الكاتب: أحمد علي
حين ارتفع العلم السوري الجديد فوق مبنى السفارة في لندن بعد ثلاثة عشر عاماً من الصمت، بدا المشهد بالنسبة لكثير من السوريين أكبر من مجرد احتفال بروتوكولي، فإعادة فتح السفارات السورية لم تعد خبراً سياسياً عابراً، بل لحظة يختلط فيها الأمل بالقلق، وحسابات الحياة اليومية بأسئلة المستقبل.
والسوري الذي أمضى سنوات ينتقل بين مكاتب المحامين، ويجمع الأوراق المترجمة لإثبات زواجه أو ميلاد طفله، يعرف جيداً معنى أن تعود سفارته للعمل.. فجأة تصبح معاملة الجواز أقل تعقيداً، وتصديق الشهادات أقل كلفة ووقتاً، واستعادة الصلة القانونية بالوطن أقل غموضاً، خاصة بعد سقوط سلطة الأسد وتشكّل مشهد سياسي جديد في البلاد.
خريطة إعادة فتح السفارات السورية
منذ انهيار السلطة السابقة في دمشق أواخر عام 2024، تسارعت خطوات إعادة فتح السفارات السورية في عدد من العواصم التي أغلِقت فيها البعثات الدبلوماسية منذ 2012 وما بعدها، وأحدث هذه الخطوات كان إعادة فتح السفارة في لندن في تشرين الثاني 2025 بعد أكثر من عقد على إغلاقها، في خطوة وُصِفت بأنها جزء من إعادة دمج سوريا في النظام الدولي بعد التغيير السياسي.
في الوقت نفسه، أعلنت وزارة الخارجية السورية عن استئناف عمل السفارة في واشنطن بعد رفع القيود القانونية التي كانت تمنعها من مزاولة نشاطها، لتعود البعثة السورية إلى العاصمة الأميركية للمرة الأولى منذ أكثر من أحد عشر عاماً.
إلى جانب ذلك، رفعت سوريا علمها مجدداً فوق مبنى السفارة في طرابلس الليبية في صيف 2025، في خطوة رمزية لعودة الحضور الدبلوماسي في بلد استقر فيه عدد من السوريين كعمّال ولاجئين. كما يجري التحضير لإعادة فتح القنصلية العامة في بون بألمانيا، بهدف تغطية الاحتياجات المتزايدة للجالية السورية هناك، وفق ما نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية.
وبهذه الخطوات المتلاحقة، تحوّلت مسألة إعادة فتح السفارات السورية من خبر متفرّق إلى خريطة دبلوماسية جديدة تمس حياة مئات الآلاف من السوريين.
لندن: سفارة تعود لجالية متنامية
تشير بيانات التعدادات البريطانية لعامي 2021 و2022 إلى وجود أكثر من خمسين ألف شخص من مواليد سوريا يقيمون في المملكة المتحدة، أغلبهم في لندن ومدن كبرى مثل برمنغهام ومانشستر.
وإعادة فتح السفارة السورية في لندن تعني لهذه الجالية أكثر من عنوان على واجهة شارع دبلوماسي، بل هي نافذة لإصدار وتجديد جوازات السفر، وتسجيل المواليد والزيجات والطلاقات، وتنظيم الوكالات القانونية داخل سوريا، فكثيرون كانوا يعتمدون لسنوات على قنصليات بديلة في دول أخرى أو على وسطاء بتكاليف مرتفعة ومخاطر قانونية.
الآن، ومع إعادة فتح السفارات السورية في العواصم الكبرى، يمكن أن يصبح الطريق إلى هذه الخدمات أقصر وأقل التباساً.
واشنطن: سفارة وجالية واسعة
المجتمع السوري في الولايات المتحدة قديم ومتجذّر، وتقدّر بيانات ديموغرافية حديثة عدد الأميركيين من أصول سورية بنحو 194 ألف شخص موزّعين على ولايات مختلفة، مع تركّز أكبر في كاليفورنيا وبنسلفانيا ونيوجيرسي.
وخلال سنوات إغلاق السفارة السورية في واشنطن، اعتمد كثير من أفراد هذه الجالية على قنصليات فخرية محدودة الصلاحيات، أو اضطروا للسفر إلى دول أخرى لإنجاز معاملات بسيطة.
ومع إعلان استئناف عمل السفارة السورية في العاصمة الأميركية، يعود للأميركيين من أصل سوري، وكذلك للاجئين الذين وصلوا بعد اندلاع الحرب، منفذ رسمي لتثبيت أوراقهم وتجديد جوازاتهم وتسوية أوضاعهم داخل البلاد الأم.
