شركات

أرقام فلكية ونقص أدوية: هل يُترك مرضى السرطان لمصيرهم القاتم في دمشق؟

أرقام فلكية ونقص أدوية: هل يُترك مرضى السرطان لمصيرهم القاتم في دمشق؟

بقلم: ديانا الصالح

أثار مقطع فيديو متداول لفتاة تتلقى العلاج في مشفى البيروني، جدلاً واسعاً بعد انتقادها نقص المعدات الطبية والأدوية الرئيسية بشكل شبه تام، مما أعاد تسليط الضوء على أزمة أدوية السرطان في دمشق.

وتأتي هذه المناشدة بعد عدة تصريحات رسمية تُنذر بكارثة إنسانية قد تحدق بالمستشفيات العامة والخاصة في سوريا، نتيجة لارتفاع أسعار الأدوية لا سيما المضادة للسرطان بشكل يفوق قدرة المواطن الشرائية، إضافة إلى تزعزع سلاسل الإمداد والتوريد، مع ضعف الإنتاج، ما دفع عدداً من المرضى إلى العزوف عن العلاج.

وفي هذا السياق، تثور عدة تساؤلات ملحّة حول مدى قدرة الجهات المعنية على احتواء الأزمة، وكيف يمكن لتضافر جهود المجتمع المحلي مع المنظمات الإنسانية أن تسهم في التخفيف من حدتها، وما هي الخطة الأفضل على المديين القصير والمتوسط لضمان استمرار حصول المرضى على علاجهم دون إرهاق مادي؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

أدوية السرطان في دمشق .. أسعار فلكية

يروي المواطن يوسف المحمد، لسوريا اليوم 24 معاناة والدته خلال رحلة علاجها في مشفى البيروني، مسلطاً الضوء على نقص المعدات الطبية لا سيما أجهزة التشخيص، فضلاً عن فقدان الجرعات العلاجية، قائلاً: “أمي مصابة بسرطان الثدي، ومنذ أكثر من عام ونحن نشتري الجرعات من خارج المشفى لعدم توافرها داخله”.

ويضيف المحمد أن أسعار الأدوية تختلف من مريض إلى آخر حسب حالته الصحية، لكنها تبدأ من 200 دولار في الخارج، وهو مبلغ يفوق قدرته المادية، خاصة وأن والدته تحتاج جلسة كل 20 يوماً، مشيراً إلى أن هذه التكاليف لا تشمل أجور النقل والإقامة كونه من خارج المحافظة، مؤكداً وجود حالات اضطرت لبيع ممتلكاتها في سبيل العلاج.

كما تواردت عدة شكاوى على وسائل التواصل الاجتماعي حول ارتفاع أسعار أدوية السرطان في دمشق بشكل جنوني، مستنكرين الوعود الرسمية بالاستثمارات وانعقاد المؤتمرات الطبية والتعاون والشراكات الطبية مع الدول الخارجية لتوفير المستلزمات الطبية النوعية، حيث وصفها البعض بالجعجة الإعلامية على حساب صحة الشعب.

وفي هذا السياق، يتحدث مدير مشفى البيروني رضوان الأحمد في تصريح سابق عن نقص حاد بالمعدات والمستلزمات الطبية، مشيراً إلى استقبال نحو 900 مريض يومياً، منهم 50% يراجعون المركز لتلقي الجرعات، في ظلّ نفاد كافة مستودعات الأدوية رغم اتخاذهم إجراءات وجهود كبيرة بالتعاون مع وزارة التعليم العالي لتأمين الدواء، مؤكداً أنه خلال أسابيع قليلة سيتم تأمين 60 صنفاً من الأدوية الورمية.

على ما يبدو لم تنجح محاولات تأمين الأدوية والمستلزمات الرئيسية، فلا تزال مناشدات مريضي السرطان في سوريا تعلو على أمل إيجاد حلول سريعة تنقذ أرواحهم، سواء بتوفير العلاج أو المعدات اللازمة.

محاولات رسمية على أمل الإصلاح

أعلنت وزارة الصحة السورية تطبيقها آلية جديدة خاصة بتنظيم التوزيع العادل للدواء على مرضى السرطان، كمحاولة لضمان إيصال العلاج وفقاً للحاجة والأولويات الطبية، وتتمحور أهدافها المُعلنة حول مساندة المريض في الحد من حجم معاناته بتأمين الجرعات بالتوازي مع ارتفاع أجور السفر والإقامة.

كما أكدت الوزارة سعيها إلى سد النقص الدوائي من خلال تفعيل توريدات طارئة ووضع خطط شرائية سنوية، إضافة إلى العمل على توسيع نطاق المراكز التخصصية لضمان تقريب الخدمات الطبية من المرضى في مختلف أنحاء البلاد.

أين يكمن الحل؟

تظهر الدراسات وتجارب الدول مجموعة من الحلول الإسعافية ومتوسطة المدى، المدعومة بخطوات جدية لوضع خطة وطنية شاملة لحل جذور الأزمة على المدى البعيد، أبرزها كما يلي:

التبرعات والصناديق الخيرية

يشدد خبراء الصحة في سوريا على ضرورة إيجاد حل عاجل لارتفاع أسعار الأدوية ونقصها شبه التام، سواء كان عبر الحملات الخيرية أو صناديق التبرعات، مشابهة لحملات التبرع التي شهدتها المدن السورية محققة أرقاماً كبيرة، مثل حملة “ريفنا بيستاهل في ريف دمشق، التي جمعت نحو 76 مليون دولار، إضافة إلى “أربعاء حمص” التي نجحت في جمع 13 مليون دولار.

