اخبار مصر

صراع تركي – فرنسي على سوريا: حقيقة أم مبالغة؟

صراع تركي – فرنسي على سوريا: حقيقة أم مبالغة؟

الكاتب: أحمد علي

مثّل سقوط سلطة بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024 حدثاً مفصلياً أنهى حكماً استمر نحو ستة عقود من عائلة الأسد، وقلب موازين النفوذ، خصوصاً مع تراجع دور حلفاء النظام، والذي لا يمكن الحقيقة البت فيه بصورة حاسمة حتى اللحظة. لكن على أية حال، نهاية الحرب لم تحمل سلاماً كاملاً لسوريا، بل كشفت عن مشهد جديد تتصارع فيه قوى إقليمية ودولية على ملء الفراغ. ومن هذه القوى تركيا وفرنسا اللتان برزتا كفاعلين خارجيين في مرحلة ما بعد الأسد. فهل نشهد بالفعل صراعاً تركياً فرنسياً في البلد الذي أنهكته الحرب؟ وما حقيقة التنافس أو الصراع التركي الفرنسي على النفوذ في سوريا؟

الصراع التركي الفرنسي في سوريا بين الواقع والمصالح

مع سقوط نظام الأسد، بدت سوريا ساحة لتقاطع مصالح دول عديدة، منها تركيا وفرنسا وتصادمهما في آن واحد. فمن ناحية، رحبت كل من أنقرة وباريس بنهاية حكم الأسد، لكن لكل منهما رؤيته الخاصة لمستقبل سوريا. لعبت تركيا دوراً حاسماً في دعم قوات المعارضة التي أسقطت النظام، إذ جاء انهيار الأسد بـ «أيدي مدعومة جزئياً من تركيا».

في المقابل، عبّرت فرنسا صراحة عن ابتهاجها بسقوط ما وصفه الرئيس إيمانويل ماكرون بـ«النظام الهمجي»، معتبرةً ذلك انتصاراً للشعب السوري ونهاية لعهد القمع. غير أن هذا الموقف الفرنسي الإيجابي تخللته مخاوف خفية من طبيعة القوى المنتصرة على الأرض. فالمعارضة التي قادت الهجوم تحمل طابعاً إسلامياً، مما يعني أن على الدول الغربية الآن أن تتعامل مع إسلاميين منتصرين في دمشق. هنا بدأت ملامح التباين بين أنقرة وباريس تظهر جلياً، حيث ترى تركيا في هؤلاء المنتصرين حلفاء وثمرة لدعمها المطوّل للمعارضة، فيما تنظر إليهم فرنسا بحذر وقلق.

تاريخياً، لم تكن العلاقات التركية الفرنسية حول سوريا على وئام تام. ففرنسا التي حملت إرث الانتداب على سوريا بعد الحرب العالمية الأولى تتمسك بدور سياسي وثقافي هناك، في حين ترى تركيا سوريا عمقاً استراتيجياً لأمنها القومي ومجالاً حيوياً لنفوذها الإقليمي. ومع أن البلدين عضوان في حلف الناتو، إلا أن خلافاتهما برزت في ملفات عدة خلال السنوات الماضية من ليبيا وشرق المتوسط إلى العلاقة مع القوى الكردية. وبعد سقوط الأسد، انتقل هذا التنافس إلى الساحة السورية بشكل أكثر وضوحاً، ليطرح تساؤلات حول طبيعة الصراع التركي الفرنسي في سوريا: هل هو صراع نفوذ صريح أم مجرد تباين في الأولويات يمكن احتواؤه؟

تركيا بعد الأسد: طموح النفوذ وهواجس الأمن

مع طي صفحة الأسد، وجدت تركيا نفسها أمام فرصة تاريخية لتعزيز حضورها في سوريا وتأمين حدودها. فمنذ بداية الصراع السوري، دعمت أنقرة فصائل المعارضة المسلحة سياسياً ولوجستياً، واحتضنت ملايين اللاجئين السوريين. وبعد سقوط سلطة دمشق، بدت تركيا الرابح الإقليمي الأكبر؛ إذ تراجع نفوذ خصميها إيران وروسيا، وبات المجال مفتوحاً أمام عودة ملايين اللاجئين السوريين من تركيا إلى بلادهم.