أوروبا وعودة القنصليات السورية
في ألمانيا وحدها يعيش ما يقارب المليون سوري بين لاجئ ومهاجر، بعدما أصبحت البلاد إحدى الوجهات الرئيسية للفارين من الحرب.. لسنوات طويلة، ظل هؤلاء يعتمدون على مكاتب الهجرة والمحامين لإدارة شؤونهم القانونية، بينما بقيت العلاقة المباشرة مع الدولة السورية شبه مقطوعة.
ولهذا، فإن إعادة فتح القنصلية العامة السورية في بون تعني أن هذه الكتلة البشرية الكبيرة ستحصل على عنوان رسمي يقدّم خدمات قنصلية داخل البلد الذي تقيم فيه.
والأمر لا يقتصر على ألمانيا بطبيعة الحال، فمع عودة عدد متزايد من السفارات الأوروبية للعمل في دمشق بعد سقوط السلطة السابقة، مثل السفارة الألمانية وسفارات إيطاليا وإسبانيا، تصبح حركة الوثائق بين الداخل والخارج أسهل، بما في ذلك معاملات لمّ الشمل أو حصر الإرث أو نقل الملكية التي تهم عشرات آلاف الأسر السورية المنتشرة في القارة الأوروبية.
ليبيا مثال على الهامش المنسي
على الضفة الجنوبية للمتوسط، تظهر ليبيا كحالة مختلفة، فالسوريون هناك غالباً عمّال مهاجرون أو لاجئون عالقون في بلد يعاني من حروب وأزمات متتالية.. لا توجد إحصاءات دقيقة عن أعدادهم، لكن تقارير المنظمة الدولية للهجرة وبرامج العودة الطوعية تشير إلى وجود آلاف السوريين الذين استخدموا ليبيا نقطة عبور أو مكان إقامة مؤقتة، مع تنظيم رحلات عودة متكرّرة إلى سوريا.
بالنسبة لهؤلاء، تبدو إعادة فتح السفارة السورية في طرابلس خطوة قد تعني الفارق بين البقاء عالقين في الفراغ القانوني وبين القدرة على توثيق أوراقهم أو الحصول على جواز صالح أو ترتيب رحلة عودة أكثر أمناً.
اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تُصبح سوريا «مستعمرة أمريكية»؟!
ما الذي تقوله الأرقام عن إعادة فتح السفارات السورية؟
رغم غياب إحصاء موحّد يربط كل سفارة بأعداد السوريين في بلد الاستقبال، يمكن رسم صورة تقريبية لحجم الاستفادة المتوقعة من إعادة فتح السفارات السورية الذي تم حتى الآن. إذا جمعنا السوريين المولودين في سوريا والمقيمين في المملكة المتحدة (أكثر من 50 ألفاً)، والأميركيين من أصول سورية (نحو 194 ألفاً)، والسوريين في ألمانيا الذين يقدَّر عددهم بما يزيد على 600 ألف لاجئ مسجلين إضافة إلى موجات أقدم من المهاجرين، فإننا نتحدث عما لا يقل عن 800–900 ألف شخص سيصبح الوصول إلى الخدمات القنصلية بالنسبة لهم أسهل بكثير مع اكتمال شبكة البعثات الجديدة.
وإذا أضفنا إلى هؤلاء السوريين المنتشرين في ليبيا ودول أوروبية أخرى تستعد لافتتاح قنصليات أو مكاتب ارتباط، يمكن القول إن إعادة فتح السفارات السورية تمس بشكل مباشر حياة أكثر من مليون سوري خارج البلاد، من أصل ما يزيد على ستة ملايين لاجئ وطالب لجوء مسجلين حول العالم، إضافة إلى ملايين المهجرين داخلياً.
في النهاية، قد تبقى الأسئلة السياسية الكبرى معلّقة لسنوات، لكن على مستوى التفاصيل اليومية، تبدو إعادة فتح السفارات السورية كأداة عملية لإعادة ترتيب أوراق السوريين في الشتات، وربط حياتهم الجديدة في بلدان اللجوء أو الهجرة بحقيقة قانونية أكثر وضوحاً في بلدهم الأصل.
وبين طابع جواز سفر مُجدَّد وطابع دخول على معاملة عقارية، تختبئ قصص آلاف العائلات التي تحاول أن تبني حياة طبيعية قدر الإمكان بعد حرب طويلة غيّرت شكل سوريا والمنطقة…
اقرأ أيضاً: العلاقات السورية التركية: طقوسُ الإشارات والتحوّلات!