
بقلم الكاتب الصحفى أيمن شاكر
رئيس قسم الأدب بجريده الهرم المصرى نيوز
في خضم الفوضى الجيوسياسية التي تعصف بالعالم ، وفي زمن تتشابك فيه خيوط السياسة بالاقتصاد والتكنولوجيا ، ثمة ظاهرة خطيرة تتسلل بهدوء إلى قمة الهرم في الدولة العظمى. إنها ليست مجرد تغريدة عابرة أو تصريح صادم اعتدنا على وتيرته ، بل هي بنية أيديولوجية متكاملة ، وعقلية استثنائية تحكم تصرفات الرجل الذي يجلس على المكتب البيضاوي .
نحن لا نتحدث عن مجرد رئيس يخوض حربًا تجارية أو عسكرية ، بل عن رجل يُقنع نفسه وأتباعه بأنه يؤدي دورًا لاهوتيًا كونيًا يتجاوز حدود السياسة التقليدية.
📍في تطور غير مسبوق ، أقدم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على افتعال ما يمكن وصفه بـ”زلزال دبلوماسي ديني”، موجهاً سهام نقده العلني ليس لخصم سياسي أو دولة منافسة ، بل لأعلى سلطة روحية في العالم المسيحي ، البابا ليو الرابع عشر .
لم يكن الخلاف حول عقيدة لاهوتية معقدة ، بل كان السبب مباشراً وقاسياً في دلالته : صلاة بابا الفاتيكان من أجل رفض دعوات “صانعي الصراعات والحروب” .
في عالم تُقاس فيه القوة بعدد الرؤوس النووية ، بابا روما أراد أن يرفع الصوت عالياً ضد “التضليل الروحي” الذي يغلف آلة القتل .
📍وجاء الرد من ترامب لا عبر القنوات الدبلوماسية المحايدة أو خطاب رئاسي متزن ، بل عبر بركان غاضب من الكلمات على منصات التواصل . لم يكتف ترامب بوصف الحبر الأعظم بأنه “يساري” و”ضعيف سياسياً”، بل تجاوز ذلك إلى حدود العظمة المفرطة عندما ادعى أن مجمع الكرادلة لم ينتخب ليو الرابع عشر لكفاءته الروحية ،
بل بوصفه “بادرة ود” تجاه ترامب نفسه ! إنه إعلان صريح بأن الفاتيكان ، بعراقته وأسراره ، ليس أكثر من قطعة شطرنج في لعبة ترامب الكونية . هذا التصريح لا يعكس جهلاً بالبروتوكول فحسب ، بل يكشف عن عقلية ترى الكون بأكمله يدور في فلك “الأنا”.
📍لكن القصة لم تنتهِ عند حدود الكلمات. ففي مشهد بدا أقرب إلى استحضار لقصص الأساطير القديمة ، نشر ترامب صورة رقمية مولدة بالذكاء الاصطناعي تصوره في هيئة المسيح المُشع بالنور ، يمد يده بالشفاء والبركة .
في هذه الأيقونة الرقمية المُحدثة ، وقف ترامب محاطاً بالملائكة والجنود السماويين ، بينما يرقد شخص أمامه على سرير المرض. لم تكن الصورة مجرد دعابة سياسية رديئة ، بل كانت تجسيداً بصرياً لـ”جنون العظمة” و”التجديف” الذي يمارسه رجل تحيط به حلقة من المستشارين الإنجيليين الذين يرون فيه “المختار” و”قائد الحرب المقدسة”. إنها ليست صورة “ميمز” عابرة ، إنها بيان سياسي يُترجم اليقين الداخلي لترامب بأن تفويضه لا يأتي من صناديق الاقتراع وحدها ، بل من السماء .
📍ولكي نفهم عمق المأساة ، علينا أن نغوص في الخلفية الأيديولوجية التي تحكم هذا البيت الأبيض .
👈🏻 ترامب ليس مجرد رجل أعمال تحول إلى سياسي شعبوي ، إنه حامل لواء لتيار ديني متطرف يعيش هوس “هرمجدون” و”نهاية الأيام”.
هناك قطاع عريض من القساوسة والمبشرين داخل الولايات المتحدة لا ينظرون إلى ترامب كسياسي يخطئ ويصيب ، بل كأداة في يد العناية الإلهية لتمهيد الطريق “للمجيء الثاني للسيد المسيح”.
هذا الاعتقاد ليس هامشياً ، بل هو جزء من عقيدة صناع القرار في الجيش الأمريكي ، حيث كشفت تقارير استقصائية ، منها ما نشرته صحيفة “الجارديان”، عن قلق داخل صفوف البنتاجون من تحول النزاعات في الشرق الأوسط إلى حروب صليبية حديثة تُشن باسم العقيدة. جنود وضباط قدموا شكاوى خشية أن تتحول مهمتهم الوطنية إلى وقود لحرب دينية لا يؤمنون بها ، بينما يتولى قادة عسكريون واشمون على أذرعهم كلمات تحمل دلالات إقصائية.
📍هذه العقلية تدفع ترامب إلى تجاوز كل الحدود ، حتى مع حلفاء الروح . التهديدات التي صدرت من أروقة القوة في واشنطن بـ”تقسيم الفاتيكان” لم تكن خيالاً سياسياً ، بل هي انعكاس لنظرة استعلائية ترى في المؤسسة الدينية العالمية مجرد بيروقراطية أوروبية تعرقل “خطة الرب” التي ينفذها ترامب على الأرض .
إنها عودة مرعبة لعقلية الحروب الصليبية ، لكن هذه المرة بقنابل ذكية وطائرات مسيرة. إنها معركة بين “لاهوت السلام” الذي يمثله الفاتيكان ، و”لاهوت الحرب” الذي يتبناه اليمين الإنجيلي الأمريكي المتطرف.
📍إن التعامل مع هذه الشخصية لا يمكن أن يكون عبر التحليل السياسي التقليدي وحده . إنه تحليل نفسي ولاهوتي في آنٍ واحد . رجل يرى صورته على القمر ، ويطالب بإطلاق اسمه على المضايق البحرية ، ويعتبر أن خصومه ليسوا مجرد خصوم سياسيين بل “أعداء الله”. إنه بناء خطير يبرر أي حرب وأي دم تحت غطاء “الضرورة المقدسة”.
إننا نقف اليوم أمام لوحة متكررة في تاريخ البشرية. كلما شعر الإنسان بقدرة مطلقة ، نسي أنه مجرد تراب. إنها قصة النمرود القديمة تُروى في أبراج مانهاتن الزجاجية وفي غرف التحكم بطائرات “الدرون”. هي قصة الغطرسة التي تعمي البصيرة ، حيث يتحول القائد إلى أيقونة، والأيقونة إلى وثن ، والوثن إلى دمار .
📍في النهاية … يبقى صوت البابا الهادئ القادم من روما ، وصوت ضمير البشرية ، هو شوكة في خاصرة هذا الوهم . ورغم ضجيج المحركات والصواريخ ، يبقى صدى صلاة السلام أبقى من كل شيء .
🎖️رسالتى إليكم …
في زمنٍ يتسابق فيه الطغاة على نقش أسمائهم على وجه القمر ، ينسون أن السماء لا ترث أرضاً إلا لعابري سبيل مؤقتين . كم من إمبراطور أعمته الشمس فظن نفسه ربها ، وفي الصباح التالي وجدوه وقد تحول إلى ظل بارد على سرير مملكته الوهمية .
حفظ الله مصر وقيادتها وشعبها العظيم
سنلتقى إن كان فى العمر بقيه