لم تخفِ أنقرة ابتهاجها بما اعتبرته انتصاراً تركياً أيضاً. فقد سارع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الإعلان عن “واقع جديد في سوريا” مؤكداً أن الشعب السوري بات صاحب القرار في تقرير مستقبله، وداعياً إلى استعادة السلام ووحدة الأراضي السورية. بالنسبة لأنقرة، كان هذا الخطاب يعني أمرين: الأول تثبيت مكاسبها ونفوذها عبر حلفائها السوريين الذين وصلوا إلى الحكم في دمشق، والثاني توجيه الأنظار إلى المسألة الكردية التي تعدها تركيا التهديد الأكبر لأمنها القومي.

بالفعل، بعد أسابيع قليلة من الانتصار، بدأت أنقرة بالضغط عسكرياً وسياسياً فيما يتعلق بوحدات حماية الشعب الكردية (YPG) العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد). فهذه القوات التي دعمتها واشنطن والتحالف الدولي ضد “داعش”، تصنّفها تركيا تنظيماً إرهابياً وامتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي خاض تمرداً طويلاً ضد الدولة التركية. لذا رفعت أنقرة نبرة التهديد بوضوح؛ إذ لوّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في 7 كانون الثاني 2025 باللجوء إلى عمل عسكري مباشر ضد المقاتلين الأكراد في شمال سوريا ما لم يقبلوا شروط أنقرة للانتقال السياسي “السلمي” بعد الأسد. أعلن فيدان صراحة: “سنفعل ما يلزم” إذا لم ترضخ قوات قسد لمطالب تركيا، موضحاً أن الخيار العسكري وارد على الطاولة.

وتمثلت هذه المطالب التركية أساساً في اندماج قوات قسد ضمن الجيش السوري الجديد بشروط أنقرة، وخروج كافة المقاتلين الأجانب من صفوفها (خاصة أولئك القادمين من تركيا والعراق وإيران) على الفور. وبالفعل، نقلت تركيا إنذارها إلى القيادة الكردية عبر الأمريكيين مطالبةً بخطوات عاجلة لإزالة ما تعتبره تهديداً لأمنها. كما لم تتردد أنقرة في التلميح لقدرتها على تولي مسؤولية معتقلات وسجون مقاتلي تنظيم داعش في مناطق قسد إذا عجزت السلطات السورية الجديدة عن ذلك، ما يعني استعدادها لبسط نفوذها الأمني في تلك المناطق الحساسة.

إلى جانب لغة التهديد، عززت تركيا حضورها الميداني. فوفق تقارير إقليمية، نشرت أنقرة أكثر من 10 آلاف جندي في مناطق الشمال السوري، وتابعت دعم فصائل “الجيش الوطني السوري” الحليفة لها. وحرص المسؤولون الأتراك على زيارة دمشق الجديدة للتنسيق وضمان مراعاة مصالح تركيا. ففي آب 2025 الجاري، قام الوزير هاكان فيدان نفسه بزيارة مفاجئة إلى دمشق ليضغط باتجاه إلغاء اجتماع كان مزمعاً عقده في باريس بين القيادة السورية الانتقالية والقادة الأكراد.

هذا التحرّك التركي أتى من منطلق رفض أنقرة الشديد لأي دور أوروبي – وخاصة فرنسي – في رسم مستقبل الترتيبات الخاصة بمناطق الأكراد. فتركيا تخشى أن يُستغلّ مؤتمر تستضيفه باريس لتعزيز المطالب الكردية وترسيخ مكاسب الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي. لذلك اعترضت أنقرة بقوة على مكان عقد المحادثات في فرنسا، مقترحة نقلها إلى أرض أكثر “حيادية” كالعاصمة الأردنية عمان. وبالفعل، ألغت دمشق مسار باريس التفاوضي، لتنحصر الاجتماعات اللاحقة بينها وبين قسد داخل سوريا برعاية بعيدة عن النفوذ الفرنسي، وتتحدث بعض المصادر أن الرعاية ستكون روسية – تركية.

