أخبار سوريا

إذا كنا كلنا ضد الفساد.. فلماذا لا يتوقف!

إذا كنا كلنا ضد الفساد.. فلماذا لا يتوقف!

بقلم: ريم ريّا

مؤخراً، في أجزاء من الخطاب النخبوي على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض من الخطاب الرسمي، يُقدم الفساد غالباً على أنه نتيجة مباشرة “لتراجع القيم والأخلاق” في المجتمع. هذا التفسير جذاب للغاية لبساطته الظاهرية ووضوح سببه، دون الخوض في التعقيدات المؤسساتية أو السياسية. مع ذلك، يثير هذا التفسير تساؤلاً منهجياً: هل يمكن اختزال ظاهرة معقدة كالفساد، حيث تتشابك السياسة والاقتصاد والمؤسسات تشابكاً وثيقاً، إلى مجرد مسألة أخلاقية فردية؟ أم أن هذا النهج، رغم بساطته، يخفي عجزاً عن معالجة الأسباب الجذرية؟

تفكيك الفرضية الأخلاقية للفساد.. هل السبب الفرد أم البنية؟

في الحقيقة، إن الخطاب الذي يربط الفساد بتدهور القيم يستند ضمنياً إلى ثلاثة افتراضات أساسية: أن الأفراد أحرار تماماً في اتخاذ قراراتهم، وأن النزاهة مفهوم مُسلّم به عالمياً، وأن الفساد مجرد خلل شخصي. تبدو هذه الافتراضات منطقية ظاهرياً ومن البديهي طرجها، لكنها سرعان ما تتهاوى عند أول احتكاك بالواقع. فالفساد أقرب إلى الواقع المفروض والنهج البنيوي منه إلى السلوك الفردي.

كما في أعمال ماكس فيبر في كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية“، يفسر التحليل الاجتماعي للسلوك البشري لا كقرار أخلاقي معزول، بل كفعل عقلاني ضمن سياق محدد. فالموظف المرتشي على سبيل المثال لا يستيقظ في الصباح ويقرر أن يكون “سيئاً”، بل يتصرف ضمن نظام يعيد تشكيل قرارات سابقة، منها، دخل محدود، رقابة ضعيفة، فرص محدودة، ونظام يكافئ التهرب بدلاً من الامتثال. في هذه الحالة، لم يعد الفساد انتهاكاً للعرف، بل عرفاً واقعياً يتكرر يومياً.

اقرأ أيضاً: برنامج الإفصاح الطوعي لمكافحة الفساد… ماذا يعني وكيف نستفيد منه؟

الأخلاق كتكيف.. عندما تتغير القيم بصمت

لنتخلى قليلاً عن فكرة ثبات الأخلاق ولنعتبرها شكلاً من أشكال التكيف، هل تتغير الصورة؟

الإجابة، نعم. تتغير الصورة بشكل جذري. ففي بيئة مستقرة تحكمها معايير واضحة، تصبح النزاهة الخيار الأمثل، أما في بيئة مضطربة يغيب فيها العدل أو يتم بشكل انتقائي، فإن القيم نفسها تبدأ بالتغير. وتصبح العلاقات الشخصية، أو ما يسمى “بالشبكة الاجتماعية”، أداة ضرورية لسلوكيات مشينة تصب فقط في خدمة أصحابها. ليس هذا بسبب “سوء الأخلاق”، بل لأنها الوسيلة الوحيدة لضمان الحد الأدنى من الحقوق.

هنا تكمن المفارقة، ما تُدينه الدولة باعتباره فساداً، قد يكافئه المجتمع كعادة. حقيقةً. هذا ليس عيباً أخلاقياً، بل هو غموض في مصادر الشرعية الاجتماعية، فالقانون الرسمي ينص على شيء، والواقع اليومي يتطلب شيئاً آخر. ومسألة الأخلاق كقيمة اجتماعية سامية، لا تغير من أنّ المرء يتكيّف بإيجاد مبررات أخلاقية لعدم التزامه بهذا السمو.

هل يمكن للدول أن “تصنع” الأخلاق؟

تبدو فكرة “الإصلاح الأخلاقي” جذابة ظاهرياً كوسيلة لمكافحة الفساد، إذ توحي بأن المشكلة تنبع من الفرد وتنتهي عنده، بالتالي يمكن حلها بتغيير طريقة تفكيره وسلوكه. هذا التصور، رغم انتشاره، يصطدم بحدود واضحة عندما يوضع في اختبار التجربة التاريخية. فالدول التي نجحت في تقليص الفساد لم تفعل ذلك عبر حملات أخلاقية أو مشاريع وعظية، بل عبر إعادة تشكيل البيئة التي ينتج فيها السلوك.

