شركات

دراسة علمية تصل إلى أنّ التوحد جزء من التنوع الطبيعي بين البشر!

دراسة علمية تصل إلى أنّ التوحد جزء من التنوع الطبيعي بين البشر!

بقلم هلا يوسف

يمثل اضطراب طيف التوحد إحدى القضايا الصحية التي تزداد أهميتها على مستوى العالم، في ظل تزايد الوعي به واتساع دائرة الاهتمام بفهم أبعاده المختلفة. وتعرفه منظمة الصحة العالمية بأنه مجموعة من الحالات المرتبطة بنمو الدماغ، والتي تؤثر في طريقة تواصل الأفراد وتفاعلهم مع الآخرين، إضافة إلى أنماط سلوكهم.

ولا يتخذ التوحد شكلاً واحداً ثابتاً، بل يظهر بتباين كبير من شخص إلى آخر، سواء في القدرات أو في طبيعة الاحتياجات. فبينما يتمكن بعض المصابين من الاعتماد على أنفسهم والعيش باستقلالية، يحتاج آخرون إلى دعم مستمر في تفاصيل حياتهم اليومية. هذا التفاوت يعكس الطبيعة الواسعة والمعقدة لما يُعرف “بالطيف”، حيث تختلف التجارب الفردية بشكل ملحوظ.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو شخص واحد من كل 127 شخصاً حول العالم مصاب بالتوحد، وهو ما يعادل قرابة 62 مليون إنسان، الأمر الذي يبرز حجم هذه الحالة وانتشارها عالمياً.

أما على المستوى المحلي، فتواجه سوريا تحديات في توفير بيانات دقيقة ومحدثة حول أعداد المصابين، حيث تعاني من نقص في الإحصاءات السنوية. وبحسب بيانات وزارة الصحة لعام 2022، تم تسجيل 978 حالة توحد وإعاقة ذهنية خلال الشهرين الأولين من ذلك العام في المؤسسات التابعة لها. كما تُظهر الأرقام ازدياداً مستمراً في عدد الحالات المسجلة سنوياً خلال السنوات الماضية، إذ بلغ العدد 1130 حالة في عام 2018، وارتفع إلى 3803 حالات في عام 2019، ثم إلى 4603 حالات في عام 2021، ليصل في عام 2022 إلى 5167 حالة، مما يشير إلى اتجاه تصاعدي لافت يستدعي مزيداً من الدراسة والاهتمام.

وعلى ذلك بدأت الدراسات تأخذ مسارات متعددة لمعرفة جوهر مرض التوحد، خصوصاً مع تزايد الوعي بأنه ليس حالة واحدة متجانسة، بل طيف واسع من الاختلافات البيولوجية والسريرية. هذا الإدراك يطرح تساؤلات حول مدى دقة النماذج التقليدية التي اعتمدت على تشخيص واحد موحد، ويبرز في المقابل أهمية تبني منظور “التنوع العصبي” الذي ينظر إلى التباين بين الأفراد كجزء أساسي من فهم التوحد وتحسين سبل التعامل معه.

يشمل اضطراب طيف التوحد مجموعة من الحالات العصبية النمائية التي تؤثر على طريقة تفاعل الأفراد مع العالم من حولهم، سواء في الجانب الاجتماعي والعاطفي أو في أساليب التواصل اللفظي وغير اللفظي. ويصيب هذا الاضطراب أكثر من 1% من سكان العالم، مما يجعله من الحالات الشائعة نسبياً. ومن المهم التأكيد أن التوحد ليس اضطراباً تنكسياً، بل حالة تستمر مدى الحياة وتتسم بتنوع كبير في السلوك، والإدراك الحسي، والقدرات الفكرية، والمهارات التكيفية، وهو ما يجعل فهمه وتحديد أسبابه وتقديم الدعم المناسب له مسألة معقدة ومتجددة باستمرار.

تطور فهم التوحد عبر الزمن

شهدت دراسة التوحد تطوراً ملحوظاً خلال القرن الماضي. ففي عام 1911 تم استخدام مصطلح “التوحد” لأول مرة لوصف عرض مرتبط بالفصام يتمثل في الانفصال عن الواقع. وفي أربعينيات القرن العشرين، قدم ليو كانر وصفاً لحالة مميزة لدى الأطفال تتضمن صعوبات في التفاعل الاجتماعي وسلوكيات متكررة. ورغم أهمية هذه الملاحظات المبكرة، فإنها ساهمت في حصر التوحد ضمن صورة نمطية ضيقة ركزت على أوجه القصور، بل وروّجت لتفسيرات نفسية ثبت لاحقًا عدم صحتها، مثل ربط التوحد بأساليب التربية.

