الكاتب: أحمد علي
تتصاعد الأسئلة في الشارع السوري كلما انتشر خبر جديد عن النفط والغاز، لكن الحديث عن إلغاء مصفاة حمص لم يمر هذه المرة بهدوء، فالمصفاة ليست مجرد منشأة صناعية قديمة؛ بل جزء من ذاكرة المدينة، ومصدر رزق لآلاف الأسر، ورمز لمرحلة كاملة من التصنيع في سوريا منذ نهاية الخمسينيات. ومع تداول تصريحات تتحدث عن إغلاق المصفاة وتحويل أرضها إلى مشروع سكني وخدمي، انقسمت ردود الفعل بين من يرى في الخطوة فرصة للتحديث، ومن يخشى أن تكون بداية فراغ جديد في أمن الطاقة المحلي.
المفارقة أن هذا النقاش يجري بينما تشهد التقديرات الخاصة بإنتاج النفط السوري حديثاً متكرراً عن “تحسن نسبي” في الكميات المنتجة مقارنة بالسنوات الأكثر قسوة من الحرب، وعن خطط لرفع الإنتاج في المدى المتوسط إذا توافرت ظروف سياسية واستثمارية مواتية.
وتشير تقارير وحدة أبحاث الطاقة، التي استعرضتها منصة “الطاقة” المتخصصة في كانون الثاني 2025، إلى أن إنتاج النفط في سوريا ارتفع من مستويات تراوحت بين 40 و70 ألف برميل يومياً خلال 2013–2023، ليصل إلى نحو 89 ألف برميل يومياً في عام 2024، مع سيناريو متفائل قد يرفع الإنتاج إلى أكثر من 200 ألف برميل يومياً بحلول 2035 إذا تحقق الاستقرار وجذبت البلاد استثمارات جديدة.
في هذا السياق، يبدو أن قرار التعامل مع مصفاة حمص ليس مجرد شأن محلي بمدينة واحدة، بل جزء من مقاربة أشمل لقطاع الطاقة، تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والاعتبارات الاجتماعية والبيئية.
قرار إلغاء مصفاة حمص
أول ملامح الوضوح جاءت من خلال تصريحات الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، خلال المعرض الدولي للبترول والطاقة “سيريا إنرجي” في دمشق، فقد نقلت الصحف أن قبلاوي أعلن عن خطة رسمية لإغلاق مصفاة حمص الحالية، وبناء مصفاة حديثة بطاقة تصل إلى 200 ألف برميل يومياً في موقع جديد يبعد نحو 50 كيلومتراً عن المدينة.
القرار، كما قُدم في تلك التصريحات، يرتبط بثلاث نقاط أساسية: أولاً، تراجع كفاءة مصفاتي حمص وبانياس بعد عقود طويلة من التشغيل؛ ثانياً، ارتفاع كلفة تحديث البنية التحتية القديمة مقارنة ببناء مجمع تكريري متكامل بمواصفات حديثة؛ وثالثاً، الرغبة في استثمار أرض المصفاة داخل حمص كمشروع تنموي “خدمي وسكني متكامل” يضم مستشفيات ومدارس ومرافق عامة، بحسب ما أوضحه قبلاوي في التصريحات ذاتها.
مشروع جديد بلا إيران..
من المهم الفصل بدقة بين مشروع المصفاة الجديدة اليوم، وبين المشروع القديم الذي كان مطروحاً خلال سنوات حكم الأسد، حين أعلن عن مذكرة تفاهم ثلاثية بين إيران وسوريا وفنزويلا لإنشاء مصفاة قرب حمص بطاقة تصل إلى 140 ألف برميل يومياً، تُموَّل وتُغذَّى جزئياً من النفط الإيراني والفنزويلي.
لكن ذاك المشروع كان جزءاً من منظومة تحالف سابقة ربطت دمشق بطهران، واستندت إلى تدفق منتظم من النفط الإيراني المدعوم نحو مصافي بانياس وحمص طوال سنوات الحرب، وبعد سقوط الأسد، تبدّلت المعادلة بالكامل: تمّ وقف الشحنات الإيرانية تدريجياً، واتجهت الحكومة الجديدة إلى مناقصة مفتوحة لاستيراد النفط، قبل أن تواجه عزوفاً من الشركات الكبرى بسبب العقوبات وعدم وضوح الضمانات المالية، ثم اضطرت إلى الاعتماد على وسطاء محليين لفترة انتقالية.
ومن الملاحظ، أن الحديث عن المصفاة الجديدة قرب حمص اليوم يترافق مع خطاب مختلف تماماً؛ تصريحات قبلاوي تشير إلى “فتح صفحة جديدة” مع شركات مثل “شيفرون – Chevron” و”كونوكو فيليبس – ConocoPhillips” الأمريكيتين، وإلى تقدم محادثات مع شركات أمريكية وخليجية وأوروبية، بالتوازي مع توقيع شركات أمريكية مثل Baker Hughes وHunt Energy على إعداد مخطط رئيسي لقطاع الطاقة السوري بعد تعليق العقوبات.