لدينا حالة جيدة لفهمها هي سنغافورة، فقد حافظت على مكانتها كواحدة من أقل الدول فساداً في العالم وفقاً لمؤشر مدركات الفساد لعام 2025 (الصادر في شباط 2026)، حيث حصلت على 84 نقطة من أصل 100، لتحتل المرتبة الثالثة عالمياً والأولى في آسيا والمحيط الهادئ. لا نجد في هذه البلاد مشروعاً يهدف إلى “إعادة تربية المواطنين”، بل تدخلاً منهجياً في هيكلة الحوافز على أقل تقدير، من خلال رفع رواتب القطاع العام إلى مستويات تقلل من الإغراء المادي الخارجي، وإنشاء هيئات رقابية فعالة بلا واسطات أو محسوبيات، وإنفاذ القانون دون إمكانية التهرب من تطبيقه.

في هذا السياق، لم يعد الفساد خياراً مغرياً، بل أصبح خطراً غير مقبول. ما تغير هنا ليس “الضمير الشخصي”، بل الفعل نفسه. ومن المثير للاهتمام أن هذا التغيير في السلوك يسبق التغيير في الخطاب. فمع مرور الوقت، أعاد المجتمع تعريف نفسه بأنه “أكثر فضيلة”، وكأن الأخلاق نتيجة وليست سبباً. هنا، تنعكس العلاقة التقليدية، فبدلاً من انتظار أن تُنتج الأخلاق نظاماً مثالياً،  الأسهل أن يُنتج النظام سلوكاً يعاد تعريفه على أنه ذو قيمة أخلاقية.

تتكرر هذه المفارقة بأشكال مختلفة في تجارب دول لا يمكن تصنيفها تبعاً لمعايير الخطاب النخبوي في سوريا بأنّها “متدينة” أو أنّ شعبها يتبع “أخلاقاً حميدة”، مثل الدنمارك. تصدرت الدنمارك قائمة الدول الأقل فساداً في العالم لعام 2026، محققةً 89 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد (CPI) الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، لتحافظ على صدارتها عالمياً للعام الثامن على التوالي. يتميز القطاع العام الدنماركي بنزاهة عالية جداً وثقة اجتماعية قوية، مدعوماً ببيئة قانونية صارمة ضد الرشوة.

ونيوزيلندا أيضاً، فوفقاً لتقرير مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الذي أطلقته منظمة الشفافية الدولية في شباط 2026، تظل نيوزيلندا من بين أقل الدول فساداً في العالم، حيث حصلت على 81 نقطة من أصل 100، مما يضعها في المركز الرابع (مشترك مع النرويج) من بين 180 دولة. ولا يعود انخفاض مستويات الفساد في هذه الدولة إلى التفوق الأخلاقي المتأصل للأفراد، بل إلى هياكل مؤسسية تجعل الانحراف مكلفاً والامتثال الخيار الأسهل والأكثر ديمومة.

في هذه السياقات، لا يطلب من الأفراد أن يكونوا “أفضل”، بل يتصرفون بشكل مختلف لأن النظام يجبرهم على ذلك. لا تشير هذه المقارنات إلى غياب الأخلاق، بل إلى إعادة تموضعها. فالأخلاق لا تختفي، بل تفقد قدرتها المركزية المستقلة وتصبح انعكاساً لبيئة منظمة. وبهذا المعنى، قد لا “تخلق” الدول الأخلاق، لكنها بالتأكيد تهيئ الظروف، بل والمنطق، الذي يجعلها ممكنة.

حين تصبح الأخلاق هندسةً لا موعظة

ربما الفكرة التي تطرحها هنا تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تقلب الطاولة على خطابات طويلة من الوعظ الأخلاقي الذي يتعامل مع البشر وكأنهم مشاريع “تحسين ذاتي” فاشلة تحتاج مزيداً من التوبيخ. وكأن المشكلة كانت دائماً في نقص الفضيلة، لا في هندسة البيئة التي يطلب من هذه الفضيلة أن تنمو فيها وسط حقل ألغام.

المقاربة التقليدية تسأل بسذاجة مدهشة: كيف نجعل الناس أفضل؟

وكأن “الإنسان الأفضل” زرّ يمكن ضغطه بعد حملة توعية أو شعار حكومي مُلهم على لوحة إعلانية قرب دوار مزدحم. ثم تُفاجأ لاحقاً بأن نفس الناس الذين سمعوا المواعظ صباحاً، يمارسون سلوكاً مختلفاً تماماً عند أول تقاطع لا يوجد فيه رقيب.

أما النهج الهيكلي المطروح هنا فهو أكثر دقة وأقل رومانسية، وبالتالي أقرب إلى الواقع: كيف نجعل السلوك الأخلاقي الخيار العقلاني الوحيد في الممارسة العملية؟

هنا ننتقل من الأخلاق  كخطاب إلى الأخلاق كنظام مصمم. الفرق شاسع. إذ يُكثر الأول الحديث عن “الضمير”، بينما يتساءل الثاني: أين تكمن مواطن الضعف في النظام؟ كيف يتسلل الفساد دون أن يُلاحظ؟ ولماذا تفوق التكلفة الأخلاقية للاحتيال دائماً تكلفته العملية؟

إن إنشاء مؤسسات قادرة على تطبيق القواعد بنزاهة لا يقتصر على مجرد وجود قوانين، بل يتعداه إلى ضمان ألا يكون القانون مجرد عنصر ثانوي في فيلم رديء، يظهر على الورق ويختفي في الواقع. فالإنصاف هنا ليس مجرد شعور أخلاقي، بل هو شرط أساسي للفعل. فبدونه، تصبح القواعد مجرد نصوص شعرية مكتوبة بأسلوب جميل، لكنها عديمة الجدوى.

