أخبار سوريا

لماذا تمّ إيقاف سماد اليوريا؟ وهل فات أوان التسميد؟

لماذا تمّ إيقاف سماد اليوريا؟ وهل فات أوان التسميد؟

بقلم: ديانا الصالح

أثار قرار المصرف الزراعي السوري بإيقاف بيع وتسليم سماد اليوريا 46% مؤقتاً، جدلاً واسعاً فتح باباً للتساؤلات حول ثبات السياسة الزراعية لا سيما بعد صدور تعميم مغاير له قبل أيام يسمح ببيع المادة نقداً لمختلف المحاصيل.

وتتباين الآراء حول أسباب التعميم في ظل غياب التوضيحات الرسمية، حيث يراه البعض أسلوباً مألوفاً لموجة غلاء جديدة، مشيرين إلى مخاطر هذا الإجراء على محاصيل مهمة مثل القمح والحمضيات والزيتون، بينما يعتقد آخرون أنه لا وجود لمخاطر حقيقية من إيقاف سماد اليوريا، لأن التسميد انتهى تقريباً منذ منتصف آذار لا سيما بالنسبة للمحاصيل الاستراتيجية وفقاً لرأيهم.

وفي هذا السياق، تثور عدة تساؤلات حول التوقيت الحقيقي لاستخدام سماد اليوريا ومدى تأثير قرار الإيقاف المؤقت على المحاصيل الزراعية وإنتاجها، وهل جاء القرار ضمن مرحلة حساسة من الدورة الزراعية أم بعد تجاوز الفترة الأساسية للتسميد.

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

إيقاف سماد اليوريا 46%

عمم المصرف الزراعي السوري قراراً بإيقاف بيع وتسليم مادة سماد اليوريا 46 مؤقتاً منذ 24 آذار 2026، دون إضافة أي توضيحات للأسباب، مما فتح باباً واسعاً لتباين الآراء حول الدوافع المحتملة، حيث يتخوف مزارعون من زيادة جديدة في أسعار السماد، خاصة وأن هناك فرق واضح بين الأسعار الرسمية والسوق السوداء، معربين عن استيائهم من تأثير التجار في القرارات الزراعية وفقاً لوصفهم.

في المقابل، يرى آخرون أن القرار ناجم عن إجراءات فنية مدروسة لمنع الاستخدام العشوائي لهذا النوع من السماد، كون الحاجة الفعلية له انتهت منذ منتصف آذار أي عند بدء مرحلة طرد السنابل والإزهار، أما حالياً فيمكن الاستعاضة عنه بأنواع عضوية لتعزيز استطالة السيقان، مشيرين إلى أن الأثر الفعلي يكمن في تحديد ما إذا كانت المحاصيل حصلت على تسميدها مسبقاً أم ما زالت متأخرة.

وهذا ما ينقله مختص في مجال الأسمدة العضوية، محمود ياسين المحمود “لسوريا اليوم 24″، حيث يؤكد أن سماد اليوريا 46% عبارة عن منشط نمو خضري، وأن الفترة الأمثل لاستخدامه للمزروعات الشتوية انتهت بعد نمو الأوراق ودخول القمح والحمضيات بمرحلة الإزهار، انتهى وقت استخدامه الحقيقي بالنسبة للمزروعات الشتوية، حيث تم استخدامه زراعياً خلال فصل الشتاء مع بداية الإنبات، أما اليوم فلم يعد هناك حاجة لإضافته لا سيما بالنسبة للقمح والحمضيات فقد دخلت هذه المحاصيل مرحلة الإزهار.

ويبين المحمود أن الاستخدام العشوائي لسماد اليوريا، خاصة بعد تخطي الفترة الفعلية لاستخدامه، قد يؤدي إلى نتائج سلبية أبرزها قلة التلقيح والحصول على سنابل فارغة أو حبوب صغيرة وضامرة، إضافة إلى المبالغة بالنمو الخضري على حساب الاهتمام بنضج السنابل، كما يمكن أن يسبب بحرق الأوراق والسنابل لينتهي الأمر بقلة الإنتاج.

