مشاهير

رحلة الجمعيات السكنية في سوريا من الحلم الاجتماعي المؤجل إلى الملف القانوني المعقد

رحلة الجمعيات السكنية في سوريا من الحلم الاجتماعي المؤجل إلى الملف القانوني المعقد

بقلم: ريم ريّا

شكلت الجمعيات السكنية أحد الأعمدة الأساسية في السياسات الإسكانية الجماعية، فقد تخطت هذه الجمعيات الإطار التعاوني لتأمين السكن، وباتت ملاذاً رئيسياً لمئات آلاف الأسر من ذوي الدخل المحدود والمتوسط في فترة من الفترات، في مواجهة أسعار العقارات وعجز السوق الخاص عن تلبية الطلب المتزايد على المسكن.

لكن هذه الجمعيات، التي وُلدت نظرياً كأداة لتحقيق العدالة السكنية، وتحولت عملياً خلال سنوات طويلة إلى نموذج مختل تتراكم فيه الأخطاء الإدارية، والتجاوزات القانونية، والفساد المالي وتبعاته. ما أفقد تلك الجمعيات قدرتها على أداء دوره التنموي، وأدخل أكثر من مليون مكتتب في دوامة انتظار امتدت لعقود بلا أفق واضح.

مع سقوط النظام السابق، عاد ملف الجمعيات السكنية إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيداً وحساسية، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وقانونية وإنسانية، ولارتباطه المباشر بحق السكن بوصفه حقاً دستورياً واجتماعياً، لا منّةً ولا امتيازاً.

 عدد الجمعيات السكنية في سوريا ووضعها القانوني

تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الأشغال العامة والإسكان إلى وجود 3248 جمعية سكنية مشهرة في مختلف المحافظات السورية، ينتسب إليها ما يقارب مليون مكتتب، أي ما يعادل نحو 20% من عدد الأسر السورية قبل عام 2011.

قد بلغت المدفوعات التراكمية لهؤلاء المكتتبين، وفق أرقام الاتحاد العام للتعاون السكني سابقاً، عشرات المليارات من الليرات السورية، موزعة على المحافظات، أبرزها 65.3 مليار ليرة في حلب، و41.4 مليار ليرة في ريف دمشق، و37 مليار ليرة في حمص، إضافةً إلى نحو مليار ليرة في بقية المحافظات.

في حين، تخضع الجمعيات السكنية من حيث المبدأ لأحكام القانون رقم 99 لعام 2011 الناظم لعمل التعاون السكني، إلا أن التطبيق العملي لهذه النصوص بقي شكلياً إلى حد كبير في ظل ضعف الرقابة وتداخل الصلاحيات، ما حول العديد من الجمعيات إلى كيانات معطلة ووهمية.

اقرأ أيضاً: ما حال السكن والإيجارات والجمعيات السكنية في درعا وهل تصمد أمام العوائق؟

الجمعيات السكنية قبل وبعد سقوط النظام.. بالأرقام والقرارات

بين عامي 2003 و2024، سجل قطاع الإسكان التعاوني تراجعاً حاداً في الأداء، حسب تقارير حكومية ورقابية، تمثل هذا التراجع في تجاوزات قانونية ومخالفات إدارية وفساد مالي على نطاقٍ واسع.

أدى هذا الواقع إلى صدور قرار حل الاتحاد العام للتعاون السكني في كانون الأول عام 2019، ونقل صلاحيات الإشراف إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان، استناداً إلى تقرير تفتيشية كشفت امتناع عشرات الجمعيات عن تقديم بيانات مالية دقيقة، أو حتى الإفصاح عن حجم الأموال المودعة لديها.

قبل عام 2011، كان متوسط العجز السكاني السنوي يقدر بنحو 130 ألف وحدة سكنية، وهو الفارق بين الطلب السنوي على المساكن والمعروض المنجز فعلياً، في حين لم يغط الإسكان التعاوني والاجتماعي أكثر من 20% من الطلب السنوي حتى في أفضل سنوات الإنتاج بين 2005 و2010. لكن بعد اندلاع الصراع، تحول هذا العجز إلى فجوة هيكلية، مع توقف معظم المشاريع، وتدمير أجزاء واسعة من البنية العمرانية، ما جعل الجمعيات عاجزة كلياً عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية تجاه المكتتبين.

عقب سقوط النظام في كانون الأول 2024، ورثت الحكومة الحالية قطاع التعاون السكني وهو في واحدة من أكثر مراحله تدهوراً منذ تأسيسه، فتبيّن وفق تقارير اللجان الرسمية المشهرة كانت متعثرة كلياً أو جزئياً، وأن آلاف المشاريع متوقفة منذ أكثر من 10 سنوات دون تقدم فعلي.