هكذا يتضح أن تركيا وظفت نجاح الثورة السورية لضمان أمرين رئيسيين: توسيع نفوذها عبر حلفائها الذين استلموا الحكم في دمشق الآن، وتقويض النفوذ الكردي ومنع أي كيان ذاتي قد تراه نواة لـ “دويلة” تهدد أمنها. وهي في سعيها لتحقيق الهدف الثاني بالذات، اصطدمت – بشكل غير مباشر – مع فرنسا التي تنظر بعين مختلفة تماماً إلى الدور الكردي في سوريا الجديدة.

فرنسا تعود إلى المشهد: مكافحة الإرهاب ودعم الأكراد

أما فرنسا، التي كانت من أوائل الدول الغربية التي قطعت علاقتها بنظام الأسد منذ اندلاع الثورة، فقد رأت في سقوط النظام السوري فرصة وامتحاناً في آن معاً. فمن جهة، وجدتها باريس فرصة لإثبات صحة مواقفها المناهضة للأسد ولتأكيد حضورها الدولي عبر المساهمة في إعادة بناء سوريا سياسياً واقتصادياً. ومن جهة أخرى، أدركت أن وصول قوى إسلامية إلى سدة الحكم في دمشق يطرح تحديات أمنية جمة لا يمكن التغاضي عنها من وجهة نظرها. لذا انتهجت فرنسا مقاربة مزدوجة تجمع بين دعم العملية الانتقالية من ناحية، والتحذير من مخاطر التطرف وضرورة حماية حلفائها الأكراد من ناحية أخرى.

منذ الأيام الأولى لما بعد الأسد، انخرطت باريس بقوة على الصعيد الدبلوماسي. بادر الرئيس إيمانويل ماكرون إلى التواصل مع القيادة السورية الجديدة، فكان أول زعيم أوروبي يتصل بالرئيس أحمد الشرع ويدعوه لزيارة باريس. كما استضافت فرنسا في شباط 2025 مؤتمراً دولياً في باريس حول مستقبل سوريا، حضرته دول غربية وعربية إضافة لممثلين عن الحكومة السورية.

خلال هذا المؤتمر، ألقى ماكرون خطاباً بالغ الوضوح بشأن الأولوية الفرنسية: دعا السلطات الجديدة في دمشق إلى التعاون الكامل مع التحالف الدولي ضد الإرهاب، وضمان استمرار الحرب على تنظيمات التطرف التي ما زالت تنشط في سوريا. وشدد ماكرون أن على سوريا مواصلة محاربة كل المنظمات الإرهابية التي تنشر الفوضى، عارضاً دعم فرنسا لأي جهد تقوم به دمشق في هذا الاتجاه.

غير أن الرسالة الأبرز التي حرص ماكرون على إيصالها تمثّلت في الدفاع عن الشريك الكردي. إذ أكد بلهجة حازمة أن على الحكومة السورية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالكامل في بنية الجيش والأمن الجديد في البلاد. ووصف المقاتلين الأكراد بأنهم “حلفاء ثمينون” وقفوا بشجاعة مع التحالف الدولي لهزيمة داعش، وبالتالي فإن من واجب الوفاء عدم التخلي عنهم وضمان حقوقهم في سوريا المستقبل.

ودعا ماكرون القيادة في دمشق صراحةً إلى استيعاب مقاتلي قسد ضمن قوام القوات الوطنية، معتبراً أن اندماجهم سيخدم مصلحة سوريا نفسها في دحر فلول الإرهاب والحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها. وقد جاء هذا الموقف الفرنسي الواضح ترجمةً لعلاقة خاصة بنتها فرنسا مع الأكراد خلال الحرب على داعش، حين أرسلت باريس قوات خاصة ومستشارين لدعم قوات قسد.

