الكاتب: أحمد علي
«سلامٌ من صَبا بَرَدى أرقّ»؛ مطلع قصيدة خلّد فيها أمير الشعراء أحمد شوقي جمال نهر بردى الذي كان يوماً شريان الحياة في دمشق. عاش أهل دمشق على إيقاع خرير مياهه قروناً طويلة، وتغنّى برونقه الشعراء والمستشرقون حتى سُمّي قديماً «نهر الجنة». لكنّ ذلك الفردوس المائي تحول في العقود الأخيرة إلى ذكرى بعيدة؛ رمزٌ مفقودٌ للمدينة جفّت مياهه وتلوّث ما بقي منها.
يحكي الشاعر أحمد فؤاد نجم كيف أصرّت أم كلثوم في زيارتها لدمشق على رؤية النهر الذي ألهم القصائد، ثم يصف ألمه حين رآه جافاً: «الألم يعتصر قلبي وأنا أراه جافّاً اليوم بعدما شهدتُ عظمته بالأمس… لقد بكيتُ مطولاً وأنا أتأمل ما بقي منه». وبرغم أن الشاعر السوري سليمان العيسى رفض الرثاء معتبراً بردى «رمز دمشق الخالد»، فإن صوته الشعري بدأ يخفت وهو يرى النهر يلفظ أنفاسه الأخيرة. كيف وصل الحال بهذا النهر الخالد إلى الجفاف الأبدي؟ وما حكاية التحوّل المأساوي من نهرٍ جارٍ إلى مجرى مهجور؟
بدايات جفاف نهر بردى
لم يكن جفاف نهر بردى حدثاً فجائياً، بل نتاج تراكمات امتدت لعقود. فمع منتصف القرن العشرين بدأت ملامح الأزمة تظهر، ودقّ ناقوس الخطر مبكراً على يد شخصيات دمشقية بارزة. من هؤلاء الشيخ محمد سعيد الحمزاوي (نقيب الأشراف بدمشق آنذاك)، الذي ترك وصيته الشهيرة بعنوان «وصيتان إلى مواطني دمشق ومزارعيها» محذراً فيها من استنزاف مياه بردى.
تناولت رسالة الحمزاوي أسباب تراجع منسوب النهر، بما في ذلك ردم بعض ينابيعه وفقدان تدفّقه بسبب الاستخدام الجائر. وأشار الشيخ إلى خطورة حفر الآبار العشوائية التي راحت تستنزف المخزون الجوفي المغذي لبردى، ودعا الأهالي والجهات المعنية إلى ردم الآبار غير المرخصة التي تستنزف مياه النهر في أحواضه ويباع ماؤها دون حساب.
كما نبّه إلى أن التوسّع العمراني العشوائي على ضفاف بردى سيؤدي إلى تضييق مجراه وتلويث مياهه، وهو ما بدأ بالفعل منذ الستينيات حين تغيّرت معالم وادي بردى بفعل الزحف العمراني. ولم تكن وصية الحمزاوي مجرّد كلمات عابرة؛ بل صرخة مبكرة تعكس وعياً بيئياً نادراً في زمانه بضرورة الحفاظ على نهر بردى من الجفاف والاستنزاف. لكن للأسف، بقيت تلك الصرخة دون صدى فعّال؛ إذ استمرت الضغوط على النهر تتفاقم مع مرور السنوات.
التغير المناخي ونمو السكان – ضربات قاضية للنهر
ومع دخول العقود الأخيرة من القرن العشرين، ازدادت حدة أزمة بردى تحت تأثير عاملين رئيسيين: المناخ والإنسان. فمن جهة، أدّى التغير المناخي إلى تراجع كميات الهطول المطري والثلجي في حوض بردى، مما قلّل التغذية الطبيعية للينابيع والجداول. مواسم الجفاف المتتالية خلال النصف الثاني من القرن العشرين جعلت تدفق النهر موسمياً وأضعف من أي وقت مضى. ومن جهة أخرى، شهدت دمشق انفجاراً سكانياً كبيراً؛ إذ تضاعف عدد سكانها مرات عديدة، فتزايدت حاجاتهم المائية للري والشرب والصناعة بشكل هائل. هذا النمو السكاني المتسارع، مصحوباً بتوسع رقعة الأراضي الزراعية التقليدية حول المدينة، أدى إلى ضخّ مفرط للمياه الجوفية عبر آلاف الآبار – كثير منها حُفر بلا ترخيص – ما استنزف المخزون الجوفي بشكل خطير. ورغم بعض الإجراءات الحكومية كسنّ قوانين لضبط حفر الآبار، فإن التطبيق كان محدوداً، ليستمر النزيف المائي في الخفاء.
في الوقت نفسه، تراجع تطوير أساليب الري الحديثة في غوطة دمشق؛ فظلّت مساحات واسعة تروي بطرق تقليدية تهدر كميات كبيرة من المياه. وترافق ذلك مع تحويل قسم من مياه نبع عين الفيجة – أحد أهم روافد بردى – إلى شبكة مياه الشرب للعاصمة. ومع اتساع شبكة الماء النقي لدمشق، تناقصت كميات المياه المتدفقة طبيعياً في مجرى بردى ذاته. وتشير قراءات ومشاهدات ميدانية إلى أن التدفق السنوي للنهر انخفض تدريجياً خلال الثمانينات والتسعينات حتى فقد النهر ملامحه المعهودة.
