتعافي المرن مع توسعة أنشطة التوزيع عبر الحدود التركية، فيما أبقت منظمة الصحة العالمية WHO على التأهب الصحي وتعبئة فجوات التمويل في شمال غرب البلاد. بالتوازي، ثبّتت اليونيسف UNICEF برامج المياه والصحة والتغذية والتعليم والدعم النقدي، وعملت مع وزارة الصحة على تحديث بروتوكول الهزال لدى الأطفال دون الخامسة.

أما المفوضية السامية لشؤون اللاجئين UNHCR فتابعت الحماية والمأوى ودعم العائدين، بينما دفع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP نحو التعافي المبكر وسبل العيش، ووسّع صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA خدمات الصحة الإنجابية ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي.

من غازي عنتاب إلى دمشق: كيف جرى دمج كيانات إدلب والشمال الغربي؟

استند الدمج إلى مبدأ “مركز قيادة واحد” داخل البلاد مع إبقاء وظيفة العبور الحدودي تكميليّة ريثما يُستكمل الانتقال. حيث خُطِّط لخفض تدريجي لدور محور غازي عنتاب قبل نهاية 2025، ونُقلت القيادة التنسيقية والوظائف المعلوماتية والمالية إلى دمشق، مع إعادة تموضع فرق المجموعات القطاعية (Clusters) واعتماد بوابة موحّدة للشراكات والمتابعة. بهذا، انتقلت كيانات التنسيق التي عملت لسنوات من خارج الحدود، بما في ذلك ما خدم إدلب، إلى هيكل سوريا-الواحدة، مع ترتيبات مرحلية لتفادي فجوات في السلاسل الإمدادية والمتابعة الميدانية.

ما الذي تغيّر على مستوى التنفيذ؟

تبدّلت ثلاثة أمور رئيسية. أولاً، توحّد خطّ الإمداد والمشتريات لصالح كفاءة أعلى وتقليل الكُلف، مع إبقاء نقاط دخول متعددة تحسّباً لاضطراب الطرق. ثانياً، توحّدت أدوات إدارة المعلومات والمساءلة، ما سهّل تتبّع الأثر وتلافي الازدواجية بين الشركاء المحليين في إدلب وحلب واللاذقية وسواها. ثالثاً، انتقل ثقل التنسيق إلى قيادة إنسانية مقيمة داخل سوريا، ما اختصر المسافات البيروقراطية وسرّع دمج شركاء الشمال الغربي في قوائم الشركاء الوطنية وموازناتها.

هذا وأورَدَت وثائق الانتقال تحفّظات عملية حول وتيرة الدمج وحساسية توحيد “ثقافات” العمل بين محاور الشمال الشرقي والشمال الغربي ودمشق، لكنّها حدّدت خارطة طريق لمعالجة ذلك. واستمرّت عمليات العبور عبر الحدود التركية لتأمين الإمدادات الغذائية والنقدية والغذاء الجاهز للأكل، وأُديرت بالتوازي مع انتقال المرجعية التنسيقية إلى الداخل.

كما تحدّثت بيانات أممية عن جولات توزيع غذائية عند المعابر وعودة تدريجية لبعض الأسر، فيما حذّر “التجمّع الصحي” من توقف تمويل 172 منشأة صحية في حال اتسعت فجوة التمويل. ويعني ذلك أن استمرارية الخدمات في إدلب وسواها ظلت رهناً بتمويل لا يزال متقلباً، رغم اندماج الهياكل.

القطاعات عن قرب: ماذا تفعل البرامج الآن؟

انطلقت مشاريع المياه والصرف والنظافة بالصيانة السريعة للشبكات وتأمين الكلور ومحطات الضخ، فيما ثبّتت المدارس المجتمعية بدائل للتعلّم المُسرَّع، واستمرت حزم النقد متعددة الأغراض للأسر الأشد ضعفاً. فقد عدّل قطاع التغذية بروتوكول علاج الهزال بالتعاون مع وزارة الصحة، وتابعت المفوضية توزيع مواد الإغاثة الأساسية على العائدين والمجتمعات المتضررة جنوباً، بينما وسّعت UNFPA المساحات الآمنة والفرق الجوّالة للرعاية الإنجابية في الأرياف.

وفي الخلفية، حافظ WFP على خطوط الطوارئ والتوزيع، وواكب UNDP مشاريع البنية المجتمعية وسبل العيش الصغيرة لربط الإغاثة بالتعافي.

التمويل… التحدّي الأكبر

تواصلت الفجوات الكبيرة في التمويل لعام 2025، مع تحذيرات أممية من اتساع العجز وتداعياته على العيادات وخدمات التغذية والمياه، ونداءات لتوسيع التمويل العاجل. إذ عكست تحديثات WFP وWHO ونداءات وكالات أخرى أن فجوة الموارد تهدّد الاستدامة، وأن اتساع رقعة العودة الداخلية يزيد الطلب على خدماتٍ تتجاوز الطوارئ إلى التعافي وإصلاح البنية الأساسية.

وأدّت التحوّلات السياسية والانتقال الجارية منذ كانون الأول 2024 إلى توسيع نطاق الوصول داخل البلاد، ما عزّز جدوى الدمج المؤسسي. غير أنّ تسارع الإيقاع طرح هواجس تتعلق بجاهزية الكوادر المحلية، وتوازن العلاقة مع الشركاء غير الحكوميين في إدلب، وإدارة الاختلافات التقنية والإجرائية بين محاور العمل السابقة. وتوثّق تقارير أممية ومهنية هذه المخاوف وتوصي بإبقاء “شبكات أمان” تشغيلية إلى حين اكتمال الدمج.

ماذا يعني ذلك لصنّاع القرار والمانحين؟

فرضت الجردة أنّ المقاربة الأكثر فاعلية هي التي تربط بين الإغاثة والتعافي المبكر في تصميمٍ واحد، وتُبقي الشمال الغربي تحت المراقبة التمويلية الدائمة خلال العام الانتقالي. ويقتضي ذلك تمويلاً مرناً متعدد السنوات، وتعاقداتٍ تسمح بتعديل المسارات بسرعة، واستثماراتٍ في إدارة المعلومات والرقابة الميدانية، وتثبيت الشراكات المحلية التي خبرت إدلب ومحيطها.

وتؤكّد وثائق OCHA للأولويات الإنسانية لعام 2025 أنّ الهدف هو الاستجابة للحاجات العاجلة بالتوازي مع بناء القدرة على الصمود، وهو ما لا يتحقق من دون إغلاق فجوات التمويل وتثبيت الكوادر.

ختاماً، أثبت مسار الدمج أنّ مشاريع الأمم المتحدة في سوريا لم تعد مجرد منصات استجابة “حدودية”، بل أصبحت هيكلاً واحداً يتعامل مع بلدٍ يتعافى على مراحل. واستمرت خدمات الشمال الغربي مع تغيير المرجعية، وازدادت الحاجة إلى تمويل يليق بمرحلة تتقدّم فيها خطط التعافي المبكر بقدر ما تبقى الاستجابات العاجلة ضرورة يومية. وجاز القول إن نجاح 2025 سيقاس بقدرة المنظومة على تثبيت الدمج بلا فجوات، وبناء جسورٍ عملية بين إدلب وسائر المحافظات في التخطيط والتمويل والنتائج على الأرض.

اقرأ أيضاً: من هو إبراهيم علبي سفير سوريا الجديد في الأمم المتحدة؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.