بقلم هلا يوسف
تشهد الأسواق السورية اليوم حالة من الفوضى الاقتصادية وعدم الاستقرار، وسط أنباء متكررة عن تغيير محتمل للعملة السورية واعتماد سياسة حذف الأصفار، التي وصفها مدير مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية بأنها الحل الأمثل لمواجهة التضخم المتفاقم. غير أن تقريراً حديثاً للمصرف المؤسسي جاء ليطرح تساؤلات حول المخاطر المحتملة لهذه السياسة، مما أثار الشكوك حول فعاليتها وزاد حالة الغموض في السوق. في هذا المقال، نسلط الضوء على المخاطر التي قد تنجم عن فشل سياسة حذف الأصفار وآثارها المحتملة على الاقتصاد السوري.
حذر المصرف المركزي في تقريره الصادر بتاريخ 30 تشرين الأول 2025 من أن أي خطوة نقدية منفردة دون وجود إصلاحات اقتصادية شاملة قد تحمل مخاطر كبيرة. وأوضح التقرير أن إصدار فئات نقدية أعلى أو حذف الأصفار قد يسهم في تسهيل المعاملات اليومية وتحسين كفاءة المدفوعات، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى تضخم متسارع إذا لم يكن مصحوبًا بإصلاحات هيكلية حقيقية.
مع التصريحات السابقة، بدأ التخبط في السوق السورية نتيجة تضارب ما يتم الإعلان عنه رسمياً والذي يدل على اقتراب موعد التنفيذ ضمن خطط مدروسة، وما يتم نشره من تقارير وتحليلات تنم عن وجود مخاطر محتملة. وشمل هذا التخبط المستثمرين والمواطنين، مما يدل على غياب التنسيق بين الجهات المعنية.
وبدأت تظهر آثار هذه المعلومات المتضاربة في قطاع الأعمال الذي يجد صعوبة في التخطيط المالي والتنبؤ بأسعار الصرف نتيجة هذا الخطاب النقدي غير المتناسق، إذ أشار تقرير المصرف المركزي إلى أن “غياب انسجام السياسة النقدية يزيد صعوبة التنبؤ بأسعار الصرف ويضعف قدرة الشركات على التخطيط المالي طويل الأجل”.
أما في القطاع المالي فقد لجأت البنوك ومؤسسات التحويل إلى إدارة السيولة والتحوط ضد انخفاض قيمة الليرة في ظل فجوة واضحة بين الواقع الاقتصادي والتحليل النقدي الرسمي، ما يزيد من تعقيد المشهد المالي ويضع استقرار السوق تحت ضغط مستمر. هذا ما أعاد فتح باب التساؤلات عن جدوى حذف الأصفار ومخاطرها.
حذف الأصفار من العملة السورية ما بين المخاطر والجدوى
تباينت آراء الخبراء الاقتصاديين حول خطوة حذف الأصفار من العملة السورية، بين من ينتقدها ويعتبرها غير فعالة، ومن يرى فيها فرصة لتحسين أداء النظام النقدي.
يؤكد الخبير المصرفي السوري إبراهيم قوشجي أن حذف الأصفار لا يغير القيمة الحقيقية للعملة، لكنه يوفر مزايا عملية، مثل تبسيط العمليات الحسابية اليومية، وتحسين المحاسبة الحكومية والخاصة، وتسهيل عمليات التسعير والفوترة، مع تقليل الأخطاء في الأنظمة المالية والمصرفية.
في حين يعتبر الباحث والمحلل الأول في شركة كرم شعار للاستشارات بنجامين فيف، أن إزالة الأصفار وحدها لا تحقق الكثير من المزايا، إلا في حال ارتباطها بحزمة من الإصلاحات الاقتصادية الواسعة، لتشمل السياسات المالية والنقدية حتى تحقق تأثير ملموس.
بينما يرى أستاذ دراسات الشرق الأوسط في كلية سميث بولاية ماساتشوستس، ستيفن هايدمان، أن حذف صفرين سيعزز بشكل كبير من فعالية العملة السورية. ويشير هايدمان، المتخصص في الاقتصاد السياسي للمنطقة، إلى أن اعتماد الاقتصاد السوري الكامل على النقد نتيجة سنوات العزلة عن الأنظمة المصرفية الدولية يجعل معظم المعاملات نقدية، ما يضطر المواطنين للتعامل بكميات ضخمة من الأوراق النقدية، حتى في المشتريات الصغيرة، بينما تصبح المعاملات الكبيرة شبه مستحيلة، بما في ذلك إصدار القروض التي قد تدعم جهود إعادة الإعمار الاقتصادي.
وبما أن “أهل مكة ادرى بشعابها” يرى عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، علي كنعان أن فكرة حذف صفرين من العملة تتطلب وجود احتياطي يقارب 20 مليار دولار لتغطية احتياجات البلاد بعد تنفيذ الخطوة، أي لضمان تمويل الاستيراد لمدة تصل إلى 27 شهراً دون الحاجة لأي دولار إضافي. ويتساءل كنعان: هل تملك سوريا فعلاً هذا الاحتياطي؟ ويؤكد أنه في حال توفر هذه المبالغ يمكن للإصلاح النقدي أن ينجح، أما من دونها فستفشل العملية وتعود البلاد إلى موجة تضخم جديدة وانهيار في الأسعار.
