مشاهير

هل يمنع الفقر السوريين من ممارسة الرياضة؟

هل يمنع الفقر السوريين من ممارسة الرياضة؟

بقلم: ديانا الصالح

في ظل الانفتاح العالمي على أهمية الرياضة للصحة النفسية والجسدية وارتفاع مستوى الوعي بها، تبرز سوريا من أكثر البلدان تراجعاً في ممارسة التمارين الرياضية، ويعود ذلك إلى أزمة مركبة تشمل التدهور الاقتصادي والمعيشي إضافة إلى ضعف الثقافة والتوعية الرياضية.

ورغم ما تؤكده الدراسات من وجود ارتباط وثيق بين الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدل الخمول البدني، إلا أن ذلك لا يلغي الأثر البالغ لتراجع الوعي وغياب الثقافة بأهمية الأنشطة الرياضية، حتى البسيطة منها مثل المشي نصف ساعة يومياً، والتي تغدو خياراً متاحاً لمختلف الأفراد مهما تعددت الظروف القاسية.

وفي هذا السياق، يثور تساؤل ملحّ: هل يمكن للوعي الرياضي أن يتخطى الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، أم أن الأزمة أعمق من مجرد نقص في الثقافة؟ وهل فعلاً تحولت ممارسة الرياضة في سوريا إلى ترفيه بغير وقته؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

عوائق ممارسة الرياضة في سوريا

تظهر معطيات منظمة الصحة العالمية أن نحو 31% من البالغين إضافة إلى 80% من المراهقين لا يمارسون النشاط البدني بمستوياته الموصى بها عالمياً، مشيرة إلى وجود عدة عوامل تؤثر بشكل مباشر على ممارسة الأنشطة البدنية الشخصية والإجمالية، تتمثل بما يلي:

عوامل اجتماعية وثقافية

توضح الدراسات أن العوامل الاجتماعية والنفسية تؤثر بشكل كبير على ممارسة الرياضة، بدءاً من الحالة النفسية والعمر، مروراً بانعدام الدافع الشخصي رغم الإحاطة بأهميتها، وصولاً إلى البيئة المجتمعية والأسرية التي قد تعتبر الرياضة من الأمور الثانوية وخارج تصنيف الأولويات.

وفي السياق السوري، يبدو جلياً تأثير هذه العوامل على تراجع ممارسة الرياضة الشخصية، فالحالة النفسية لدى السوريين تلعب دوراً كبيراً في بناء توجههم الصحي لا سيما فيما يتعلق بالنشاط البدني، حيث تظهر دراسة معنية بالنمط الغذائي الصحي للشباب السوري، ميولهم نحو الخمول سواء في التغذية الصحية أو الرياضة نتيجة للعوامل الاجتماعية والنفسية، ويعكس ذلك الجو الأسري القائم على تحويل الرياضة إلى خيار ثانوي ووسيلة ترفيه.

تظهر تجربة المواطنة حياة العلي، إحدى ساكنات الريف، هذا التأثير بشكل عملي، حيث توضح لسوريا اليوم 24، قائلةً: “كنت أعاني من اكتئاب قلل دافعي لأي نشاط، حتى الروتين اليومي البسيط كان صعباً، بعد توجيه طبيبي النفسي بممارسة المشي يومياً مع تمارين التنفس واتباع نظام غذائي صحي، بدأت أشعر بالتحسن التدريجي، رغم الصعوبة البالغة التي واجهتها في جعل الرياضة عادة يومية، حيث أخفقت عدة مرات بذلك، ولكن إرادتي كانت أقوى من المرض”.

وتضيف العلي أن غياب الوعي والتثقيف المجتمعي حول أهمية الرياضة واتباعها كروتين يومي في معظم الأرياف، جعل من ممارسة الأنشطة البدنية أمراً غير مألوف ومحطّ جدل لا سيما تجاه النساء، مما يعكس ضعف دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في تعزيز الثقافة الرياضية وأهميتها، وهذا ما يُعتبر من أبرز عوائق ممارسة الرياضة في سوريا.

وإلى ذلك، تشير بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2019 أن فرداً واحداً من كل 30 سورياً يواجه تحديات نفسية وخيمة، مثل الذّهان أو الاكتئاب وغيرها، كما تظهر أن شخصاً واحداً من كل 5 سوريين مُصاب بحالات نفسية تتراوح شدتها بين المتوسطة والمعتدلة، كالقلق والاكتئاب المعتدل.

عوامل بيئية

تشير معطيات الصحة العالمية إلى تأثير العوامل البيئية أيضاً على مستوى ممارسة الرياضة، والتي تتجسد بتوافر مساحات خضراء مثل الحدائق العامة ومسارات المشي إلى جانب النوادي الرياضية، بالتالي فإن غياب هذه المقومات يُعد أحد المعوقات الرئيسية لممارسة الرياضة، خاصة ضمن المدن المزدحمة أو التي تعاني من النزاعات.

انطلاقاً مما سبق، يمكن القول بأن التوسع العمراني واستثمار الحدائق إلى جانب نقص البدائل الطبيعية لا سيما ضمن المدن السورية المكتظة مثل دمشق وحلب، تُعتبر عائقاً أساسياً في طريق تحويل الرياضة إلى روتين يومي، وهنا تجدر الإشارة إلى نصائح الخبراء بالمشي في الهواء الطلق بعيداً عن ضيق جدران المنازل، حيث يعزز النشاط البدني في الأماكن المفتوحة الفوائد النفسية والجسدية بشكل أكثر فعالية من ممارسته ضمن المنزل.