إن الحد من فرص التلاعب هو اعتراف ضمني بأن الناس ليسوا ملائكة ينتظرون مكافأة على صبرهم، بل يستجيبون للفرص. فإذا وجدت ثغرة قانونية، سيحاول أحدهم استغلالها، ليس لأنهم أشرار، بل لأن النظام نفسه يوسوس لهم: “هيا، جربوا، لن يلاحظ أحد”. وغالباً ما يكون النظام مصيباً جزئياً في توقعاته.

يكمن الحل في زيادة تكلفة الفساد وتقليل فوائده. لا يتعلق الأمر بتبرير الفعل أخلاقياً والاكتفاء بتوضيح بشاعته، بل بجعله غير منطقي اقتصادياً واجتماعياً. عندما يتحول الفساد إلى مضيعة للمال بدلاً من كونه استثماراً ذكياً، يبدأ بالتراجع فجأة دون الحاجة إلى “إصلاحات أخلاقية”.

لا يحتاج الناس إلى تذكيرهم بالتصرف بشكل لائق كل خمس دقائق، لأن النظام نفسه “يذكرهم” بفعالية أكبر، فهو يجعل القرارات السيئة مؤلمة ومكلفة ومحرجة بالفعل. المفارقة هي أن ما نسميه “انتصار الأخلاق” قد لا يكون انتصاراً للأخلاق، بل انتصاراً للهندسة الذكية، التي توقفت أخيراً عن معاملة البشر كقديسين محتملين وبدأت في رؤيتهم على حقيقتهم: كائنات تستجيب، على الأقل في الوقت الحالي، للدوافع بدلاً من المبادئ.

لماذا يستمر خطاب “نقص الأخلاق”؟

يقال دائماً “الفساد نتيجة نقص أخلاق الناس”. من المثير للدهشة أن يظل هذا التفسير البسيط شائعاً على نطاق واسع، رغم تعقيد الواقع. لكن هذه الدهشة قد تكون سطحية فقط، لأن لهذا الخطاب ميزة فريدة، فهو يهدئ الجميع دون إزعاج أحد. لا يُثير قضايا حساسة، ولا يطرح أسئلة محرجة، ولا يتطلب سوى مفردات مألوفة كالضمير والقيم ومنظومة الأخلاق وما شابه ذلك.

عندما يقال إن المشكلة تكمن في “الأخلاق”، يتحول النقاش تلقائياً من التحليل البنيوي إلى تقييم الأفراد. فبدلاً من مطالبة المؤسسات بالمساءلة، يناشد المرء ضمير المجتمع. وبدلاً من الخوض في تفاصيل نظام معقد، يكفي التذكير بأن “الناس لم يعودوا كما كانوا”. وهكذا، يختزل البعد البنيوي إلى الفرد، والبعد السياسي إلى الأخلاق.

أهم ميزة لهذا التفسير هي تكلفته المنخفضة جداً. فهو لا يتطلب أي سياسة، ولا إعادة هيكلة، ولا حتى مواجهة حقيقية مع الأسباب الجذرية للمشكلة. إنه، ببساطة، تفسير محدود منمق يسد الفجوة دون تغييرها. لكن هذه السهولة لها ثمن، فقدان الدقة وحقيقةٌ تبقى على حالها.

تكمن المشكلة في أن هذا الخطاب، مع تركيزه على الأخلاق، يفصلها عن شروطها الأساسية. فالأخلاق، كما تفهم اجتماعياً، ليست مجرد نية، بل هي مجموعة من الممارسات التي تتطلب بيئة مواتية لتطورها. لا يمكن توقع أن يتصرف الفرد بشكل مثالي في نظام يجعل هذا السلوك مكلفاً أو غير مستدام. لم تعد المشكلة تكمن في “انعدام الأخلاق”، بل في انعدام الظروف التي تتيحها. واستمرار هذا الخطاب ما هو إلا عجز عن المواجهة أو عدم رغبة في التحرك نحو الحلول.

ختاماً، نحن لا نكتشف فجأة ما إذا كان الناس “أخياراً” أم “أشراراً”، بل هذه التصنيفات ما هي إلا مؤشرات ملائمة لكسل تحليلي أنيق. المؤسسات لا تعكس الأخلاق بقدر ما تصنع حدودها الممكنة، ثم نتفاجأ بالنتائج كأنها لم تكن مكتوبة مسبقاً في التصميم. الفساد لا يحتاج فلسفة كبيرة بقدر ما يحتاج ثغرة صغيرة في نظام يحب أن يبدو متماسكاً في التقارير فقط. أما الأخلاق، فغالباً ليست فضيلة خارقة… بل نتيجة عرضية لنظام لم يترك للخطأ مساحة ليكون مربحاً.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.