اخبار مصر

عندما يصبح الحنين وطناً… عن صناعة النوستالجيا في سوريا

عندما يصبح الحنين وطناً… عن صناعة النوستالجيا في سوريا

بقلم: ريم ريّا

في زقاقٍ صغير من أزقة دمشق القديمة والجميلة، يعلق صاحب مقهى على جدارٍ متصدع صور “لعبد الحليم حافظ” وملصقات أفلام السبعينات. زجاجات كولا قديمة بغطاء معدني، ومذياع يبث الأغاني القديمة. هكذا تصنع النوستالجيا في سوريا، ليست مجرد عودة للماضي، بل مشروع هروب أشبه بالجماعي من حاضرٍ منهكٍ بالأزمات.

فلا شيء جديد في ذلك المقهى سوى زبائن معظمهم قد ولدو بعد رحيل تلك الفترة الزمنية. يسحب أحدهم نفس “أركيلة” ويقول “هذه الرائحة تذكرني ببيت جدي، ربما الحنين أرخص من الكهرباء”. في هذا المقال سنتوسع بحديثنا عن كيف تصنع نوستالجيا سوريا.

النوستالجيا تسوّق في سوريا

الحنين في سوريا تخطى مرحلة الشعور الوجداني وبات مشروعاً تجارياً، له جمهوره المستهدف ولغته البصرية وأساليب التسويق الخاصة فيه. فكما كان الزمن الجميل في الماضي، فكرةً عائمةً ومطروقةً في الأحاديث العائلية، أصبح اليوم ماركة تجارية تتكاثر على اللافتات وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

في السنوات الماضية، ظهر جيلٌ كاملٌ من المشاريع التي تبيع فكرة الماضي قبل أن تبيع منتجاتها، على سبيل المثال في مواقع التواصل “فيسبوك وانستغرام”، يمكن أن تجد مئات الصفحات بأسماء قديمة مثل “ذكريات دمشق”، “سوريا الزمن الحلو”، “حلب أيام الخير”، وتنشر هذه الصفحات صوراً بالأبيض والأسود لشوارع الصالحية، أو لسوق الحميدية في الستينات، حتى لصور المقاهي والمطاعم القديمة في المدن التي مزقتها الحرب. لتنهال التعليقات المتقاربة تحت الصور “يا ريت الأيام ترجع”، “كانت الحياة بسيطة”.

الملفت أن مديري هذه الصفحات لا يثيرون الحنين فقط، بل هدفهم الأساسي تحفيز التفاعل وتحويل الماضي إلى فرص تجارية وربما إعلانية، فالنوستالجيا لم تعد شعوراً بل خوارزمية فعالة تسوّق الماضي بنظارات وردية متغافلة عن مآسيه.

اقرأ أيضاً: الكوميديا السورية.. مقاومة ناعمة أم مجرد ترفيه

عندما يتحول الحنين إلى منتج بصري

بات الماضي يباع كصورة مصفاة، فالمصورون الشباب في دمشق واللاذقية مثلاً يتجهون نحو فلترات “قديمة” تعطي الصور مسحةً عتيقةً. يعيدون تصوير الشوارع الحديثة بأسلوب يوحي على أنها قديمة، بألوانٍ باهتة وضباب خفيف يحصد التفاعل مع الصورة أكثر من صور الألوان الواضحة والطابع العصري الحديث. كما لو أن تلك الصور “نافذة على سوريا التي كانت”، بالرغم أنها تكون ملتقطة قبل أيامٍ فقط وليس قبل سنين.

هكذا، تحوّل “الزمن الجميل” إلى ستايل بصري معتمد في الإعلانات التجارية، تماماً كما هو أسلوب “الريف الفرنسي” في أوروبا أو “الريترو الأمريكي” في الغرب. الفرق أن السوريين لا يروّجون لماضٍ بعيد ثقافياً، بل لماضيهم الشخصي القريب الذي ما زال بعضهم يذكر رائحته وأدق تفاصيله حتى اليوم.

يعيش السوريون على ذكرياتٍ مصطنعة

في مدينة طرطوس الساحلية افتتح مطعمٌ صغير، ديكوره بسيط، كراسيه من القش، وفيه أكوابٌ زرقاء، وملاعق خشبية تزين كل زاوية. يقوم بتقديم الأكل كما كانت تقدمه الأمهات في البيوت قبل عقودٍ مضت: كالفاصولياء بزيت في طنجرة معدنية، اللبن البلدي في أوعية زجاجية… لا قوائم طعام مطبوعة، بل دفترٌ صغير خُطَ بيد صاحبة المكان.

