اخبار مصر

ماذا تعني الهدنة الإيرانية الأمريكية بالنسبة لسوريا؟

ماذا تعني الهدنة الإيرانية الأمريكية بالنسبة لسوريا؟

الكاتب: أحمد علي

لا تبدو الهدنة الإيرانية الأمريكية خبراً بعيداً عن سوريا، حتى لو كانت وقفاً مؤقتاً للنار بين واشنطن وطهران. المسألة أوسع من ذلك، فحين يهدأ الاشتباك بين هاتين القوتين، ولو لأسبوعين فقط، فإن آثار التهدئة لا تتوقف عند خطوط النار المباشرة، بل تمتد إلى طرق الطاقة، وإلى خرائط النفوذ، وإلى حسابات الأمن على الحدود، وإلى المزاج العام في الإقليم كله. من هذه الزاوية تحديداً، يصبح السؤال السوري مشروعاً وملحاً.

الهدنة التي أُعلن عنها في 7 نيسان الجاري لا تشبه اتفاقاً مستقراً بقدر ما تشبه فترة اختبار سريعة بعد أسابيع من التصعيد. هذا مهم بحد ذاته، لكنه لا يكفي. لأن سوريا لا تتأثر فقط بما يقال في نص التفاهم، بل بما تكشفه الهدنة عن موازين القوى، وما تؤجله من ملفات، وما تسمح به مؤقتاً من حركة سياسية واقتصادية وأمنية.

الهدنة الإيرانية الأمريكية وحدودها

الوقائع المعلنة حتى الآن تقول إن الهدنة جاءت بعد نحو ستة أسابيع من مواجهة بدأت في 28 شباط، وترافقت مع اضطراب كبير في حركة الطاقة والشحن، ولا سيما بعد تعطل المرور في مضيق هرمز. الإعلان الأمريكي تحدث عن وقف الضربات لمدة أسبوعين، وجرى تداول دور باكستاني في الوساطة، مع نافذة تفاوض قصيرة يفترض أن تختبر إمكان الانتقال إلى تفاهم أطول.

لكن هذا لا يعني أن الطرفين وصلا إلى أرضية مشتركة فعلية. العكس هو الأقرب. ما رشح عن الطروحات الإيرانية يذهب نحو رفع واسع للعقوبات وضمانات بعدم الاعتداء والتعامل مع ملفات إقليمية أوسع. وما نُقل عن المقاربة الأمريكية يركز أكثر على الملف النووي والصاروخي وعلى دور الحلفاء الإقليميين. الفارق بين المسارين ليس تفصيلاً، بل هو ما يجعل الهدنة حتى الآن مساحة لتجميد القتال أكثر مما يجعلها اتفاقاً سياسياً كاملاً.

ولهذا السبب، فإن قراءة أثرها على سوريا يجب أن تبدأ من هشاشتها لا من اسمها. إذا كانت الهدنة قصيرة وملغومة بالشروط، فإن نتائجها على الساحة السورية ستكون في الغالب جزئية ومؤقتة، لا تحولاً نهائياً في البيئة المحيطة بالبلاد.

سوريا خارج الحرب نظرياً

الموقف السوري المعلن في الأسابيع الأخيرة حاول رسم خط واضح. الرئيس السوري أحمد الشرع قال إن سوريا ستبقى خارج الحرب ما لم تتعرض لاعتداء مباشر، وإنها ليست في وضع يسمح لها بحرب جديدة. هذه المقاربة تبدو مفهومة إذا نُظر إلى حجم العبء الداخلي، من إعادة ترتيب المؤسسات إلى ضبط الحدود إلى ملفات الاقتصاد والخدمات.

لكن الحياد السياسي شيء، والقدرة على العزل الجغرافي شيء آخر. فسوريا تقع في نقطة تماس معقدة بين العراق ولبنان وفلسطين المحتلة وشرق المتوسط. وهذا وحده يجعل أي تهدئة إيرانية أمريكية ذات أثر مباشر عليها، سواء عبر انخفاض التوتر على بعض المحاور، أو عبر إعادة ترتيب خطوط الإمداد والحركة، أو حتى عبر تنشيط مسارات خلفية يصعب ضبطها بالكامل.

المسألة هنا ليست إن كانت دمشق تريد الابتعاد، بل إن كانت البيئة المحيطة تسمح بهذا الابتعاد فعلاً. في لحظات الهدوء النسبي يكون ذلك ممكناً إلى حد ما. أما إذا بقيت الملفات الأساسية معلقة، فإن خطر الارتداد يبقى قائماً، وتبقى سوريا معرضة لتلقي آثار الصراع حتى إن لم تدخل فيه مباشرة.

الطاقة قبل السياسة

سوريا ليست طرفاً مقرراً في سوق الطاقة العالمية، لكنها من أكثر البلدان حساسية تجاه صدماتها. الحرب الأخيرة دفعت أسواق النفط والغاز إلى حالة توتر حادة، لأن مضيق هرمز يتعامل عادة مع نحو خُمس تجارة النفط العالمية. ومع إعلان الهدنة هبطت الأسعار بسرعة، لكن السوق بقيت متوترة بسبب المخاوف من هشاشة التفاهم ومن صعوبة إعادة سلاسل الإمداد إلى وضعها الطبيعي فوراً.

بالنسبة لسوريا، هذا يعني شيئاً بسيطاً ومباشراً. كل تهدئة تخفف من كلفة الوقود والنقل والشحن، ولو جزئياً، تمنح الاقتصاد السوري هامش تنفس. وكل عودة سريعة إلى التصعيد تعني ارتفاع الكلفة على بلد يعاني أصلاً من ضعف في الموارد، ومن هشاشة في الكهرباء والوقود والنقل والإنتاج.

