اخبار مصر

سوريا من جديد في حسابات الناتو… يبحث الأطلسي عن مقعده في البلاد

سوريا من جديد في حسابات الناتو… يبحث الأطلسي عن مقعده في البلاد

بقلم: ريم ريا

التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط تعيد رسم ملامح المنطقة ككل، بعد سنوات من الصراع لا تزال سوريا عصب هذه البقعة ومحركها.. كحجر الدومينو إن سَقطت تسقط معها المنطقة برمتها وإن ازدهرت عمّ الأمن على الجوار، فالمكسب بالشرق الأوسط مع من تكون سوريا حليفته أو تحت نفوذه.

بعد أن أُقصي النفوذ الإيراني وميليشياته، وقلّص النفوذ الروسي.. من يطل الآن على الساحة السورية؟

هذه التحولات فتحت الباب لإعادة تقييم غربية لمكانة سوريا الاستراتيجية وزاويتها من التوازنات الإقليمية الراسمة للتوازنات الدولية. كانت هذه فرصة الناتو ليطل برأسه لكن هذه المرّة ملوحاً بدور الفاعل في الساحة السورية لا المراقب لها، ساعياً لتعزيز نفوذه بشرق المتوسط من بوابة سوريا، موقعها الجغرافي يمنحها تأثير بالغ في موازين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، فلماذا يسعى الناتو لتكون سوريا ورقته الرابحة؟

في مقالنا هذا سنعيد قراءة بحث منشور في المجلة المحكّمة: “مجلة الدراسات الاستراتيجية والعسكرية” حول أهمية سوريا الاستراتيجية المتجددة في عيون الناتو، ونعرض أبرز ما جاء فيه، مع الاحتفاظ بالمسافة بيننا وبينه في التحليل.

سوريا من جديد على طاولة الناتو… أهمية متجددة لم تغب.. قراءة الحلف لتحولات المشهد السوري

بعد سقوط النظام السوري وتهاوي نفوذ وتحجيم آخر، وليس أيّ آخر إنه الروسي خصم الناتو، كيف يعيد الحلف قراءة موقع سوريا، لاسيما أن شرق المتوسط هو نقطة أمان العمق الأوروبي؟

ينظر الناتو لسوريا الآن كأصل استراتيجي له أهميته الجغرافية ومنصة لتعزيز حضوره في شرق المتوسط كما في اليونان وتركيا، فسوريا على مفترق طرق أوروبا وآسيا والشرق الأوسط ما يعني أنها نقطة حيوية للأمن الإقليمي والأورو- أطلسي، ففرصة إقامة حليف مستقر ومؤيد للغرب في هذه المنطقة الحرجة فرصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط والتوازن الاستراتيجي فيه، فسوريا هي الفتيل إن اشتعلت اشتعل معها الشرق، وإن ضُمنت كانت نقطة الارتكاز لإعادة التشكيل.

سوريا بموقعها معقل للقوى المنافسة، فالشراكة المباشرة بين سوريا والناتو مفتاح الحل لأزمة اللاجئين التي أرقت الغرب ومفتاح الخلاص من الإرهاب الذي يهدد أوروبا من شرق المتوسط.

فعودة اللاجئين السوريين الذين أثقلوا كاهل الحكومات الأوروبية والدولة التركية حليفة الناتو سيكون الهدف الاستراتيجي الأول الذي يعمل عليه الأطلسي في ظل سعيه لاستماله الدولة السورية كحليف له، فهذا العبء الإنساني لم تعد أوروبا قادرة على تحمله، فسقوط النظام هو الفرصة الآن لتطبيع العلاقات وإرساء استراتيجية استقرار من تفصيل الناتو.

أميركا كحليف للناتو تبقي ما يقارب 900 جندي أميركي في سوريا لمواجهة خطر تنظيم الدولة الذي عاد للواجهة السورية من جديد، وهذا ما تخشاه دول أوروبا فشواطئ شرق المتوسط إن استولى عليها المتطرفون فلتستعد أوروبا للجحيم.. لا يريد الحلف تكرار الهجمات الإرهابية السابقة في مدريد ولندن وغيرها من مدن أوروبا، فترك سوريا كثغرة لتمدد المتطرفين يعني وصولهم لأوروبا عبر الشواطئ، ومكافحتهم  ضرورة أساسية أمنية للناتو.