وفي هذا الصدد، تُطرح تساؤلات مشروعة حول إمكانية تخصيص جزء من هذه التبرعات لتغطية تكاليف علاج عدد من مرضى السرطان، أو على الأقل المساهمة في توفير وإصلاح بعض المعدات المعطلة ضمن المشافي، فهي لا تنفصل عن جهود إعادة الإعمار وتحسين الخدمات الاجتماعية.

بالتالي، يمكن القول بأن هذا النوع من التحرك يندرج تحت إطار إشراك المجتمع المحلي، وهنا تجدر الإشارة إلى حملة “أصدقاء مرضى السرطان” التي أطلقتها درعا مؤخراً للوقوف إلى جانب المريض وعائلته لتخفيف الأعباء المالية.

توسيع نطاق الخدمات

يمكن التقليل من تكاليف الإقامة والسفر من المحافظات إلى دمشق، من خلال توسيع نطاق الخدمات العلاجية وتقريبها من المواطنين، عبر فتح مراكز مؤقتة أو متنقلة إضافة إلى التوجه نحو توسيع المراكز الحالية، وذلك من خلال الاستفادة من التجربة الأوغندية والإيطالية التي اعتمدت اللامركزية والابتكار، وعلى الرغم من صعوبة تطبيقها الكامل في سوريا نظراً لتدهور البنية التحتية ونقص الكوادر والتمويل، إلا أنه يمكن استنباط حلول تتكيف مع الواقع السوري.

الإحصائيات الدقيقة

من الخطوات الواجب اتباعها كجزء من الحلول بعيدة المدى، إجراء إحصاء دقيق للمرضى، ليُبنى على أساسها أي مقترح صحي سليم أو خطة وطنية، كما ينبغي التوجه نحو تخصيص جمعيات خاصة لمتابعة شؤون مرضى السرطان وتوفير الدعم اللازم.

استراتيجيات مُحتملة وفقاً للتجارب والدراسات

وفقاً لدراسة بعنوان: “استراتيجيات التمويل لتسهيل الحصول على أدوية السرطان باهظة الثمن“، منشورة في المجلة الدولية لسياسات وإدارة الصحة، فإن الحلول تتدرج ضمن ثلاثة مستويات وهي:

حلول إسعافية سريعة تتجسد بتقديم الدعم المالي المباشر للمرضى عبر المنظمات والمؤسسات الحكومية أو غير الحكومية مثل منظمة الصحة العالمية WHO، وهي ترقيع مؤقت لا يحلّ جذور الأزمة، ولكنه ضروري لضمان الاستجابة الفورية لمناشدات مرضى السرطان.

وإلى ذلك، تظهر أهمية التعاون مع منظمة الصحة العالمية، أو غيرها من المنظمات الدولية كاليونيسيف، لتوفير أدوية السرطان في دمشق بأسعار مخفضة من خلال برامج خاصة للبلدان ذات الدخل المنخفض.

حلول متوسطة المدى وتتمثل في تطبيق استراتيجيات التمويل المرتبطة بالأدوية باهظة الثمن، وذلك عبر برامج المساعدة المالية لمرضى السرطان، حيث توجهت غالبية البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل إلى وضع أدوية السرطان ضمن قائمة وطنية محددة للأدوية الرئيسية، إلى جانب تفعيل برامج خاصة بمساعدة المرضى لضمان الوصول إليها بسهولة.

وفي السياق السوري، من الصعب تحديد مدى قابلية هذه الاستراتيجية للتنفيذ نتيجة لغياب الأرقام والإحصائيات الواضحة، إلا أنه يمكن تطبيقه من خلال تكييفه مع الواقع السوري عبر دعم الأدوية الأكثر أهمية وإقامة شراكات مع منظمات دولية أو جمعيات خيرية لتوفير التمويل.

أما بالنسبة للخطط الوطنية الشاملة فهي الأساس الذي يقوم عليه أي مسار ناجح لتحقيق استدامة الأدوية وتخفيض تكاليفها، وذلك من خلال وضع سياسات تسعير واضحة وسداد التكاليف المرتبطة بالأدوية الأساسية، مما يستدعي وجود قوانين واضحة ولوائح دقيقة، إلى جانب إرادة سياسية قوية، قادرة على تحديد جهة التمويل وتخفيض الأعباء على المرضى.

بالتالي، إن دمج الحلول الإسعافية (التبرعات والدعم المالي المباشر) مع المقترحات متوسطة المدى (توسيع الخدمات والبرامج التمويلية، إلى جانب التخطيط الوطني الشامل لإعادة تأهيل البنية التحتية للقطاع الصحي، انطلاقاً من مبدأ أن أي ترقيع لن يجدي دون إصلاح الجذور، مما يشكل أفضل مسار لضمان استدامة الأدوية وخفض تكاليف علاج وأدوية السرطان في دمشق.

يبدو أن أزمة أدوية السرطان في دمشق تتخطى حدود المنطق، فالوقت الذي يمضي في الكشف عن خطط مستقبلية دون تحريك فعلي هو من عمر المريض، الذي تحول خوفه من المرض إلى رعب من تكاليف العلاج، في واقع جعل من الراحة والنظام الصحي الضروري ترفاً ليس من حقه، فهل يمكن للجهات المعنية تدارك الموقف الإنساني الكارثي قبل وقوعه؟

اقرأ أيضاً: من الخليج إلى سوريا.. خريطة السرطان في العالم العربي

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.