الأهم من ذلك ربما أن الأزمة فتحت ممرات بديلة للحركة اللوجستية. التقارير حديثة تحدثت عن لجوء العراق إلى تصدير نحو 650 ألف طن متري شهرياً من زيت الوقود عبر مسار بري يمر بسوريا خلال الفترة بين نيسان وحزيران، بعد تعطل مسارات بحرية وتبدل أولويات الشحن. هذا لا يحوّل سوريا تلقائياً إلى مستفيد كبير، لكنه يكشف أن الجغرافيا السورية يمكن أن تستعيد بسرعة قيمة وظيفية حين تضطرب الممرات التقليدية.

وهنا تظهر المسألة الأهم. إذا طال الهدوء، يمكن أن تتحول بعض هذه المسارات إلى فرص مرتبطة بالخدمات والرسوم والنقل. وإذا انهار، فإن الجغرافيا نفسها تتحول إلى عبء أمني ومسرح ضغط إضافي.

نفوذ إيران بين التراجع والتكيّف

كثير من النقاش حول الهدنة ينطلق من سؤال واحد، هل تعني تهدئة بين إيران والولايات المتحدة تراجعاً تلقائياً للنفوذ الإيراني في سوريا أم العكس . الجواب ليس بهذه البساطة. لأن النفوذ لا يقاس فقط بحجم الاشتباك، بل ببنية الشبكات التي تراكمت عبر سنوات، وبالقدرة على الحركة والتمويل والربط بين الساحات.

صحيح أن بعض التطورات الأخيرة، وخصوصاً تغير وضع قواعد أمريكية في سوريا، يمكن أن يبدل بعض خطوط الردع القديمة. وصحيح أيضاً أن أي تفاهم أوسع قد يضغط على جزء من النشاط الإيراني الإقليمي إذا انتقل من وقف نار مؤقت إلى تسوية أوسع بشروط واضحة أو قد يفتح المجال لنشاط أعلى لها في الإقليم بما في ذلك سوريا.

لكن ذلك ما يزال ذلك بعيداً قليلاً. وما هو قائم الآن أقرب إلى اختبار نوايا منه إلى إعادة صياغة نهائية لتوازنات المنطقة.

لذلك لا تبدو الفرضية الأدق هي الحديث عن تراجع للنفوذ الإيراني خصوصاً بعد فشل المساعي الامريكية – الإسرائيلية في تحقيق ما أعلنته من أهداف بداية الحرب مع إيران، بل عن احتمال أن تفرض إيران وزنها من جديد في المنطقة.

وسوريا، بحكم موقعها، تبقى إحدى الساحات التي ستظهر فيها آثار ذلك، وهي بطبيعة الحال تمتلك إمكانيات أن تتكيّف مع ذلك رغم تغير طبيعة العلاقة مع إيران ما بعد 8 ديسمبر 2024، فتصريحات الرئيس الحالي أحمد الشرع لا تنطوي على عداء مع الإيراني، وممّا جاء على لسانه مؤخراً: «ليس لدينا مشكلة مع إيران في إيران بل في سوريا» وهنا بطبيعة الحال يقصد الدور الإيراني السابق أيام الأسد الابن،

وهذا، ربما، لا يوجد سوري واحد ليس لديه مشكلة مع هذا الدور، لكن ينطوي القول على إمكانية التفاهم على دور جديد بضوابط جديدة وفق التقدير العقلاني للأمر.

نافذة ضيقة لا أكثر

من السهل تحميل الهدنة أكثر مما تحتمل. وهذا خطأ. هي ليست تسوية كبرى، وليست أيضاً حدثاً عابراً بلا أثر. قيمتها الحقيقية بالنسبة لسوريا أنها قد تمنحها فترة قصيرة لتخفيف الضغط، وإعادة ترتيب بعض الملفات الداخلية، واختبار قدرة الدولة على تحويل الهدوء الخارجي إلى استقرار محلي، ولو بحده الأدنى.

لكن الهدنة، حتى في أفضل قراءاتها، لا ترفع عن سوريا أعباءها الأساسية. لا تحل مشكلة الاقتصاد، ولا تنهي هشاشة الشمال الشرقي، ولا تضمن تراجع النفوذ المتشابك على حدودها، ولا تعيد بناء الثقة الإقليمية والدولية دفعة واحدة. هي فقط تقلل مؤقتاً من سرعة الانحدار إذا أُحسن التقاطها.

لهذا، فالمعنى الأوسع للهدنة الإيرانية الأمريكية بالنسبة لسوريا ليس أنها غيّرت المشهد، بل أنها فتحت نافذة صغيرة داخله. ما إذا كانت هذه النافذة ستُستثمر أم ستُغلق سريعاً، فذلك يتوقف على ما يجري داخل سوريا بقدر ما يتوقف على ما يجري حولها.

نقول هذا على اعتبار أن الهدنة ستستمر خلال المدة المعلنة لها -أي أسبوعين- لكن في واقع الأمر فإن مخاطر أن لا تستمر قائمة خصوصاً ما بعد انتهاكها من قبل كيان الاحتلال الإسرائيلي وتوجيه غارات كثيفة إلى لبنان يوم أمس، وبدء تلويح إيران بإمكانية أن تخرق الهدنة إذا استمر ذلك، وتلويحها بإعادة إغلاق مضيق هرمز، فهذا وارد، غير أن المعلن أن تبدأ مفاوضات «وقف الحرب» في إسلام آباد يوم الجمعة القادم ما بين إيران وأمريكا بشكل مباشر.

اقرأ أيضاً: آثار سريعة ومباشرة على سوريا في حال بقاء الحرب الأمريكية – الإيرانية ضمن سقف محدود

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.