أخبار سوريا

واقع المطاحن السورية: بين التدمير والسعي نحو النهوض

واقع المطاحن السورية: بين التدمير والسعي نحو النهوض

بقلم هلا يوسف

يعاني قطاع المطاحن والحبوب في سوريا، مثل كثير من القطاعات الأخرى، من آثار الحرب التي تسببت بتعطل بعض المنشآت وتراجع قدرة أخرى على الإنتاج. لذلك أصبح العمل على إعادة إنعاش هذا القطاع وتحسين أدائه ضرورة لضمان استمراره ودوره في تأمين الاحتياجات الأساسية. في هذا المقال سنستعرض معاً واقع المطاحن اليوم، وآخر الاجراءات التي تم اتخاذها لتطويرها.

واقع المطاحن السورية

تراجع أداء المطاحن في سوريا بشكل واضح خلال سنوات الحرب، على الرغم من أهميته في تحويل القمح المخزن إلى طحين يزود الأفران. فالمطاحن اليوم تملك قدرة إنتاج نظرية تصل إلى نحو 20 ألف طن أسبوعياً، لكنها عملياً لا تنتج سوى حوالي 14.8 ألف طن، بحسب تقارير الحكومة السورية. هذا الانخفاض يعود إلى كثرة الأعطال، ونقص قطع الغيار، وضعف الصيانة، إضافة إلى قلة كميات القمح وارتفاع تكاليف التشغيل.

وقد حاولت بعض الجهات الدولية دعم هذا القطاع، مثل صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا الذي مول إصلاح عدد من المطاحن مثل مطحنة اليرموك، إضافة إلى مشاريع تأهيل نفذتها منظمات أخرى. لكن هذه المبادرات لم تكن كافية مقارنة بحجم الدمار الكبير وتشتت المنشآت المتضررة وافتقار عدد منها لمقومات التشغيل.

أما في مناطق الإدارة الذاتية التابعة لقسد، فهناك عدد من الصوامع الكبيرة مثل صوامع تل علو والدرباسية والحسكة والقامشلي، وتتراوح قدرتها التخزينية بين 100 و130 ألف طن. ورغم توفر هذه المنشآت، إلا أن الإدارة تعتمد على بيع الحبوب مباشرة بدل تخزينها لفترات طويلة، مما يفقدها القدرة على تحقيق أمن غذائي مستدام. بينما تعاني مناطق مثل دير الزور وتل حميس وكبكا وصباح الخير والهويدة في الرقة من تضرر أو توقف كثير من الصوامع، ما يجعل توفير الحبوب فيها أكثر صعوبة.

وبحسب بيانات عام 2020، يوجد في سوريا 188 مطحنة، تعمل منها فعلياً 162 فقط، وبكفاءة تختلف من مكان لآخر. فبعض المطاحن الصغيرة تنتج نصف طن أسبوعياً فقط، بينما تصل قدرة مطاحن أخرى إلى 1000 طن أسبوعياً، لتغطي احتياجات عدد يتراوح بين مخبز واحد و70 مخبز، بحسب الموقع والكثافة السكانية.

إجراءات تطوير قطاع الحبوب

في إطار التحديات السابقة، عقد نائب وزير الاقتصاد والصناعة لشؤون التجارة الداخلية اجتماع موسع في مقر الإدارة العامة للتجارة الداخلية، بمشاركة المدير العام لمؤسسة الحبوب وعدد من مديري الفروع في المحافظات، لمناقشة وضع قطاع الحبوب والمطاحن والخطط المطروحة لتحسينه في الفترة المقبلة.

ومن خلال الاجتماع تم تخصيص ميزانية كبيرة لإعادة تأهيل الصوامع البيتونية وبناء صوامع معدنية جديدة في محافظات مثل دير الزور والرقة وإدلب، إلى جانب تأهيل صوامع حماة وحلب وريف دمشق استعداداً لموسم شراء القمح القادم. كما تم التطرق لمشاريع تطوير المطاحن، ومنها تحديث المطحنة الوطنية في دمشق، واستئناف استثمار مطاحن في درعا وحلب بهدف رفع الإنتاج خلال أقل من عام. إضافة إلى ذلك، تعمل الوزارة على تجهيز الصوامع والمطاحن بأجهزة حديثة لفحص جودة القمح والطحين، مع استمرار التعاون مع برنامج الأغذية العالمي في تحديث صوامع السلمية ومطحنة الغزلانية.

أما على صعيد الدعم الدولي، فقد ساهم برنامج الأغذية العالمي في تحسين عمل مطحنة اليرموك عبر تزويدها بمولد كهربائي يساعدها على مواجهة انقطاع الكهرباء. كما دعم “صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا” إعادة تشغيل ثلاث مطاحن في شمال شرق البلاد عام 2022، من خلال تسليم شحنات من القمح الطري واستئناف الإنتاج.

وفي المناطق التي كانت تحت سيطرة الحكومة السورية الحالية قبل سقوط النظام في شمال شرق حلب، تم تنفيذ مشروع لبناء أكثر من سبع مطاحن جديدة لزيادة إنتاج الطحين وتقليل الاعتماد على الاستيراد. ومع ذلك تبقى تأثيرات هذه الجهود محدودة مقارنة بحجم النقص الكبير في إنتاج الحبوب والمطاحن على مستوى سوريا ككل.

