بقلم: ريم ريّا
لم تعد الأزمة الصحية في حلفايا مشكلة مؤقتة يمكن التغلب عليها بسهولة، بل أصبحت واقعاً يومياً يؤثر على حياة السكان، نظراً لنقص الخدمات الطبية الأساسية وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية خارج المدينة. ورغم أن حلفايا لطالما اشتهرت بصناعاتها المحلية، ولا سيما “شاحنة حلفايا” التي كانت نموذجاً للاكتفاء الذاتي في بيئة محدودة الموارد، إلا أن المفارقة باتت أكثر وضوحاً اليوم. فالمدينة تواجه تدهوراً حاداً في الخدمات، مما يزيد من معاناة سكانها ويطرح تساؤلات حول أولويات إعادة التأهيل والتنمية.
حلفايا.. صناعة شعبية وهوية إنتاجية مهددة
تشتهر مدينة حلفايا، في محافظة حماة، بواحدة من أبرز صناعاتها المحلية “شاحنة حلفايا”. هذه المركبة الزراعية الخفيفة، التي طُوّرت في ورش بسيطة بموارد محدودة، أصبحت مورداً حيوياً للعديد من المزارعين. تصنع هذه الشاحنة من قطع غيار معاد تدويرها، وغالباً ما تُزود بمحركات كورية أو يابانية، مما وفّر حلاً اقتصادياً فعالاً رغم ارتفاع أسعار السيارات والرسوم الجمركية.
على الرغم من بساطة تصميمها، لعبت شاحنة حلفايا دوراً محورياً في دعم القطاع الزراعي، وخفض تكاليف النقل، وتعزيز استمرارية الأنشطة الريفية. مع ذلك، لم يواكب هذا الإرث الصناعي المحلي تطور مماثل في البنية التحتية. تعاني المدينة حالياً من نقص حاد في الخدمات الأساسية، لا سيما الرعاية الصحية، وشهدت تراجعاً في الحرف والصناعات التقليدية التي كانت تشكل هويتها الاقتصادية.
اقرأ أيضاً: مستشفى السقيلبية الوطني بين التحديات القائمة وضغط المراجعين
أسباب تراجع الخدمات الصحية في حلفايا
يعود تدهور الخدمات الصحية في حلفايا إلى عدة عوامل مترابطة، منها تدمير البنية التحتية خلال الحرب، ما جعل المرافق الطبية، ولا سيما المستشفى، غير صالحة للاستخدام. وقد زاد عودة السكان التدريجية، دون استكمال إعادة بناء الخدمات، من الضغط على النظام الصحي. إضافةً إلى ذلك، فاقم نقص الاستثمار في القطاع الصحي المحلي، ونقص الكوادر الطبية والمعدات، من حدة الأزمة. كذلك، يعكس الاعتماد على المراكز الطبية خارج المدينة، سواء في حماة أو محردة، خللاً في توزيع الخدمات الصحية، ويزيد من العبء المالي والزمني على السكان.
يعتبر إغلاق مستشفى حلفايا أحد أبرز مؤشرات تدهور نظام الرعاية الصحية في المدينة، الذي لا يزال يعاني من خلل وظيفي في انتظار استكمال أعمال التجديد. وقد أجبر هذا الوضع السكان على البحث عن بدائل خارج المستشفى، غالباً بتكلفة باهظة أو في مناطق نائية، مما يؤثر سلباً على حياة المرضى، لا سيما في حالات الطوارئ.
وبحسب روايات محلية، يضطر السكان إلى السفر لمدة تصل إلى 40 دقيقة للوصول إلى مستشفى حماة، بينما يلجأ البعض إلى مستشفيات خاصة في محردة، حيث قد تصل تكلفة الليلة الواحدة إلى حوالي 100 دولار أمريكي ما يعادل قرابة مليون ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم السكان. ويؤكد السكان أن الوقت عامل حاسم، إذ سجلت وفيات نتيجة التأخير في الحصول على الرعاية الطبية، خاصة في حالات السكتة الدماغية والنزيف.
يعيش سكان حلفايا واقعاً معقداً، حيث يعتمد حصولهم على العلاج بشكل أساسي على وضعهم المالي. تحال الحالات الطارئة عادةً إلى أقرب مركز طبي، بينما تتأخر الحالات الأخرى أو تعالج بأساليب أقل فعالية. لا يؤثر هذا الوضع على الصحة فحسب، بل على الاستقرار الاجتماعي أيضاً. فنقص الخدمات يمنع السكان من العودة إلى قريتهم، ويزيد من اعتمادهم على البلدات المجاورة، مما يرهق مرافقها الصحية.
إجراءات إعادة التأهيل.. وعود قيد التنفيذ
بدأت السلطات المختصة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أعمال إعادة إعمار مستشفى حلفايا. وتشمل هذه الأعمال إزالة الأنقاض وتجهيز الموقع، وذلك ضمن خطة لإعادة افتتاح المستشفى وتحديث مرافقه. يتضمن المشروع تجديد المبنى القائم، وإنشاء أقسام جديدة، مثل قسم قسطرة القلب وقسم الأشعة، وزيادة الطاقة الاستيعابية إلى 30 سريراً، وتوفير سكن للطاقم الطبي.
تشير التصريحات الرسمية إلى عدم وجود أي عوائق مالية، وأن هناك خطة موضوعة لضمان توظيف الكوادر الطبية فور اكتمال المشروع. وتؤكد مصادر رسمية أن إعادة إعمار المستشفى سيخفف العبء الاقتصادي عن السكان، وسيحسن الخدمات الصحية في المنطقة، ويسهل عودة السكان. ومع ذلك، يبدي السكان بعض الحذر، إذ يربطون أي تحسن في الأوضاع الصحية بسرعة تنفيذ المشروع وبدء تشغيله. ويعتبر السكان المستشفى ليس مجرد مرفق رعاية صحية، بل عنصراً أساسياً لاستقرار المدينة. ويعتقدون أن أي تأخير في تشغيله سيزيد من معاناتهم اليومية، لا سيما في ظل غياب بدائل ميسورة التكلفة.