أخبار سوريا

العمى الصامت.. كيف يخسر أطفال سوريا بصرهم قبل أن تبدأ حياتهم؟

العمى الصامت.. كيف يخسر أطفال سوريا بصرهم قبل أن تبدأ حياتهم؟

بقلم: ريم ريّا

في سوريا ما بعد الحرب، لم تعد النجاة من الموت تعني الحياة. فآلاف الأطفال الخدج الذين نجوا في وحدات العناية المركزة يواجهون الآن خطراً آخر، أقل وضوحاً وأكثر خفاءً، فقدان البصر الدائم. وبينما تشير التقديرات الدولية إلى أن حوالي 15 مليون طفل يولدون قبل الأوان كل عام، فإن نسبة كبيرة منهم معرضة لخطر مضاعفات خطيرة، أبرزها اعتلال الشبكية الخداجي. وفي السياق السوري، تتفاقم هذه المشكلة بسبب هشاشة النظام الصحي، حيث لا تعمل سوى 57% من المستشفيات تقريباً، وأجبر ما يقرب من 70% من الكوادر الطبية على التقاعد خلال سنوات النزاع، مما يجعل الرعاية المتخصصة قليلة بدلاً من كونها حقاً أساسياً.

أسباب العمى… حين يتحول الخلل الطبي إلى سلسلة أخطاء

لا يعود فقدان البصر لدى الأطفال الخدج في سوريا أو باقي الدول إلى سبب واحد بسيط، بل إلى تفاعل معقد بين عوامل بيولوجية ونقص في الرعاية.

يعد اعتلال الشبكية الخداجي (ROP) السبب الأكثر شيوعاً، إذ يصيب حوالي 30% من الأطفال الخدج، مع حالات شديدة تتراوح بين 5% و10% منهم. وينتج هذا الاعتلال عن نمو غير طبيعي للأوعية الدموية في الشبكية، ما يؤدي في الحالات الشديدة إلى انفصال الشبكية وفقدان البصر.

إلا أن المشكلة لا تنتهي عند هذا الحد. فقد أشارت دراسات حديثة إلى وجود صلة بين هذا المرض وعوامل بيولوجية، مثل انخفاض مستويات حمض الأراكيدونيك، ما يفتح المجال لفهم أعمق لدور التغذية خلال فترة الحمل وما بعد الولادة. علاوة على ذلك، تساهم العيوب الخلقية والطفرات الجينية والعدوى في زيادة خطر الإصابة، لا سيما في البيئات التي تفتقر إلى المتابعة الطبية الكافية مثل سوريا. وبدون الكشف المبكر، تتحول هذه العوامل من خطر محتمل إلى نتيجة شبه مؤكدة تتمثل في فقدان البصر.

اقرأ أيضاً: النباتات الطبية والعطرية في سوريا.. الذهب الأخضر بين الوفرة وسوء الاستثمار

فجوة التشخيص لأطفال سوريا… حين يصل الطفل متأخراً جداً

المشكلة الأكثر إيلاماً في هذه البلاد ليست المرض نفسه، بل توقيت تشخيصه. ففي سوريا، لا يوجد نظام وطني شامل للكشف عن اعتلال الشبكية لدى الخدج، على الرغم من زيادة عدد وحدات العناية المركزة. هذا التناقض الصارخ يعني أن عدداً أكبر من الأطفال ينجون، لكنهم لا يتلقون الفحوصات اللازمة في الوقت المناسب.

ونتيجةً لذلك، يصل العديد منهم إلى عيادات أطباء العيون في مراحل متقدمة، حيث يكون التدخل الطبي محدوداً أو عديم الجدوى. يواجه الأطباء على أرض الواقع واقعاً مريراً، وغالباً ما يضطرون لإبلاغ الأهل بأن الفرصة قد فاتت. هذا التأخير ليس مجرد خطأ إداري، بل هو نتيجة مباشرة لنقص المعدات الأساسية، مثل أجهزة تصوير الشبكية، ونقص الكوادر المدربة، واضطرابات المتابعة بعد خروج الطفل من المستشفى.

الحلول الممكنة… بين المبادرات الفردية والحلول المستدامة

على الرغم من هذه النظرة المحبطة لهذا النوع من الأمراض، فقد بذلت جهود حثيثة لتغيير السياسات. فقد وضعت مبادرات يقودها أطباء سوريون، محليون ودوليون، مبادئ توجيهية وطنية لفحص وعلاج اعتلال الشبكية لدى الخدج، مع توسيع معايير الفحص لتشمل المزيد من الرضع المعرضين للخطر.

كما ظهرت حلول جديدة، مثل استخدام التطبيب عن بعد، الذي يتيح تصوير شبكية عيون الرضع في المستشفى وإرسال الصور إلى الأخصائيين لتقييمها بسرعة، مما يقلل الحاجة إلى وجود أخصائي في الموقع. والجدير بالذكر أن بعض العلاجات، كالحقن داخل الجسم الزجاجي لوقف نمو الأوعية الدموية غير الطبيعية، غير مكلفة نسبياً ويمكن إجراؤها في وحدات العناية المركزة دون إجراءات معقدة. مع ذلك، فإن نطاق هذه التدخلات محدود ما لم تُحوّل إلى مشاريع وطنية مستدامة، مدعومة بتمويل ثابت وتدريب مكثف.

ما وراء الأرقام… العمى كقضية عدالة صحية

بعيداً عن الإحصاءات، تسلط أزمة العمى المبكر في سوريا الضوء على مشكلة أعمق، وهي المساواة في الحصول على الرعاية الصحية. فالأطفال المولودون في المناطق الحضرية أو في المستشفيات الممولة دولياً هم أكثر عرضةً للاحتفاظ ببصرهم من أقرانهم في المناطق الأقل حظاً.

ولا يعكس هذا التفاوت اختلافات في المرض نفسه، بل في الفرص التي يتيحها. ففي بلدٍ يُكافح لإعادة بناء نظامه الصحي، لا يقتصر السؤال الحقيقي على كيفية علاج المرض فحسب، بل يتعداه إلى كيفية ضمان عدم حرمان أي طفل من حقه في البصر بسبب مكان ولادته أو دخل أسرته. إن تطوير برامج الفحص والعلاج، والانتقال من التدابير المؤقتة إلى سياسة وطنية شاملة، لا يمكن أن ينقذ البصر فحسب، بل يمكنه أيضاً إعادة تعريف معنى الصحة في سوريا، من مجرد البقاء على قيد الحياة إلى الحق الكامل في الحياة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.