لم يقتصر الدور الفرنسي على التصريحات؛ فقد تحرّكت باريس عملياً لتثبيت مطالبها. فإلى جانب استضافة الحوار السوري الكردي (الذي عرقلته أنقرة لاحقاً)، انخرطت فرنسا في حوار مباشر مع قيادات السلطة الجديدة حول تشكيلتها وسياستها. وكشفت تقارير أن وزير الخارجية الفرنسي ونظراءه الغربيين وجهوا تحذيرات جدّية لحكام دمشق الجدد بشأن سماحهم بدخول مقاتلين جهاديين أجانب ضمن صفوف الجيش السوري الوليد. ففي أوائل كانون الثاني 2025، نبّه مبعوثو فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة القيادة في دمشق إلى أن تعيين شخصيات متشددة غير سورية في مناصب عسكرية عليا أمر يثير قلقاً أمنياً ويسيء لسمعة الحكومة الجديدة.

وقد أثار هذا الأمر قلق باريس تحديداً بعدما أفادت تقارير بأنه تم ضم عناصر أجنبية من الأويغور الصينيين وآخرين من جنسيات عربية وتركية إلى الجيش الجديد. فجاء التحذير الفرنسي واضحاً بأن على دمشق إعادة النظر في هذه التعيينات إن أرادت فتح صفحة إيجابية مع المجتمع الدولي. وتزامن ذلك مع انخراط فرنسي نشط في الجهود الدولية لدفع السلطات السورية نحو تشكيل حكم واسع التمثيل لا يهمّش أي مكوّن سوري.

وفي هذا السياق، واصلت باريس الضغط لضمان إشراك الأكراد وممثلي «الأقليات» في العملية السياسية الانتقالية، جنباً إلى جنب مع ممثلي «الأكثرية»، تفادياً لتكرار أخطاء الماضي.

لكن التوجهات الفرنسية هذه اصطدمت بشكل مباشر بطموحات أنقرة. فالمسؤولون الفرنسيون عندما يدافعون عن دمج قسد، إنما يقصدون تصويب بوصلة السلطة الجديدة بعيداً عن التأثير التركي. وهذا ما أثار غضب أنقرة التي لا تريد أي دور فرنسي في حل الأزمة السورية.

وكما أسلفنا، فقد رأى مراقبون أن إلغاء اجتماعات باريس كان نتيجة ضغط تركي واضح لأن تركيا “لا تريد أن تؤثر المواقف الفرنسية المؤيدة للأكراد على مخرجات التسوية”. ويشير الخبير السوري المقيم في فرنسا كادار هوزان، إلى أن أنقرة تعتبر سوريا ساحة نفوذ خاصة بها تريد فرض أجندتها فيها، في حين تنظر باريس إلى سوريا (ولبنان تاريخياً) كمناطق نفوذ تقليدي لها ينبغي أن يكون لها كلمة في مصيرها. وبرأي هذا الخبير نفسه، يوجد اليوم صراع بين فرنسا وتركيا في سوريا على رسم معالم الحلول، وعلى السوريين أنفسهم أن يحذروا من الانجرار لخدمة مصالح أي من الدولتين.

تلاقٍ واختلاف: حقيقة الصراع وأبعاده

لا شك أن كلاً من تركيا وفرنسا لهما مصلحة في استقرار سوريا وإعادة إعمارها، إلا أن مقارباتهما المعلنة تكاد تكون متعاكسة في كثير من الملفات. تركيا تريد حكومة مقبولة إسلامياً قريبة من توجهاتها، خالية من نفوذ الوحدات الكردية التي تعتبرها عدواً داخلياً. بينما فرنسا تقول بأنّها تسعى لحكومة تعددية تضم كل المكونات بما فيها الأكراد وغيرهم من المكونات السورية الأخرى والعلمانيين، وتكون قادرة على تطمين المجتمع الدولي بأنها لن تحول سوريا إلى بؤرة للتطرف الإسلامي.

على أرض الواقع، يعني ذلك أن أنقرة وباريس تدعمان أطرافاً مختلفة في المشهد السوري: فتركيا تقف عملياً خلف تحالف المنتصرين وقوات المعارضة المتحالفة معها في الشمال والذين لهم طبيعة أيديولوجية معينة، فيما تُظهر فرنسا انحيازاً لـ القوى الكردية والحلفاء الآخرين، وتحرص على ألا يُهمّشوا في الترتيبات المقبلة.