إنتاج النفط ومعضلة التكرير
قبل الحرب، كان إنتاج سوريا من النفط يتجاوز 380 ألف برميل يومياً، لكن العقوبات وتدمير البنية التحتية وخروج معظم الحقول عن سيطرة الحكومة خفّضت الإنتاج إلى عشرات الآلاف فقط، ثم عاد تدريجياً ليتراوح في السنوات الأخيرة حول 90–95 ألف برميل يومياً وفق تقديرات مؤسسات دولية وإحصاءات للطاقة.
وهذا المستوى من الإنتاج لا يكفي لتحقيق اكتفاء ذاتي كامل، لكنه يسمح، إذا توفرت مصافٍ حديثة، بتقليل الاعتماد على الاستيراد وتأمين جزء من الاحتياجات المحلية.
تتحدث تقارير اقتصادية حديثة عن أن الحقول الواقعة شرق الفرات وفي وسط سوريا يمكن أن تصل بإنتاج البلاد إلى 200 ألف برميل يومياً خلال بضع سنوات إذا توفرت استثمارات كافية واستقرار أمني وتشغيلي.
وبالفعل، أعلنت الحكومة في أيلول 2025 عن أول شحنة رسمية من النفط الخام تُصدّر من ميناء طرطوس منذ 14 عاماً، بكمية 600 ألف برميل من الخام الثقيل، في إشارة إلى بداية عودة سوريا إلى خريطة التجارة النفطية ولو بحجم محدود.
في هذا السياق، تصبح كفاءة التكرير عنصراً حاسماً. إبقاء مصفاة حمص بشكلها القديم يعني استمرار خسائر في الطاقة والتكاليف التشغيلية، وتأخر في الالتزام بالمعايير البيئية، وضعف قدرة البلاد على استثمار كل برميل يُستخرج من أرضها.
أما إلغاء مصفاة حمص واستبدالها بمجمع جديد، فيفتح نظرياً أفقاً لبناء منشأة بتقنيات حديثة تستهلك طاقة أقل وتنتج مشتقات أعلى قيمة، بالتكامل مع مصفاة بانياس، ومع استثمارات موازية في خطوط النقل والتخزين والغاز.
لكن الواقع يذكّر بأن الفجوة الزمنية بين إيقاف منشأة قائمة وتشغيل بديلها ليست مجرد تفصيل؛ أي تأخير في تمويل أو تنفيذ المصفاة الجديدة قد يفاقم أزمة المشتقات في السوق المحلية، خاصة أن التنافس على النفط السوري بين أطراف داخلية وخارجية لم يُحسم بعد بالكامل، وأن جزءاً مهماً من الحقول ما زال خارج سيطرة الحكومة المركزية.
هل القرار صائب؟
من زاوية اقتصادية وتقنية بحتة، يمكن الدفاع عن إلغاء مصفاة حمص باعتباره خطوة منطقية في بلد يسعى إلى إعادة هيكلة قطاع طاقته بعد حرب طويلة وسقوط سلطة سياسية قديمة، فالمصفاة شاخت، وموقعها داخل المدينة لم يعد مناسباً، وكلفتها البيئية والمالية مرتفعة، بينما يمكن لمجمع جديد أن يكون أكثر كفاءة وقدرة على جذب شركاء دوليين يفضّلون الاستثمار في منشآت حديثة بدل تحمل أعباء منشآت متهالكة.
في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل المخاطر، فنجاح القرار مشروط بثلاثة عناصر أساسية: أن يكون تمويل المصفاة الجديدة مضموناً من خلال شراكات واضحة المعالم؛ وأن يكون الجدول الزمني لبنائها وتشغيلها واقعياً ومعلناً للرأي العام؛ وأن تُعالَج الآثار الاجتماعية لإغلاق الموقع القديم من خلال خطط لإعادة تدريب العمال ونقلهم أو تعويضهم، مع ضمان أن المشروع السكني والخدمي في أرض المصفاة لا يتحول إلى فرصة مضاربة عقارية لصالح فئات محدودة.
من زاوية سياسية، يحمل القرار دلالة أخرى؛ فهو يكرّس انتقال سوريا من محور كانت تلعب فيه إيران دور الشريك الأبرز في ملفات النفط والتكرير، إلى موقع جديد يحاول الاعتماد على شركات أمريكية وخليجية وأوروبية بعد رفع العقوبات.
وهذا التحول قد يفتح الباب أمام تقنيات وتمويل وخبرات مختلفة، لكنه يضع البلاد أيضاً في شبكة مصالح جديدة تحتاج إلى إدارة حذرة حتى لا تستبدل تبعية بأخرى.
وفي الخلاصة، لا يمكن الجزم اليوم بأن إلغاء مصفاة حمص قرار صائب بالكامل أو خاطئ بالكامل؛ الأمر يتوقف على ما إذا كانت المصفاة الجديدة سترى النور فعلاً ضمن إطار شفاف ومستقر، وعلى قدرة الدولة على تحويل وعود إعادة الإعمار في قطاع الطاقة إلى مشاريع مكتملة تعيد الكهرباء والوقود إلى حياة الناس بأسعار مقبولة.
اقرأ أيضاً: النفط السوري: إنتاج يرتفع وأسعار تتراجع… ماذا يحدث؟