أما بالنسبة لاحتمال قرار الإيقاف كإجراء فني مدروس، فيجيب المحمود ان هذا الترجيح وارد، خاصة بعد رصد أمراض فطرية في بعض المحاصيل، موضحاً أن سماد اليوريا في هذه الحالة قد يعمل بشكل عكسي حيث يقوم بتغذية الفطريات وزيادتها مما يستوجب إيقافه على الفور، وفقاً لرأيه.

ويعزز هذا الرأي، التوضيح السابق للخبير الزراعي أنس أبو طربوش، الذي يشير بأن القمح يدخل ما يُعرف زراعياً بمرحلة طرد السنابل والإزهار بين منتصف شهر آذار ومنتصف نيسان، مما يعكس صحة وجهة نظر المحمود بالنسبة لمحصول القمح.

هل القمح في خطر؟

عند الحديث عن أثر إيقاف سماد اليوريا فلا بد من العودة إلى تعريفه العلمي فهو عبارة عن أهم مصادر النيتروجين، حيث يوفر العناصر الغذائية لتعزيز نمو النباتات وتحسين الإنتاجية، كما يُعرف بين الأوساط الزراعية أحياناً باسم منشط النمو الخضري كما ذكرنا سابقاً.

ووفقا لدراسة منشورة في مجلة Agronomy بعنوان “تأثير وضع وتوقيت سماد النيتروجين على محصول حبوب القمح الشتوي وتركيز البروتين” فإن التوقيت المثالي لتطبيق الأسمدة النيتروجينية تكون خلال مرحلة النمو الخضري النشط للقمح الشتوي، حيث أثبتت أن التطبيق المبكر والمتوسط يزيد من الإنتاجية وتركيز البروتين أكثر من الاستخدام المتأخر للسماد، ويكون التوقيت المبكر بدءاً شهر كانون الثاني تقريباً، في حين تتباين مرحلة طرد السنابل من منطقة إلى أخرى، مما يعكس أهمية التوعية الزراعية لفهم الحاجة الفعلية للنباتات ومتى يجب التوقف أو تقليل كمية السماد.

وعلى الرغم من ضعف أدلة الآراء حول الأثر البالغ لتوقف اليوريا على إنتاج القمح السوري في هذه المرحلة، إلا أن ذلك لا ينفي المخاطر الحقيقية التي تُحدق به، مما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي السوري، فالمحصول اليوم يعاني أزمات متلاحقة في البلاد عامةً، حيث يقع بين فكّي الغرق والآفات في ريف حماه وإدلب، إلى جانب ارتفاع التكاليف التشغيلية والإنتاجية، كساعات الحراثة والأسمدة الكيمائية.

وفي هذا السياق يحذر الخبير الزراعي حسام القصار من الوضع المزري الذي آل إليه الإنتاج السوري، حيث وصل إلى أدنى مستوى له منذ عقود، مما يمثل تهديداً للأمن الغذائي السوري، محذراً من الآثار السلبية المترتبة على ذلك كرفع سعر الخبز والاعتماد على الاستيراد وغير ذلك.

وقد مرّ محصول القمح السوري خلال الموسم الماضي بأسوأ غلاته، حيث لم يبلغ حجم إنتاجه ربع الحاجة المحلية، فيما سبقته تحذيرات من منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو)، حيث أوضحت أن الموسم الزراعي السوري يمرّ بأسوأ موسم له منذ 60 عاماً نتيجة للجفاف، الذي ألحق الضرر 2.5 مليون هكتار من الأراضي المخصصة للقمح.

وإلى جانب الكوارث الطبيعية، تتوارد شكاوى المزارعين حول الإهمال الحكومي وضعف الإرشادات الزراعية، إلى جانب ارتفاع التكاليف التشغيلية والإنتاجية، مما يشكل اختناقاً زراعياً يدفع العديد من الفلاحين إلى العزوف عن الزراعة الاستراتيجية والبحث عن زراعة محاصيل أقل أهمية أو مهن أخرى لتأمين لقمة العيش، وهذا ما يعزز تفسير الخبير الزراعي القصار الذي أشار إلى الاختناق الاقتصادي ومعاناة الفلاح من موازنة الأرباح وتكاليف الإنتاج.