يرى قوشجي أن حذف الأصفار قد يكون أداة مساندة لتقليل التضخم، شرط أن يكون جزءًا من حزمة إصلاحات أوسع تشمل ضبط المالية العامة ومعالجة أسباب التضخم البنيوية، مثل ضعف الإنتاج، اختلال الميزان التجاري، وعجز الموازنة. واستشهد بقصة نجاح تركيا في عام 2005، حيث نجحت خطوة حذف الأصفار بفضل الإصلاحات الاقتصادية الشاملة والانضباط المالي الصارم، بينما فشلت تجارب مثل زيمبابوي وفنزويلا لأن الإجراءات لم تعالج جذور الأزمة أو ضبط الكتلة النقدية.
طريقة للكشف عن الأموال المتداولة خارج النظام المالي الرسمي
تسعى خطة تبديل العملة وحذف الأصفار في سوريا إلى أكثر من مجرد تبسيط التعاملات النقدية حيث تشير مصادر لرويترز من داخل المصرف المركزي إلى أن أحد أهدافها هو الكشف عن الأموال المتداولة خارج النظام المالي الرسمي، والتي تقدر بحوالي 40 تريليون ليرة سورية، وإعادة دمجها ضمن الرقابة الحكومية.
وفي هذا الخصوص، يشير أستاذ السياسات النقدية أكرم حوراني، إلى أن حجم العرض النقدي في سوريا يقدر بين 70 و100 تريليون ليرة، منها نحو 20 تريليون مودعة في المصارف، بينما يحتفظ الناس بما يقارب 20 إلى 30 تريليون ليرة. ويعني ذلك وجود أكثر من 40 تريليون ليرة مفقودة من التداول، ويرجح أنها موجودة خارج البلاد أو لدى جهات مختلفة مثل العراق أو “حزب الله” أو “قسد” أو لدى شبكات الفساد. ويرى حوراني أن حذف الأصفار قد يكون وسيلة لتقليص الكتلة النقدية، لكنه ينتقد المركزي لاتخاذ القرار دون التشاور مع مختصين.
بينما يشير الخبير المصرفي إبراهيم قوشجي أن الخطر الأكبر يكمن في إمكانية إعادة تهريب هذه الأموال إذا لم تُحكم الرقابة على الحوالات والحدود، ما يستدعي من المصرف المركزي استغلال الفرصة لضبط السيولة بشكل فعال.
أما بنجامين فيف يلفت النظر إلى أن العديد من المواطنين قد يمتلكون أموال مدخرة بشكل قانوني لكن دون وثائق تثبت مصدرها، نظراً لانتشار العمل غير الرسمي في سوريا.
من جهته، يؤكد حاكم المصرف أن عملية استبدال العملة لا تعني إصدار أموال جديدة، بل تهدف لضبط الكتلة النقدية والحفاظ على استقرار السوق، مع تخصيص كميات مطبوعة مدروسة بدقة، وفق ما أوضحه الحصرية. كما سيجرى الاستبدال على مراحل: المرحلة الأولى تداول العملة الجديدة تدريجياً إلى جانب الفئات الحالية، دون سحب أي أوراق نقدية، ثم المرحلة الثانية بدء الاستبدال، وصولاً إلى المرحلة الثالثة التي يصبح فيها الاستبدال حصرياً عبر مصرف سورية المركزي.
ويتوقع هايدمان أن تواجه البنوك صعوبة في إدارة العملية، إلا في حال طول فترة الاستبدال التي ستتيح لجميع حاملي الأوراق القديمة فرصة الحصول على الجديدة. في حين عارض هذه الفكرة قوشجي الذي نصح بأن تكون الاستبدال محدودة زمنياً ومحصورة في الحسابات المصرفية، مع إخضاع العملية لرقابة صارمة من هيئة مكافحة غسل الأموال، مع ضرورة عدم فرض رسوم على الاستبدال.
ما المطلوب إذن؟
يرى عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، علي كنعان، أن استقرار الليرة لا يمكن تحقيقه ما لم يترافق مع استقرار في القطاع المصرفي والمالي والصناعي والتجاري. ويوضح أن الظروف الحالية غير مستقرة تماماً.
ويقترح كنعان أن يتم تغيير العملة بطريقة مختلفة، عبر إصدار فئات أكبر مثل 10 آلاف و25 ألفاً و50 ألفاً وحتى 100 ألف ليرة، معتبراً أن ذلك يمنح المصرف المركزي قدرة أكبر على ضبط الكتلة النقدية. ويرى أن إصدار فئات أصغر لن يساعد على تحسين الوضع، مطالباً “المركزي” بتوضيح أسباب إصراره على حذف الأصفار. كما نفى أن يكون هذا التوجه توصية من البنك الدولي، لافتاً إلى أن البنك الدولي كان سيشترط وجود احتياطي يكفي لتمويل الاستيراد لأكثر من سنتين، وهو ما يستبعد كنعان توفره لدى المركزي.
وفي السياق ذاته يوضح أستاذ الاقتصاد الصناعي، غسان إبراهيم، أن أي إصلاح ضريبي أو نقدي أو استثماري لن ينجح ما لم تكن هناك عملية إنتاج حقيقية وفائض اقتصادي. ويؤكد أن حذف الأصفار لن يعالج شيئاً إذا لم يتم تفعيل عجلة العمل في كل القطاعات، الزراعية والصناعية. ويشدد على ضرورة تحويل الاقتصاد غير الرسمي إلى اقتصاد منظم، وزيادة الإنتاج داخل البلاد، فحينها فقط يمكن التفكير بجدية في خطوات كبيرة مثل تغيير العملة.
اقرأ أيضاً: تبديل العملة في سوريا: هل يغفل وزير الاقتصاد الفرق بين مهلتي السحب والتبديل؟!