أغلب الزبائن هنا لا يأتون لأجل طعامٍ أفضل، بل لأنهم يريدون أن يعيشوا الذكريات، ولو مصطنعة، كما تقول صاحبة المطعم:

“الناس تعبت من الحداثة الفارغة، تريد الدفء. حتى الشبان يأتون إلى هنا ليتذوقوا شيئاً سمعوا به ولم يعيشوه”.

أما في حلب، فهناك متجر أزياء يعيد إنتاج قصّات الخمسينيات والستينيات، لكن بأقمشة حديثة. حيث الفساتين الطويلة ذات الخصر الضيق والأكمام الواسعة عادت للواجهة، وتُعرض على واجهات العرض مع خلفيات صور سينما الفردوس القديمة. الزبائن يصوّرون أنفسهم أمامها وينشرون الصور متغنين برجوعهم إلى الزمان القديم الجميل.

حتى المقاهي الحديثة تستخدم موسيقى المسلسلات القديمة مثل “مرايا” أو “أهل الغرام” وغيرها، وهذه ليست مجرد موسيقى عادية، بل أدوات تسويقية تحرك في الزبون والزائر مشاعر الحنين والاطمئنان.

تُفسر هذه الحالة وفق علم النفس، بأن البشر يعيشون في حالة الحنين إلى الماضي (النوستالجيا) لأنها آلية نفسية تساعدهم على تحسين مزاجهم والتكيف مع الصعوبات والوحدة، حيث توفر شعوراً بالأمان والسعادة المؤقتة، كما أن هذا الشعور يبدو مألوفاً، وتعزز النوستالجيا الثقة بالنفس وربطهم بالآخرين. أما اجتماعياً  قد ينظر الناس للحنين إلى الماضي كدليل على “عصور ذهبية” مفقودة، خاصة عند الشعور بالضيق في الحاضر.

إلا أن الحنين إلى الماضي له أساس سيكولوجي، مصطلح “النوستالجيا” ابتكره طالب الطب يوهانس هوفر بعد أن لاحظ أن مجموعة من العمال المأجورين السويسريين المغتربين عن أوطانهم كانت تظهر عليهم أعراض مرضية مشتركة مثل: أرق وعدم انتظام ضربات القلب، وعسر هضم، وتبين فيما بعد أن من أهم أسبابها الشوق والحنين إلى أوطانهم.

كذلك يشير علماء النفس أن النوستالجيا هي آلية دفاع يستخدمها العقل لتحسين الحالة النفسية ولتحسين المزاج خاصة عندما يواجه الفرد صعوبات في التكيف وعند الشعور بالوحدة.

كما أن الحنين للماضي مهم للصحة العقلية والنفسية، وله فوائد جسدية وعاطفية، فهو أسلوب ناجح في محاربة الاكتئاب وقتياً ويعزز الثقة بالنفس والنضج الاجتماعي. وقد أثبت العلم الحديث الشعور النوستالجي باستخدام صورة الرنين المغناطيسي للدماغ.

تسليع الذاكرة وشراء الماضي

لم يعد الماضي مجرد روايةٍ في هذه البلاد، بل بات يشترى. في سوريا اليوم، صار الحنين نفسه بضاعةً معروضةً في السوق لكن تباع بالقطعة بدلاً من الثمن، مثل فنجان قهوة بطابعٍ قديم مع لحن فيروز من شريط كاسيت ولو مكسور، ملصقٌ من الثمانينات هنا وكرسي خيزرانٍ  وحيدٍ هناك لتتحرك الذاكرة  في بلدٍ يعافي الفقد في كل شيء، من الخدمات وحتى في أحيانٍ متفرقة.

الناس هنا يشترون الماضي لأن الحاضر بلا طعم، ويعيدون صنع الماضي لأنّ المستقبل على ما يبدو غير قابل للشراء. فالحنين تحوّل من شعورٍ وجداني إلى اقتصادٍ عاطفي، ومن ذكريات شخصية إلى رأسمالٍ جماعي يستخدم لتسكين القلب وتجميل الخراب.

ختاماً، كل ما في هذه البلاد لا يعود إلى الماضي حباً به، بل لأن أغلب من فيها لم يعد يثق بأن الغد سيتسع لحلمٍ جديد. المقاهي والمطاعم والإعلانات برائحة الزمن الجميل، ليست فقط مشاهد “ريترو” بل أشبه بطقوس “عزاءٍ” جماعية تقام على روح مستقبلٍ لم يولد بعد. ربما لهذا يبدو الماضي في سوريا حياً أكثر من الحاضر.

فالسوريون اليوم، الذين سُرق منهم الأمل أعواماً طويلة، قرروا أن يصنعوا ماضيهم بأيديهم، لأن الغد ببساطة لا يَعد بشيء سوى مزيدٍ من الانتظار.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.