كذلك يمتد التنافس التركي الفرنسي في سوريا إلى الجوانب الجيوسياسية والاقتصادية. فكلتاهما تطمحان للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار الضخمة المتوقعة، وما يعنيه ذلك من عقود واستثمارات ونفوذ اقتصادي. وتشير تحليلات إلى أن دعوة فرنسا المبكرة لرئيس سوريا لزيارة باريس لم تكن فقط لدعم سياسي، بل أيضاً لمزاحمة تركيا على مشاريع إعادة الإعمار وضمان حصة فرنسية في كعكة ما بعد الحرب.

كما أن هذا التنافس تغذّيه خصومات أخرى بين البلدين خارج سوريا، بدءاً من شرق المتوسط حيث اصطدمت مصالحهما حول الغاز وترسيم الحدود البحرية، مروراً بشمال أفريقيا (خاصة الملف الليبي) الذي دعمت فيه كل دولة طرفاً مختلفاً، وصولاً إلى الخلافات حول ملفات تاريخية كقضية الأرمن وغيرها. هذه الخلافات الخارجية تلقي بظلالها على تعاملهما في سوريا، حيث ترى كل منهما تحرّكات الأخرى بمنظار الشكوك الاستراتيجية طويلة الأمد.

مع ذلك، يجدر القول إن هذا الصراع التركي الفرنسي في سوريا ليس مواجهة عسكرية مباشرة أو قطيعة دبلوماسية معلنة، بل هو أقرب إلى شد حبال سياسي وتنافس على النفوذ عبر دعم الحلفاء المحليين والضغط في الكواليس الدبلوماسية. فكل طرف حريص ظاهرياً على تأكيد احترامه لوحدة سوريا وسيادتها ومنع تقسيمها، لكن طريقة ترجمته لهذه المبادئ تختلف باختلاف تصوره لمصالحه.

تركيا تُبرز خطاب “السوريون يقررون مستقبلهم” لكنها في الواقع تعمل لضمان أن يأتي هذا القرار مطابقاً لرؤيتها (سوريا بلا كيان كردي مستقل وبعلاقة وطيدة مع أنقرة). أما فرنسا فترفع شعار “عملية انتقالية شاملة لكل السوريين” وتقصد بذلك منع انفراد المدعومين تركياً بالسلطة وإدماج من تراهم باريس شركاء ضروريين كالأكراد وغيرهم من فئات المجتمع.

في الخلاصة، يبدو أننا بالفعل أمام صراع تركي – فرنسي حول سوريا، لكنّه صراع نفوذ واستراتيجيات أكثر منه صداماً عسكرياً مباشراً. تركيا وفرنسا حليفتان ضمن إطار أطلسي واحد، لكنهما خصمان في الميدان السوري يسعيان لرسم ملامح المستقبل وفق مصالحهما المتباينة.

ولعل الأيام والأسابيع التي تلت سقوط الأسد وحتى يومنا هذا أكدت هذه الحقيقة؛ إذ لم تتردد أنقرة في استخدام ثقلها العسكري والسياسي لتحجيم الدور الفرنسي وكبح تطلعات الأكراد، فيما استغلّت باريس ثقلها الدولي لإضفاء شرعية على مطالب مكونات ترى تركيا إقصاءها، ولتوجيه دفة الحكم الجديد بعيداً عن أي تشدد قد يزعزع استقرار المنطقة. وفي ظل استمرار هذا الشد والجذب، يبقى مصير سوريا معلقاً إلى حد كبير على مدى قدرة السوريين أنفسهم على الوصول إلى صيغة توازن بين هذه الضغوط الخارجية المتضادة، وصياغة مستقبل يخدم تطلعاتهم قبل أي أجندات دولية.

وبناءً على المعطيات الراهنة، يمكن القول إن سوريا اليوم هي مسرح منافسة حقيقية بين أنقرة وباريس وإن بصورة غير معلنة – منافسة ستحدد نتيجتها شكل سوريا الجديدة ودور كل من تركيا وفرنسا فيها.

اقرأ أيضاً: هل مطامح تركيا هي ذاتها مطامع «إسرائيل» في سوريا؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.