هل الحمضيات السورية في خطر؟

الحمضيات اليوم في أوج مرحلة إزهارها، بالتالي فإن استخدام سماد اليوريا قد يعمل على تحفيز الأوراق بدلاً من الإزهار، كما يمكن أن يقلل من الإنتاجية وفقاً للدراسات العلمية، فكما ذكرنا سابقاً، يُحبذ استخدام هذا النوع من السماد في مرحلة النمو الخضري لتعزيز الإنتاج، وكلما كان التسميد مبكراً زادت فعاليته، لذلك لا يمكن لقرار توقيف سماد اليوريا المؤقت أن يكون ذا أثر سلبي بالغ.

ولكن ذلك لا ينفي أيضاً تأثره بارتفاع أسعار الأسمدة التي رافقت نموه الخضري إلى جانب ارتفاع تكاليف التشغيل والتقلبات المناخية، وسط تراجع الدعم الحكومي وفقاً لما يشير إليه المزارعون، فلا وجود لقروض ميسرة ولا تعويض عن الخسائر، إضافة إلى عدم غياب التصنيع المحلي ضمن مناطق الإنتاج الرئيسية (الساحل)، حيث يضطر المزارع إلى بيع محصوله الخام دون محاولة الاستفادة من استدامة الموارد لأكبر وقت ممكن عبر تحويلها لمنتجات غذائية مخزنة.

وتشكل حمضيات اللاذقية 77% من الإنتاج الإجمالي المحلي، مما يعكس أهمية المنطقة كعصب رئيسي للبلاد، وفي هذا الصدد، يؤكد مدير زراعة اللاذقية عبد الفتاح السمر انخفاض إنتاج الحمضيات خلال موسم 2025 ليصل إلى 440 ألف طن مقارنة بنحو 540 ألف طن في 2024، والذي يُعتبر هو الآخر متراجعاً مقارنة بموسم 2023 الذي قُدر بما يزيد عن 841 ألف طن.

تأثر الزيتون

بالنسبة لأشجار الزيتون، فإن تسميدها يعتمد على خصائص الشجرة الفسيولوجية واحتياجاتها حسب كل مرحلة من نموها، وفقاً لمنظمة (الفاو)، ولا يعتمد الزيتون على جدول زمني ثابت للتسميد، وإنما يحتاج إلى تحديد الوقت الأمثل، وإلى ذلك يبدأ نموه خلال الربيع مما يستدعي توفير النيتروجين بشكل يسهل امتصاصه.

عملياً الوقت المثالي لاستخدام الأسمدة بما في ذلك مادة اليوريا، يبدأ من الشتاء وحتى أوائل الربيع، أي حتى منتصف شهر نيسان، وذلك يختلف من منطقة إلى أخرى حسب الإنبات والإزهار.

يبدو أن تأثير إيقاف سماد اليوريا 46% المؤقت يحمل عدة أوجه، فمن الناحية العلمية يجب أن تكون المحاصيل حصلت على كفايتها في مرحلة مبكرة وهي الأنسب لزيادة الإنتاجية أي منذ الشتاء، فيما تختلف نسبة الحاجة في الوقت الحاضر، فهناك مناطق تشهد مرحلة طرد السنابل وأخرى لا تزال في مرحلة نموها النباتي.

بالتالي، فإن ذلك يستدعي ضرورة التوعية الزراعية وتكثيف الجولات الإرشادية لتكوين صورة واضحة للمزارعين حول التوقيت المثالي للتسميد وكمياته الصحيحة، كما لا بدّ من مرافقة أي إعلان زراعي بتوضيحات رسمية تزيل الشكّ باليقين وتمحي مخاوف الفلاح من خسارات جديدة، فيما يبقى السؤال مفتوحاً لحين ورود التوضيح الرسمي: هل يأتي قرار توقيف سماد اليوريا المؤقت ضمن الإجراءات الفنية المدروسة أم أنه عقبة جديدة في طريق القطاع الزراعي السوري؟

اقرأ أيضاً: الحسكة: حين تصبح ساعة الري أغلى من سنبلة القمح..

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.