وتبين دراسة بعنوان “واقع الحدائق العامة في سوريا: بين ضغوط الاستثمار وضرورات التنمية المستدامة”، أن الحدائق العامة لا سيما في دمشق ترتبط بالهوية الاجتماعية والحضرية للسكان، إلا أنه بعد عام 2011 تراجعت صيانتها بشكل ملحوظ، إضافة إلى تراكم الضغوط الاقتصادية والحضارية، مما أدى إلى توجه بعض البلديات لاستثمارها ضمن عقود تجارية أو سياحية.

وتذكر الدراسة بيانات غير رسمية حول تراجع معدل المساحات الخضراء إلى ما يقل عن 1.5 متر مربع للشخص، مقابل 9 أمتار مربعة كحدّ أدنى موصى به، وفقاً لمعطيات منظمة الصحة العالمية، مما يعكس حجم التحديات التي تواجه ممارسة الرياضة في سوريا.

أما بالنسبة للنوادي، فهناك فرق واضح في عدالة انتشار النوادي الرياضية بين الريف والمدينة، فغالباً ما يحتاج سكان الأرياف إلى التوجه نحو المدن للوصول إلى المرافق الرياضية، نظراً لمحدودية الخدمات في القرى. وعلى الرغم من التفاوت في التوافر إلا أن الطرفين يشتركان بمعضلة واحدة وهي ارتفاع أجور الاشتراك وهذا ما سنتحدث عنه ضمن الفقرة القادمة، التي تصف لبّ المشكلة.

العوامل الاقتصادية

تثبت العديد من الدراسات إلى جانب الصحة العالمية، التأثير الكبير الذي تلعبه العوامل الاقتصادية بالفرص المتاحة أمام الأفراد لممارسة التمارين الرياضية والاهتمام بالصحة، لا سيما ضمن البلدان التي شهدت نزاعات لسنوات طويلة وتعاني من التدهور المعيشي، كما هو الحال في سوريا.

ولتوضيح هذه النقطة الهامة، لا بدّ من الوقوف عند معاناة السوريين في تأمين لقمة عيشهم واضطرار الغالبية للعمل ساعات إضافية قد تحرمهم حقهم في النوم الكافي أو الراحة، وهذا ما ينقله أمجد الأحمد لسوريا اليوم 24، قائلاً: لا أهتم بالرياضة وليس لدي الوقت الكافي، فمجرد الحصول على وقت إضافي هو مكافأة لتعويض ما افتقدته من ساعات النوم، فأنا أعمل لساعات طويلة لأتمكن من تأمين لقمة عيش أطفالي”، مشيراً إلى أنه كان من مرتادي النادي الرياضي قبل اشتداد الأزمة الاقتصادية، حيث كانت كلفة الاشتراك معقولة.

ويضيف الأحمد أن ممارسة الرياضة يجب أن تترافق مع نظام غذائي متوازن، “أذكر أن مدربي أعطاني قائمة تتضمن الأغذية التي يجب أن أتناولها إلى جانب متابعتي للتمارين، وهي مكلفة جداً اليوم”، كما يشير إلى اقتصار معظم العائلات السورية اليوم على الحد الأدنى من الخضراوات والمواد الغذائية لتتمكن من ” تسليك نفسها إلى آخر الشهر” وفقاً لوصفه.

وقد شهدت أجور اشتراك النوادي الرياضية ارتفاعاً غير مسبوق، لا سيما في مدينة دمشق، حيث يتخطى بعضها الراتب الشهري وذلك وفقاً للموقع، على سبيل المثال قد تتجاوز تكلفة الاشتراك في منطقة كفرسوسة 800 ألف ليرة سورية، دون احتساب تكاليف التدريب الخاص أو النظام الغذائي المصاحب.

حلول مقترحة

لا ريب أن الحل الأساسي لضمان استمرار الحياة الصحية والتوجه نحو العادات السليمة والتمارين الرياضية في بلد متأزم مثل سوريا، يكمن في إعادة تأهيل المرافق العامة وإيجاد بدائل طبيعية، تمنح حق المواطن بالمساحات الخضراء ومسارات المشي خصوصاً ضمن المدن المكتظة.

علاوة على ذلك يشير خبراء اقتصاديون إلى ضرورة تحسين الوضع المعيشي عبر تنفيذ خطط اقتصادية تدمج بين الحلول الإسعافية وطويلة المدى لانتشال المواطنين من وضعهم المتردي وإنقاذ ما تبقى من لقمة العيش المهددة، ليتمكنوا من التفكير خارج إطار الضيق المعيشي، حيث يقبع أكثر من نصف السكان في بؤرة انعدام الأمن الغذائي، من بينهم 3.1 مليون سوري يُصنفون في خانة الجوع الشديد، فيما يقع نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر.

كما تقترح منظمة الصحة العالمية، تكثيف حملات التوعية والبرامج التعليمية، إلى جانب التنسيق بين مختلف القطاعات لوضع سياسات تقوم على تنفيذ برامج مشتركة لدعم النشاط البدني.

يبدو أن المجتمع السوري يعاني أزمة مركبة تتمثل بتراجع الثقافة الرياضية والتدهور الاقتصادي والمعيشي الحاد، مما يجعل ممارسة الرياضة في سوريا عبئاً وزمنياً، لتأتي بذلك في آخر أولويات الحياة، كما أن للحالة النفسية والاجتماعية دور كبير، حيث يؤدي الاكتئاب والقلق المستمر من الأزمات إلى خمول جسدي وعزوف عن النشاط البدني.

فيما يعكس غياب الوعي المجتمعي الضعف في الثقافة الرياضية، ليبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن الانتقال إلى مرحلة يجد فيها السوريون الحق بممارسة روتين رياضي صحي، أم أن الإخفاق بتأمين أبسط مقومات الحياة سيظل يفرض نفسه؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.