شركات

“بومنت دمشق”.. طَموح بالتأكيد.. لكن ماذا عن الواقعية؟ المقارنة تجيب

“بومنت دمشق”.. طَموح بالتأكيد.. لكن ماذا عن الواقعية؟ المقارنة تجيب

بقلم: ريم ريّا

في وقتٍ تبدو فيه الأولويات الاقتصادية السورية متغيرة باستمرار، يبرز مشروع “بومونت دمشق” كمثال لافت لمحاولة إعادة تعريف دور السياحة في الاقتصاد. يُقدر المشروع بأكثر من 300 مليون دولار، ولا يُقدم كمجرد وجهة ترفيهية أو معمارية، بل كدليل عملي على قدرة البلاد على جذب استثمارات نوعية وبناء شراكات طويلة الأمد بين القطاعين العام والخاص.

وتثير الفجوة بين التفاؤل الرسمي والتشكيك الشعبي تساؤلاً أوسع: هل تستطيع هذه المشاريع الضخمة إحداث تحول حقيقي في الاقتصاد، أم أنها ستكون رهينة لتقلبات الظروف؟

بومونت دمشق بـ 300 مليون دولار.. رهان على السياحة وفرص العمل

أعلنت وزارة السياحة السورية عن إطلاق مشروع “بومونت دمشق”، أحد أهم استثمارات المرحلة الحالية، بقيمة تقديرية تتراوح بين 250 و300 مليون دولار أمريكي. ويجري تطوير هذا المشروع بالشراكة المباشرة مع شركة الأزهر القابضة، وفق نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ولا يقدم المشروع كمشروع تطوير حضري فحسب، بل كخطوة أولى نحو ما تسميه السلطات “السياحة الاقتصادية”، وهو نهج جديد نسبياً في السياق السوري يهدف إلى تحويل قطاع السياحة إلى محرك إنتاجي، وليس مجرد قطاع ترفيهي.

يقام مشروع “بومنت دمشق” على مساحة تقارب 30 هكتاراً من الأراضي المملوكة لوزارة السياحة، والمعروفة باسم ” أرض كيوان”. ويتضمن المشروع فرصاً استثمارية متنوعة، فندق خمس نجوم، وشقق فاخرة، ومركز أعمال، ومركز تسوق مصمم لجذب العلامات التجارية العالمية، بالإضافة إلى ممشى سياحي على طول نهر بردى.

بحسب التقديرات الرسمية، من المتوقع أن يوفر المشروع ما بين 1500 و2500 وظيفة مباشرة، بالإضافة إلى آلاف الوظائف غير المباشرة، في وقت يواجه فيه السوق المحلي ضغوطاً اقتصادية كبيرة.

تجدر الإشارة إلى أن مشروع “بومنت دمشق” تجاوز مرحلة “إعلان التفاهم” وتم توقيعه رسمياً، مع ضمانات رسمية بشأن مراجعة شروط المستثمرين وعقد اجتماعات تقييمية. الهدف من ذلك تعزيز الثقة وإثبات أن المشروع ليس مجرد إعلان نظري، بل استثمار قائم، من المقرر أن يبدأ في شهر أيار المقبل، وفق خطة تنفيذية ستتطور على مراحل خلال خمس سنوات تقريباً وفق ما صرح الاستشاري في وزارة السياحة “ساطع ياسين” في مقابلة تلفزيونية.

اقرأ أيضاً: مشاريع منفذة وشكاوى مستمرة.. ريف دمشق بين 2025 – 2026

بين بردى والواقع.. هل الموقع قادر على حمل المشروع؟

في الحقيقة، إن فكرة إنشاء ممشى سياحي على طول نهر بردى تحمل بعداً جذاباً، لكنها تثير أيضاً تساؤلات عملية. فالنهر، الذي كان تاريخياً قلب دمشق النابض، يعاني اليوم من مشاكل بيئية وخدمية، مما يجعل تحويله إلى وجهة سياحية مهمة معقدة تتطلب أكثر من مجرد استثمار عقاري.

من الناحية الاقتصادية، يبدو مشروع “بومنت دمشق” منطقياً نظرياً.. موقع مركزي، وممشى على الواجهة المائية، وعنصر متعدد الاستخدامات. إلا أن نجاحه الحقيقي يعتمد على قدرة البنية التحتية المحيطة على استيعابه، بما في ذلك الطرق والخدمات والصيانة البيئية، فضلاً عن الاستقرار الاقتصادي النسبي. وهنا يكمن التحدي تحديداً: هل يمكن للبيئة الحالية دعم مشروع بهذا الحجم دون أن تصبح معزولة؟

أما فيما يتعلق بفترة التنفيذ، فعلى الرغم من التصريحات العامة التي تشير إلى أربع أو خمس سنوات، فإن تجارب مماثلة في المنطقة تشير إلى أن مثل هذه المشاريع غالباً ما تعاني من تأخيرات بسبب التمويل أو التنفيذ أو حتى تغيرات الظروف الاقتصادية. ومع ذلك، فإن اعتماد نموذج تنفيذ مرحلي كما جاء على لسان الاستشاري في وزارة السياحة “ساطع ياسين”، حيث يتم تشغيل كل مكون فور اكتماله، هذا المعطى يمكن أن يقلل المخاطر ويُمكّن المشروع من تحقيق فوائده بسرعة نسبية.