في التسعينيات تحديداً جرى تحويل مجرى بردى عند منطقة عدرا لمعالجة مياه الصرف الصحي، كما تم تبليط وتغطية أجزاء من مجراه داخل المدينة (ولا سيما قرب موقع معرض دمشق الدولي) بهدف توسعة الطرق. هذه الإجراءات الهندسية، وإن بدت تجميلية أو خدمية للمدينة، ساهمت دون قصد في تقليل تغذية النهر من المياه الجوفية وقنوات التفريع الطبيعية، فزادت من وتيرة جفاف نهر بردى.
ومع قدوم القرن الحادي والعشرين، كانت معاناة بردى قد بلغت ذروتها: نهر ضعيف الجريان في الشتاء، وشبه معدوم في الصيف. سنوات الجفاف المتكررة في سوريا عامة وبردى خاصة – مثل جفاف 2008 الشهير – عمّقت الجراح أكثر، حتى أن التحذيرات تزايدت أوائل القرن بأن العاصمة مهددة بالعطش إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
عصام حجّار عن الحمزاوي: صبّ قاع بحيرة النبع وتبدّل مجرى الماء
يروي الأستاذ عصام حجّار أنّ النهر تعرّض لكارثة بيئية كما حذّر كتيّب نقيب الأشراف محمد سعيد الحمزاوي، إذ ارتأت الجهات الرسمية يومها تحويل بحيرة بردى في سهل الزبداني – وهي عملياً نبع بردى نفسه – إلى مقصد سياحي؛ فكانت القوارب تجوب البحيرة لكن الأعشاب الصاعدة من القاع أعاقت حركتها. يذكر حجّار أنّ قراراً اتُّخذ، في مطلع الثمانينيات (على الأرجح)، بصبّ أرض البحيرة بالإسمنت لتمهيدها، على أساس أنّ النبع عين صغيرة عند طرف البحيرة، بينما كانت البحيرة كلّها هي النبع، أي ان أرضها كانت تنبع ماءاً. وأكّد أنّ التنفيذ تمّ فعلاً، فـغارت المياه فوراً، وبحسب نظرية الأواني المستطرقة -حسب قوله- اتّخذ الماء مجرى جوفياً آخر، ليظهر لاحقاً – وفق روايته – في منابع نهر الليطاني بسهل البقاع في لبنان.
بردى اليوم: نهر يحتضر
وهكذا، وصل نهر بردى في الزمن الحاضر إلى حالة أقرب ما تكون إلى الاحتضار. فعلى امتداد مجراه الذي كان يوماً يفلق صدر دمشق بفروعه السبعة، صار المشهد اليوم نهراً هزيلاً أو مجرى جافاً تتناثر في قاعه الطمي والنفايات. اختفت خضرة الضفاف التي ألهمت الرحالة، وحلّت مكانها أبنية عشوائية ومعامل ومقاهي تصب فضلاتها مباشرةً فيما تبقّى من ماء. تحول بردى عملياً إلى مصبّ لمياه الصرف الصحي والزراعي ومخلّفات المنشآت المحيطة به، فلم يعد ماء النهر يُرى إلا بلون عكر أو أحمر قانٍ عند هطول الأمطار الغزيرة التي تجرف الأوحال. روائح المجارير والنفايات باتت السمة الغالبة قرب مجرى بردى، حتى أن المارّة يُسارعون بتجاوز الجسور تفادياً لتلك الرائحة الكريهة. ولولا صفحات التاريخ وما تكتب، لكان من الصعب اليوم لمن يراقب هذا الوضع أن يصدق أن هذا المجرى الآسن كان يوماً يفيض ويُغرق شوارع دمشق خلال فيضانات القرن الماضي؛ فقد أصبح الماضي مجرد حكاية تتناقلها الذاكرة.
لقد شهد كبار السنّ من الدمشقيين بأمّ أعينهم كيف كان بردى يفور بالحياة: يفيض في الربيع ويملأ الغوطة بالخضرة، وكيف كانت مقاصفه ومنتزهاته تعجّ بالناس على ضفافه. الدكتورة ابتسام حمد، رئيسة قسم العلوم البيئية بجامعة دمشق، تستحضر تلك الأيام قائلة: «يصعب على من يرى بردى بوضعه الحالي أن يتخيل أن ذلك النهر الجاف كان يُغرِق مدينة دمشق». وتذكر ابتسام كيف كانت فيضانات أواخر الخمسينيات تغلق الطرقات وتجبرهم على العودة إلى المنازل. أما اليوم، فالنهر «لا يجذب الناس لتأمله» بعد أن تحول إلى مكب للنفايات ومصدر للتلوث أكثر منه نهراً.
ورغم حملات تنظيف خجولة وحلول مقترحة كتزويد مجراه بماء نظيف أو إنشاء محطات تنقية، يبقى الواقع أن بردى فقد قدرته الطبيعية على التجدد؛ فمياهه القليلة الملوثة لا تكاد تكفي للحفاظ على أي نظام بيئي نهري.. جفَّ إلى حدّ كبير، وهو اليوم «نهراً اغتسل بدموعه» كما وصفته ابتسام حمد، لكنه مازال يقطر أملاً.
اقرأ أيضاً: تهديدات كبيرة تواجه عين الفيجة.. هل دمشق مهددة بالعطش فعلاً؟!