بناءً على الحال والواقع السكني وأزماته المفروضة، صدر قرار حكومي بتشكيل لجنة مركزية خاصة بدراسة واقع الجمعيات التعاونية السكنية في جميع المحافظات، للتحقق من الشكاوى المقدمة من المكتتبين ومراجعة الذمم المالية والعقود، وسجلات الأراضي، استناداً إلى أحكام القانون رقم 99 لعام 2011 لاسيما المادة 4 و34 بحماية أموال الأعضاء وعدم جواز التصرف بها خارج الغاية السكنية.

كما أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان، بموجب قرارات تنفيذية صادرة خلال عام 2025، تحرير حسابات الجمعيات السكنية المجمّدة في المصارف بالتنسيق مع مصرف سورية المركزي، مع الإبقاء على التجميد في الجمعيات التي يشتبه بوجود مخالفات جسيمة فيها، إلى حين استكمال التدقيق المالي والقانوني. كما جرى الإعلان عن حلّ عشرات الجمعيات الوهمية أو غير الفاعلة، ودمج عدد آخر من الجمعيات المتقاربة جغرافياً، في إطار تصحيح البنية الإدارية وتقليص الهدر، استناداً إلى الصلاحيات الممنوحة للوزارة بموجب المادة 61 وما يليها من قانون التعاون السكني.

في السياق ذاته، ووفقاً للبيانات الرسمية المحدثة، تعمل المؤسسة العامة للإسكان حالياً على استكمال نحو 42 ألف وحدة سكنية متوقفة، مع وجود أكثر من 84 ألف مكتتب مسجّل، جرى تخصيص ما يقارب 50% منهم دون تسليم فعلي لأي مسكن حتى تاريخه، ما يعكس فجوة كبيرة بين القرارات الإدارية والتنفيذ الميداني. كما أظهرت تقارير لجان المتابعة أن نسبة الإنجاز في عدد كبير من المشاريع لا تتجاوز 20 – 30% رغم مرور أكثر من 15 عاماً على إطلاقها، بسبب تضخم التكاليف، وانهيار قيمة الليرة السورية، ونقص التمويل، وضعف القدرة الفنية لشركات التنفيذ.

الخاسرون من الاكتتاب وحلول أزمة السكن في سوريا

المكتتبون الخاسرون هم من أوسع الشرائح المتضررة اجتماعياً واقتصادياً في البلاد. كما أوردنا سابقاً، فقد أشارت التقديرات إلى وجود ما لا يقل عن مليون مكتتب متأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بتعثر مشاريع الجمعيان، ما يقارب 40 – 60% كخاسرين فعليين. يضاف إلى ذلك، أن نسبة كبيرة منهم قد خسروا منازلهم الأصلية بفعل الحرب والنزوح والتدمير. ما يعني أن خسارتهم كانت مزدوجة “ضياع المسكن وضياع المدخرات”.

هناك مؤشرات ومصادر إعلامية، تقدر أن 60% من هؤلاء المكتتبين ينتمون إلى فئات الدخل المحدود والمتوسط، وأن ما يزيد عن 15% منهم مقيمين خارج البلاد، ما حرمهم من المتابعة القانونية وحماية حقوقهم، في ظل غياب آليات تعويض أو نصوص واضحة تعالج أوضاعهم بعد تعثر الجمعيات.

لا يمكن أن تتم معالجة هذا الملف، من خلال طرح حلول جزئية أو إطلاق وعود عامة، بل إن الأمر يتطلب مقاربة واقعية ومنطقية تأخذ بعين الاعتبار حجم الدمار العمراني الذي طال ما يزيد على 30% من المخزون السكني قبل 2011، وفق تقديرات أممية ومحلية.

انطلاقاً مما تقدم، تبرز الحاجة إلى برنامج وطني لإعادة السكن لا يقتصر على البناء الجديد، بل يقوم على ثلاثة مسارات متوازية:

  • بدايةً تصفية أوضاع الجمعيات المتعثرة قانونياً عبر لجان قضائية متخصصة تضمن استرداد الحقوق أو تحويل المدفوعات إلى أسهم سكنية في مشاريع بديلة، استناداً إلى أحكام قانون التعاون السكني رقم 99 لعام 2011 ولا سيما المواد المتعلقة بحماية أموال الأعضاء وعدم سقوط حقوقهم بالتقادم الإداري.
  • الخطوة الثانية، توسيع برامج الإسكان الاجتماعي منخفض الكلفة من خلال إعادة تأهيل المناطق القابلة للترميم، بدل التركيز فقط على مشاريع جديدة مرتفعة التكلفة، وهو خيار أقل كلفة بنسبة قد تصل إلى 40% مقارنة بالبناء من الصفر.
  • الخطوة الثالثة، تتمثل في إطلاق أدوات تمويل سكني واقعية مرتبطة بالدخل الحقيقي للمواطنين، مع دعم حكومي مباشر للفئات الأشد تضرراً، وربط الأقساط بمؤشرات تضخم واضحة، بما يمنع تآكل المدخرات كما حدث خلال العقدين الماضيين.
رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.