أثر سياحي مزدوج.. بين الداخل المحدود والخارج المشروط

في قطاع السياحة، يهدف مشروع “بومنت دمشق” إلى إحداث نقلة نوعية، من خلال تنشيط السياحة الداخلية واستقطاب الزوار الأجانب. على الصعيد الوطني، يمكن أن يوفر مشروع “بومونت” مساحة جديدة للترفيه والخدمات، لا سيما للباحثين عن نمط حياة مختلف.  مع ذلك، يثير المشروع تساؤلات حول مدى ملاءمة هذا النوع من المشاريع الفاخرة للظروف الاقتصادية الراهنة التي تؤثر على شريحة واسعة من المجتمع.

أما على الصعيد  الخارجي، فالوضع أكثر تعقيداً. فبينما يمتلك المشروع، بمعاييره الدولية، القدرة النظرية على جذب السياح، وخاصة رجال الأعمال والزوار المحليين، إلا أن نجاحه في هذا الصدد يعتمد على عوامل أوسع نطاقاً، كالاستقرار وسهولة الوصول والإطار القانوني، بل وحتى الصورة الذهنية عن البلد يجب أن تكون على قدر من الوضوح.

باختصار، يمكن للمشروع تحسين العرض السياحي، لكنه وحده لا يكفي لإنعاش الطلب الدولي ما لم تدمج عوامل أخرى. وهذا ما يجعله أقرب إلى نقطة انطلاق منه إلى تحول شامل.

كيف تنجح المشاريع الكبرى؟ دروس من تجارب مشابهة

لا تفشل المشاريع الكبرى عادةً بسبب نقص التمويل أو ضعف الفكرة، بل لأنها تُصمم في بيئة غير مهيأة لتطويرها. وتقدم تجربة المنطقة دروساً واضحة: فقد نجحت بعضها لأنها بنيت برؤية شاملة، بينما فشلت أخرى لأنها ركزت على الشكل دون المضمون.

في مصر، على سبيل المثال، أطلقت مشاريع كبرى مثل العاصمة الإدارية الجديدة. ورغم نجاحها جزئياً في جذب الاستثمارات وتطوير بنية تحتية حديثة، إلا أنها واجهت انتقادات بسبب انخفاض معدلات الإشغال وارتفاع التكاليف مقارنةً بالقدرة الشرائية. والدرس واضح هنا، فالتنفيذ السريع لا يضمن بالضرورة عائداً اقتصادياً مستداماً.

في لبنان، قدمت تجربة شركة سوليدير في إعادة تطوير وسط بيروت. فقد حقق المشروع نجاحاً معمارياً، إذ غيّر قلب العاصمة، لكنه واجه انتقادات لتحوّله إلى فضاء للنخبة فقط، مما أدى إلى تهميش السكان المحليين. والنتيجة.. مشروع جميل، لكنه معزول اجتماعياً إلى حد كبير.

في الأردن، يبرز مشروع العبدلي كمثال أكثر توازناً. رغم ما واجهه من انتكاسات وتأخيرات في البداية، إلا أنه تمكن لاحقاً من التحول إلى مركز تجاري نشط، بفضل تحسن مناخ الاستثمار والتكيف التدريجي مع احتياجات السوق. وهنا تكمن النقطة الأساسية.. الصبر والتكيف أهم من الإنجاز السريع والإعلانات البراقة.

أما في دول الخليج، كالإمارات، فالنموذج مختلف تماماً. لم تنجح مشاريع مثل برج خليفة ونخلة جميرا لضخامتها فحسب، بل لكونها جزءاً من منظومة متكاملة، تضم بنية تحتية عالمية المستوى، ولوائح مرنة، وتسويق دولي قوي، واستقرار اقتصادي. بعبارة أبسط، لا يمثل المشروع هناك جزيرة معزولة، بل جزءاً من محرك اقتصادي شامل.

لا يرتبط نجاح أي مشروع ضخم بحجمه أو تكلفته، بل بتكامله مع الاقتصاد الحقيقي. تحتاج الدولة إلى أكثر من مجرد مستثمرين. فهي تتطلب إطاراً قانونياً واضحاً، ومؤسسات قادرة على المراقبة، وبنية تحتية تدعم المشروع بدلاً من أن تعيقه.

في حالة مشروع “بومونت دمشق”، لن يكمن التحدي الحقيقي في إطلاق المشروع ومباشرته على المدى القريب، بل في ضمان ألا يتحول إلى مجرد واجهة استثمارية منفصلة عن واقع المدينة. فالمشاريع الضخمة، إن لم تدمج بشكل صحيح، قد تبدو مبهرة من الخارج… لكنها فارغة من الداخل.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.