الكاتب: أحمد علي
قد لا يمر يوم واحد على كثير من السوريين من دون أن يفتحوا تطبيقاً يحتاج إلى اتصال ثابت بالإنترنت: طالب يحمّل محاضرة مسجّلة، موظف يبحث عن فرصة عمل، أمّ تتواصل مع ابنها المغترب، فالإنترنت، رغم كل انقطاعاته، هو جزءٌ من روتين الحياة اليومية في العالم كله وليس في سوريا فقط. لكن ماذا عن اليوم؟ هل سيتغيّر هذا الروتين؟ فقد وصل إشعار «بسيط» على الشاشة: «تم تعديل أسعار الباقات».. وعند هذه اللحظة بدأ كثيرون يحسبون تكلفة كل دقيقة اتصال، وكل ميغابايت يتم استهلاكه!
أعلنت شركتا الاتصالات الخلوية الرئيسيتان في سوريا عن باقات جديدة للاتصال والإنترنت بأسعار ارتفعت بشكل واضح، مع إلغاء ما عُرف سابقاً بـ “باقات الساعات” التي كانت المتنفس الوحيد للطلاب وذوي الدخل المحدود، ووصلت كلفة إحدى باقات الاستهلاك العالي إلى أكثر من 300 ألف ليرة بعد أن كانت تقارب 150 ألفاً فقط، أي أن السعر تضاعف تقريباً، في حين لم تُسجّل تحسّنات موازية في سرعة الشبكة أو استقرارها.
أسعار باقات الإنترنت في سوريا
لفهم ما يجري، لا بد من النظر إلى الصورة العامة، فالمعطيات تشير إلى أن الشركات أعادت هيكلة الباقات لتصبح أقل عدداً وأكثر “تكثيفاً”، أي باقات شاملة تجمع الدقائق والرسائل والإنترنت في عروض محدودة العدد، مع رفع واضح وكبير جداً في السعر تحت شعار “توحيد الباقات”.
ورفع الأسعار بلغ في بعض الباقات نسبة وصلت 1100% بعد الانتقال إلى 15 باقة فقط، والتخلّي عن التنويع السابق في العروض.
في السابق، كان بإمكان المستخدم أن يعتمد على باقات صغيرة يومية بتكلفة منخفضة نسبياً، تُشترى عند الحاجة فقط، أما اليوم، أصبح أمامه خياران رئيسيان: إمّا باقات يومية أو أسبوعية أغلى بعدّة أضعاف، أو باقات شهرية كبيرة الكلفة لا تناسب أصحاب الدخل المحدود.
وهنا تتجلّى المشكلة الأساسية في أسعار باقات الإنترنت في سوريا، فالخطاب التسويقي يتحدّث عن “باقات تناسب الجميع”، بينما الأرقام على الأرض تقول إن جزءاً واسعاً من الناس لم يعد قادراً على استخدامها بالطريقة نفسها التي اعتادها.
أرقام توضح حجم القفزة
| الخدمة المستهدَفة | السعر القديم (ل.س) | السعر الجديد (ل.س) | مقدار الزيادة (ل.س) | نسبة الارتفاع التقريبية |
| الباقة اليومية الأساسية التي كانت تُباع بـ 500 ليرة | 500 | 6000 | 5500 | 1100% |
| الحدّ الأدنى لكلفة إنترنت طالب لشهر كامل بالاعتماد على الباقة اليومية | 15000 | 180000 | 165000 | 1100% |
| باقة استهلاك عالٍ شهرية | 150000 | 300000 | 150000 | 100% |
التفاصيل الكاملة للباقات الجديدة
عرضت المعرفات الرسمية لشركة سيريتل، باقات الخطوط مسبقة الدفع بعد التسعيرة الجديدة، والباقات مقسّمة إلى باقات شهرية ويومية وأسبوعية وسنوية، وتتدرّج من الاستهلاك المنخفض حتى العالي.
وأبسط باقة شهرية هي الباقة رقم 1، وسعرها 24 ألف ليرة، وتمنح 300 دقيقة و300 رسالة و1.5 غيغابايت فقط من الإنترنت، وهي مخصّصة لمن توصف استهلاكاتهم بالمنخفضة.
أما الباقة الثانية ترتفع إلى 48 ألف ليرة مقابل 6 غيغابايت و400 دقيقة و400 رسالة، بينما تقدّم الباقة الثالثة بسعر 70 ألف ليرة عشرة غيغابايت و500 دقيقة و500 رسالة، وتُسوَّق على أنها مناسبة للاستهلاك المتوسط.