إنجازات قطاع المطاحن خلال الفترة الماضية

أوضح المهندس حسن العثمان مدير عام مؤسسة الحبوب أن المؤسسة تمكنت خلال الفترة الأخيرة من تحقيق عدة خطوات مهمة، منها توقيع عقد جديد في دير الزور لإنشاء خط إنتاج إضافي في إحدى المطاحن بطاقة تصل إلى 200 طن يومياً. حيث يقوم المستثمر بتقديم خط الإنتاج وفق نظام تشاركي، بينما تتم دراسة عقود أخرى بعد تلقي عروض من مستثمرين محليين وعرب وأتراك.

وأشار العثمان إلى أن إعادة تشغيل مطحنة تلكلخ كانت واحدة من أبرز الإنجازات، إذ كانت متوقفة منذ عام 2013، لكن فرق الصيانة المحلية نجحت في تأهيلها وتشغيلها من جديد. وهي تنتج حالياً نحو 250 طن يومياً، أي نصف طاقتها الأساسية، والعمل جارٍ على تحديثها بالكامل.

التوجه نحو نظام التشاركية

بيّن العثمان أن المؤسسة تعتمد على نظام التشاركية في إدارة بعض المطاحن، وخاصة تلك التي تعرضت لدمار كبير وتحتاج إلى إصلاح شامل. ويشمل هذا النظام مشاركة المستثمر في تحديث الآلات وتحسين خطوط الإنتاج، إضافة إلى الإشراف على عملية التشغيل.

وأكد أن العقود التشاركية التي تم توقيعها حتى الآن أثمرت نتائج إيجابية، إذ ارتفعت جودة الدقيق وتحسنت الإنتاجية، كما أصبح سير العمل أكثر انتظام. وأوضح أن هذا التوجه جاء نتيجة نقص الكوادر الفنية الخبيرة بعد خروج العديد من العمال الشباب من القطاع، ما اضطر المؤسسة إلى الاعتماد على الشراكات التي توفر إدارة أفضل وكلفة أقل وجودة أعلى في إنتاج الطحين.

ورغم نجاح هذا النموذج، شدد العثمان على أن المؤسسة لا تخطط لتحويل جميع المطاحن إلى نظام التشاركية، لأن بعض المطاحن ما تزال تعمل بكفاءة مقبولة، ويجري العمل على الحفاظ على قدراتها الفنية وتحسينها.

كما أشار إلى تغير واضح في نسب الطحن بين المطاحن العامة والخاصة، حيث أصبحت المطاحن العامة تطحن 60% من القمح مقابل 40% للمطاحن الخاصة، بعد أن كانت النسبة معاكسة سابقاً، وذلك نتيجة رفع طاقة المطاحن الحكومية التي باتت تعالج أكثر من خمسة آلاف طن يومياً رغم قدم خطوط إنتاجها التي تجاوز عمرها ثلاثة عقود.

كيف تعمل المطاحن؟

لمعرفة كيفية عمل المطاحن ومراحلها، شرح المهندس دانيال حماد، مدير فرع المؤسسة السورية للحبوب في اللاذقية هذه العملية التي تبدأ من قسم الصومعة، حيث يتم استقبال القمح وإخضاعه لمرحلة التنظيف الخشن لإزالة الشوائب الكبيرة. بعدها ينقل القمح إلى قسم “الصويل” داخل المطحنة، حيث يخضع لمرحلة تنظيف أدق تعرف بالتنظيف الأبيض، ثم لعمليتي الترطيب والتخمير للوصول إلى درجة الرطوبة المناسبة التي تضمن جودة الطحن.

ويضيف حماد أنه يتم نقل القمح إلى القسم الأهم وهو قسم الطحن عندما يصبح جاهز، حيث تتم مجموعة من العمليات المتتابعة التي ينتج عنها الدقيق والنخالة. بعد ذلك ينقل الدقيق إلى عنابر التخزين، ثم إلى خطوط التعبئة التي تجهزه في أكياس وزن 50 كيلوغرام قبل أن يتم شحنه بالشاحنات إلى المخابز.

ومن جانبه، أوضح المهندس إياس عيسى، مدير مطحنة جبلة، أن العملية تبدأ فعلياً من قسم المخبر، الذي يقوم بفحص القمح المستلم قبل دخوله إلى الصومعة. يشمل ذلك قياس الوزن النوعي، أخذ عينات، وفحص نسبة الرطوبة. وبعد بدء الطحن، يستمر المخبر بمتابعة نتائج العمل من خلال فحص الدقيق والنخالة والشوائب لضمان أن المنتج النهائي يطابق معايير الجودة المطلوبة.

باختصار، يحتاج قطاع المطاحن في سوريا إلى تضافر الجهود الحكومية والدولية للنهوض به، ورغم التحديات، فإن المبادرات الحالية تُعد خطوة إيجابية. وإذا استمر العمل على هذا النهج، فمن المتوقع أن تستعيد المطاحن قدرتها الإنتاجية الكاملة في فترة قصيرة.

اقرأ أيضاً: القمح في سوريا.. هل حقاً يواجه ذهب السوريين خطر الزوال؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.