ومع تقدم الأبحاث في السبعينيات والثمانينيات، تغير هذا الفهم بشكل جذري، حيث تم تصنيف التوحد كاضطراب في النمو العصبي. وأظهرت الدراسات، خاصة تلك التي تناولت التوائم والعائلات، وجود عوامل وراثية قوية، ما أدى إلى الابتعاد عن التفسيرات النفسية. كما كشفت الأبحاث عن تنوع جيني وبيولوجي كبير يفسر اختلاف الأعراض بين الأفراد، إلى جانب دور بعض العوامل البيئية مثل عمر الوالدين والتعرض للملوثات خلال الحمل والتغذية، إضافة إلى التفاعل المعقد بين الجينات والبيئة.

تحديات التشخيص واتجاهات البحث الحديثة

خلال العقدين الماضيين، لوحظ ارتفاع واضح في معدلات تشخيص التوحد، ويرتبط ذلك إلى حد كبير بتوسيع معايير التشخيص وزيادة الوعي وتحسن فرص الوصول إلى التقييم، خاصة لدى البالغين. ومع ذلك، فإن التباين الكبير بين الحالات ووجود اضطرابات مصاحبة قد يجعل التشخيص أكثر تعقيداً، ما يؤدي أحياناً إلى تأخره أو عدم دقته، خصوصاً لدى الأطفال الذين لا تنطبق عليهم الصورة التقليدية للتوحد.

ولا يقتصر تأثير هذه التحديات على الأفراد فقط، بل يمتد إلى البحث العلمي نفسه، حيث إن الاعتماد على عينات محدودة أو استبعاد فئات معينة، مثل غير الناطقين أو ذوي الخلفيات الاجتماعية المختلفة، يؤدي إلى نتائج غير مكتملة. كما أن اختلاف أدوات القياس والمعايير يزيد من صعوبة تتبع انتشار التوحد وفهم نتائجه بشكل دقيق.

من هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات شاملة، والابتعاد عن النماذج التي تركز على القصور، والتوجه نحو فهم التوحد على أنه اختلافاً في طريقة عمل الدماغ.

وفي هذا السياق، ظهرت توجهات بحثية حديثة تحاول إعادة النظر في مفهوم التوحد ذاته. فبعض الباحثين يقترحون تقسيمه إلى أنماط فرعية بناءً على خصائص مثل اللغة والقدرات المعرفية، بهدف تحسين التشخيص وتقديم دعم أكثر دقة لكل حالة. بينما يرى آخرون أن هذا التباين الواسع هو السمة الأساسية للتوحد، وأن التركيز يجب أن يكون على فهم كل فرد بشكل مستقل بدلاً من وضعه ضمن تصنيفات عامة.

هذا الطرح يدعو إلى اعتماد مناهج أكثر دقة، مثل الطب الشخصي والمتابعة طويلة الأمد، لفهم مسارات النمو المختلفة وتحديد المراحل التي يمكن فيها تقديم الدعم بشكل أكثر فعالية.

في النهاية، تشير المعلومات السابقة أنه لا بد من فهم مرض التوحد من خلال التنوع العصبي كجزء من التنوع الطبيعي بين البشر، لا على أنه حالة مرتبطة فقط بالمرض أو الإعاقة. ولا بد من التذكير أن البيئة الاجتماعية الداعمة، تستطيع صنع المعجزات بالنسبة لمرضى التوحد.

اقرأ أيضاً: كشف الزيف علمياً: هل يؤثر الامتناع عن القهوة الصباحية في رمضان على إبداعنا؟

المصدر

https://www.nature.com/articles/s44220-026-00613-9

https://www.google.com/amp/s/www.syria.tv/%25D9%2581%25D9%258A-%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%258A%25D9%2588%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B9%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2585%25D9%258A-%25D9%2584%25D9%2584%25D8%25AA%25D9%2588%25D8%25AD%25D8%25AF-%25D9%2583%25D9%258A%25D9%2581-%25D9%258A%25D8%25A8%25D8%25AF%25D9%2588-%25D9%2588%25D8%25A7%25D9%2582%25D8%25B9-%25D8%25B3%25D9%2588%25D8%25B1%25D9%258A%25D8%25A7-%25D9%2585%25D8%25B9-%25D8%25BA%25D9%258A%25D8%25A7%25D8%25A8-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A8%25D9%258A%25D8%25A7%25D9%2586%25D8%25A7%25D8%25AA-%25D9%2588%25D9%2586%25D9%2582%25D8%25B5-%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2585%25D8%25AA%25D8%25AE%25D8%25B5%25D8%25B5%25D9%258A%25D9%2586%25D8%259F%3famp

https://www.syria.tv/%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D8%AF%D8%AF-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%87%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.