مع الانتقال إلى شرائح الاستهلاك العالي، تقفز الأسعار والحجوم معاً، فالباقة الرابعة تعطي 20 غيغابايت و600 دقيقة و600 رسالة بسعر 120 ألف ليرة، ثم تأتي الباقة الخامسة بسعر 190 ألف ليرة مقابل 35 غيغابايت و700 دقيقة و700 رسالة.
وفي قمة السلم نجد الباقة السادسة، وسعرها 300 ألف ليرة، وتتضمّن 75 غيغابايت و800 دقيقة و800 رسالة.
اللافت هنا أن تكلفة الغيغابايت الواحدة تنخفض كلما صعد المشترك إلى باقة أعلى؛ فمستخدم الباقة الأولى يدفع تقريباً 16 ألف ليرة لكل غيغابايت، بينما يدفع مشترِك الباقة السادسة حوالي 4 آلاف ليرة فقط للغيغابايت، ما يعني أن أصحاب الدخل المحدود، الذين لا يستطيعون شراء الباقات الكبيرة، يتحمّلون أعلى كلفة فعلية لوحدة الإنترنت.
الجزء الأخير من الجدول يقدّم باقات تمتد لثلاثة أشهر، وهي الباقتان 7 و8، الباقة السابعة موجّهة للاستهلاكات المتوسطة، وسعرها 180 ألف ليرة لمدّة 90 يوماً، وتشمل 30 غيغابايت و1000 دقيقة و1000 رسالة، أي أن الجيغابايت الواحدة هنا تقارب 6 آلاف ليرة.
أما الباقة الثامنة فمصمّمة للاستهلاك العالي، وسعرها 300 ألف ليرة لثلاثة أشهر، وتتضمّن 60 غيغابايت و2500 دقيقة و2500 رسالة.
ومن خلال هذا التقسيم يتضح أن فلسفة التسعير تشجّع من يستطيع دفع مبالغ كبيرة مسبقاً على شراء باقات ضخمة بكلفة أقل لكل وحدة، بينما يبقى المستخدم الذي يكتفي بباقات صغيرة، أو لا يملك القدرة على دفع مبلغ كبير دفعة واحدة، هو الأكثر تضرراً من حيث الكلفة الحقيقية للإنترنت والدقائق والرسائل.
بالنسبة للباقات اليومية والأسبوعية المسبقة الدفع، توضح الجداول أن سيريتل خصّصتها أساساً للاستهلاك المنخفض. هناك باقتان أسبوعيتان: الأولى بسعر 12 ألف ليرة تتضمن 100 دقيقة و100 رسالة و1 غيغابايت إنترنت لمدة سبعة أيام، والثانية بسعر 24 ألف ليرة وتمنح 200 دقيقة و200 رسالة و3 غيغابايت.
أما الباقة اليومية فواحدة فقط، موجّهة أيضاً لمن تصنّف استهلاكاتهم بالمنخفضة، بسعر 6 آلاف ليرة في اليوم مقابل 100 دقيقة و100 رسالة و2 غيغابايت، ما يعني أن من يعتمد على هذه الباقة يومياً سيدفع مبلغاً كبيراً إذا حاول تغطية شهر كامل بها.
أما باقات الخطوط اللاحقة الدفع فتبدو مصممة للاستهلاك العالي والمستخدمين القادرين على الالتزام بمبالغ كبيرة. الباقة الأولى لاحقة الدفع تأتي بسعر 180 ألف ليرة شهرياً مقابل 1000 دقيقة و1000 رسالة و25 غيغابايت، بينما تقفز الباقة الثانية إلى 600 ألف ليرة مع 150 غيغابايت و1500 دقيقة و1500 رسالة في شهر واحد. هناك أيضاً باقة لمدة ثلاثة أشهر بسعر 720 ألف ليرة تمنح 126 غيغابايت و6000 دقيقة و6000 رسالة، وأعلى الباقات تمتد لعام كامل بسعر 2.8 مليون ليرة، وتشمل 600 غيغابايت و12 ألف دقيقة و12 ألف رسالة، وهي أرقام تضع هذه العروض في فئة المستخدمين أو الجهات ذات الاستهلاك الكثيف جداً.