أما عن الاستفادة من تراجع النفوذ الروسي في المتوسط، فهذه فرصة الناتو لإضعاف روسيا، وما يعني ساحة مواجهة أخرى روسية أطلسية من أوكرانيا إلى سوريا.

إنهاء الوجود الروسي على شرق المتوسط حلم أطلسي لأن وجود روسيا في المياه الدافئة للمتوسط خطر لا يقل عن خطر المتطرفين، فكلاهما تهديد للأمن الإقليمي الأورو-أطلسي، فالوجود الروسي على المتوسط بوابه له للأسواق الجديدة ما يعني تهديداً للسياسة التقليدية للأطلسي تجاه الشرق  الأوسط، فمع إلغاء اتفاقية طرطوس بين روسيا والدولة السورية يتوقع محللون غربيون أن يسعى الاتحاد الأوروبي عبر لناتو لانتشار عسكري غربي يحل محل الروسي، لكن العثرة تبقى قاعدة حميميم الجوية التابعة للروس فبها تضمن روسيا بقاء طويل الأمد، كما أنها لاعب سياسي بارد يملك أوراق عديدة إلى جنب الدبلوماسية الروسية هناك علاقات جيدة مع تركيا التي لا تستطيع الاستغناء عن روسيا على الأقل في ظل التحركات الراهنة في المنطقة.

بتوصيف الخطر الروسي بهذا الشكل يسعى الناتو لإزاحة هذه القوة المنافسة وليس فقط لملء الفراغ في الساحة السورية، فتقديم شراكة أمنية متفوقة على ما تقدمة روسيا وشاملة أكثر منها للدولة السورية من قبل الناتو يعني تقويض قدرة روسيا على بسط نفوذها من جناحها الجنوبي، فكيف سيتعامل الناتو مع النفوذ الروسي الفّعال رغم تقلّصه، هل سنشهد مواجهة عسكرية؟ أم سيناريو على غرار أوكرانيا مدّ بالأسلحة والدعم فقط مع التلويح بالمواجهات.

أكثر ما يسعد الأطلسي التقارب السوري – الإسرائيلي بهدف خفض التصعيد بالمنطقة، فلهذا القرب حساسية كبيرة في الحسابات الدولية للأطراف اللاعبة، فاستعداد الحكومة السورية للدخول في حوار غير مباشر مع إسرائيل يقدم فرصة مهمة للناتو للعمل كجهة ميسرة لخفض التصعيد الإقليمي، وتحويل المنطقة إلى منطقة متعاونة مع الحلف ما يخدم مصالح الناتو بشكل مباشر.. فيرسى الاستقرار في الشرق الأوسط بشكل أوسع ما يقلل من خطر امتداد الصراعات الإقليمية إلى المنطقة الأورو-أطلسية.

اقرأ أيضاً: سوريا الجديدة: معضلة السلاح والمقاتلين – من يحكم البنادق بعد الحرب؟

نظرة سوريا الجديدة إلى الناتو… ومعضلة الأطلسي بين عواصم القرار (واشنطن، موسكو، أنقرة)

تنظر السلطات الجديدة في سوريا للناتو بعين الوسيلة لاكتساب الشرعية الدولية والاعتراف بها، خاصة بعد سقوط النظام واصطفاف الأسد بالركب الروسي ضد الغرب والأطلسي، لطالما كان هناك مناوشات غربية – سورية في عهد الأسدين.

فبعد سنوات من العزلة والصراع تسعى السلطات الحالية لإعادة دمجها بالمجتمع الدولي، ودعم أمني ولوجستي من طرف كالناتو سيمنحها المصداقية الدولية التي تنشد إليها، إلى جانب الحاجة للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار المتطلب لاستثمارات هائلة ومساعدات خارجية يمكن للناتو تسهيلها وإعادة إحياء الاقتصاد السوري.

كذلك سوريا بعد تدمير مقدراتها العسكرية من قبل الكيان، تحتاج لسوق سلاح بديل عن سوق السلاح السوفييتي، لضرورات أمنية ودفاعية، فربما تسعى لأن تجد ضالتها في الناتو.. فرغم الترحيب الأمريكي بالتغيير في سوريا إلاّ أن هناك هواجس بشأن عودة تنظيم الدولة وترقب لتعامل السلطات الحالية مع ظهوره.

فالشراكة مع الناتو بنظر سوريا الجديدة هي خيارات مدفوعة باحتياجات وجودية ربما تتجاوز المساعدات العسكرية، ففتح قنوات التمويل عبر الأطلسي يوازي العمل الأمني الموسع معه ويعطي غطاء شرعي وجودي للسلطات الجديدة في سوريا من قبل المجتمع الدولي، إلى جانب دعم جهود إعادة الإعمار الشاملة للنهوض بالبلاد. في ظل بيئة إقليمية معقدة ومهتزة حالياً وكسلطة جديدة خارجة من تجربة دولة مصغرة “كإدلب” لدولة شاملة تحتاج للوقوف بجانبها عبر استراتيجية تضمن فيها بقاء الدولة السورية بشكلها الحالي… وخطوة السلطات السورية نحو الناتو بعد سنين من الهجران تعتبر تحولاً كبيراً في السياسة الخارجية لسوريا.

كيف سيوازن الناتو بين المصالح الأمريكية والتركية والروسية المتباينة أحياناً والمتقاربة في أحيان اخرى؟

مع أمريكا عليه الإبقاء على قنوات التنسيق العسكري المدني بشأن عمليات مكافحة داعش وبقاياها، ومن ثم الانتقال لبناء قدرات سورية مدعومة من قبله بشكل مباشر وتقديم خدمات لوجستية وسيبرانية لها مع تعليمها أساليب الدفاع، على غرار النموذج الأميركي مع قسد.

مع تركيا التعامل أسهل كونه خفف في السابق من هواجسها الأمنية عبر تقديم بطاريات باتريوت لها أثناء الأزمة في سوريا، فيمكن له التعاون مع تركيا في سوريا عبر ترتيبات أمنية محلية وتوحيد الإشراف.

لكن الوضع متأزم مع روسيا، ففض الكباش العسكري بينهما يجب أن يبدأ من ساحة أوكرانيا، وأفضل صيغة للتفاهم الروسي – الأطلسي هو تطبيق القرار 2254.

يسعى الأطلسي ليكون لاعب أساسي في الملف السوري عبر اعتماده على محاور عدة (دفاع وأمن سيبراني، إعادة إعمار)،  إذ يهدف الناتو بتوجهه نحو الشأن السوري لتنفيذ برامج قوية لبناء القدرات العسكرية والأمنية والاستخباراتية والسيبرانية في سوريا عبر الاستفادة من طرقه المجربة في السابق في كل من العراق واسطنبول، مع إمكانية النظر في بعثة تدريب مخصصة.

مع التركيز على الإصلاح المؤسسي في سوريا لاسيما الأمني منه، وأن يراعي حقوق الإنسان والتوجس الذي تعاني منه الأقليات في الداخل السوري، والورقة الأبرز تكمن في دعم إعادة الإعمار في سوريا وبناء الاقتصاد ما يضمن عودة اللاجئين ودوام الاستقرار لأمد طويل، إلى جانب عمل الحلف على الاندماج المحلي أي خلق نهج مرحلي لدمج سوريا في البنية الأمنية الإقليمية لينشأ عن ذلك “ناتو شرق أوسطي” بشكل موسع.

اقرأ أيضاً: هل مطامح تركيا هي ذاتها مطامع إسرائيل في سوريا؟

فرصة الأطلسي الآن في سوريا لإعادة التموضع في شرق المتوسط مع تموضعه في كل من تركيا واليونان، مع إبقاء حذره قائماً حيال أيّ تحرك روسي، فتقليص النفوذ لا يعني تقليص كل القوة فروسيا ما زالت لاعب دولي في الساحة السورية ونقطة ارتكاز تلجأ إليها الأطراف لنسج التفاهمات.. الدور الروسي الآن دور مستكين وكامن لكن لا يعني أنه لا يستطيع الحراك فعلى الناتو تجنب الانزلاق لمواجهة عسكرية مع روسيا في شرق المتوسط.

كانت هذه قراءة لأبرز النقاط التي تضمنها البحث موضوع العرض.. وفي حين يبقى المشهد السوري مفتوح على احتمالات عديدة، فقد خلق تراجع النفوذ الإيراني وتقلّص الروسي فراغاً جيوسياسياً يجعل اللاعبين الدوليين لاهثين في التسابق لسده فلا يمكنه أن يبقى خالياً طويلاً.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.