تأثير مباشر على تفاصيل الحياة
وراء هذه الأرقام توجد حكايات يومية لا تنتهي، حكاية طالب جامعي يعتمد على الإنترنت لمتابعة محاضراته المسجّلة سيجد نفسه مضطراً للاختيار بين حضور محاضرة بالفيديو أو تحميل ملف مرجعي كبير، لأن الباقة لا تكفي لكليهما، موظف يعمل عن بعد مع شركة خارج سوريا او داخلها يحتاج لاتصال مستمر لساعات طويلة، ما يعني أن جزءاً كبيراً من دخله سيتحوّل حتماً لتغطية تكلفة الإنترنت فقط.
لذلك، ارتفاع أسعار باقات الإنترنت في سوريا لا ينعكس على الترفيه وحسب، بل يطال التعليم والعمل والتواصل العائلي.. فعائلة مكوّنة من خمسة أفراد وبداخلها شابان في الجامعة وتلميذ في المدرسة، تحتاج عملياً إلى أكثر من باقة، لأن الاستخدام متنوع بين الدراسة ومتابعة الأخبار والتواصل.
وهذا يعني أن فاتورة الإنترنت الشهري قد تنافس فاتورة الغذاء أو الكهرباء من حيث الأهمية والحجم، خصوصاً في ظل ثبات الرواتب تقريباً وعدم انسجامها مع هذه الطفرات في الأسعار.
استراتيجيات المستخدمين للتكيّف مع الغلاء
أمام هذا الواقع، لم يقف المستخدمون مكتوفي الأيدي، فكثيرون بدأوا بتقنين استهلاك البيانات من خلال تعطيل التحديثات التلقائية للتطبيقات، خفض جودة الفيديو على منصات المشاهدة، استخدام النسخ الخفيفة من تطبيقات التواصل، والاعتماد على شبكات الـ Wi-Fi حيثما توفّرت.
وبعض العائلات تتحدث عن مبدأ “جهاز واحد متصل” في المنزل لتقليل الاستهلاك، بينما قرّر آخرون الاستغناء عن منصات ترفيهية بالكامل.
ومع تراكم هذا الضغط اليومي لم يتوقف الأمر عند حدود التذمّر على نطاق ضيّق، بل وصل إلى درجة إطلاق دعوات علنية لمقاطعة الشركات أو تقليل الاعتماد عليها قدر الإمكان، إذ تداول مستخدمون على منصّات التواصل حملات تحثّ على إطفاء بيانات الهاتف لساعات محددة، والاكتفاء بأرخص الباقات الممكنة أو الاعتماد على شبكات الـ Wi-Fi المنزلية كنوع من الاحتجاج الرمزي على أسعار باقات الإنترنت في سوريا.
وبعض هذه الدعوات ركّز على فكرة أن المستهلك هو الحلقة الأضعف لكنه في الوقت نفسه يمتلك وسيلة ضغط، ولو محدودة، عبر تغيير سلوكه الاستهلاكي، وهو ما يعكس حجم الاحتقان الذي سبّبته الزيادات الأخيرة في الأسعار.
ما الذي يمكن فعله؟
على المدى القصير، تبدو خيارات الفرد محدودة، خاصة مع غياب منافسة حقيقية في سوق الاتصالات، وعلى مستوى أوسع، تُظهر موجة الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي، أن المستخدم بات أكثر وعياً بحقه في خدمة جيدة بسعر عادل.
والحديث عن إدخال شركات جديدة، أو تحسين شفافية تسعير الخدمات، أو ربط أي زيادة في الأسعار بتحسين فعلي في الجودة، لم يعد ترفاً اليوم بل ضرورة تفرضها طبيعة الحياة الرقمية اليوم. فالتعليم، والعمل، والوصول إلى المعلومات، وحتى أبسط أشكال التواصل العائلي، أصبحت مرتبطة مباشرة بسعر الميغابايت.
ختاماً، إلى أن تتغيّر هذه المعادلة، سيبقى المستخدم السوري يحاول الموازنة بين دخله المحدود وحاجته شبه اليومية للاتصال بالشبكة، وسيبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن أن تتحوّل خدمة أساسية كهذه من عبء خانق؟ وإن كان نعم، هل ستتحول لاحقاً من عبء خانق إلى أداة حقيقية لدعم الاقتصاد والتعليم والحياة الاجتماعية، عبر سياسات تسعير أكثر عدلاً وشفافية؟ أم سيبقى المواطن الفقير يدفع ثمن الحرب والنهب وحده إلى نهاية العمر؟!
اقرأ أيضاً: هل يغير مشروع “أوغاريت” واقع الاتصالات في سوريا؟