الكاتب: أحمد علي
المسألة هنا ليست خبراً عابراً عن معمل توقف، ولا سجالاً قصيراً بين صناعيين وجهات رسمية. ما يحدث في قطاع السيراميك السوري أوسع من ذلك. هناك صناعة كانت حتى وقت قريب جزءاً طبيعياً من السوق المحلية، ثم بدأت تنكمش على مهل، خطاً بعد خط، وفرناً بعد فرن، إلى أن صار السؤال مشروعاً على هذا النحو الحاد. هل أُغلقت المعامل فعلاً، أم أنها تعمل ولكن بأقل من نصف حياة. وهل ما يجري أزمة طاقة فقط، أم نتيجة قرار اقتصادي ترك الصناعة تواجه السوق المفتوحة وهي أضعف من أن تحمي نفسها.
الصورة التي تظهر من الشهادات والتقارير ليست سوداء تماماً ولا مطمئنة. وهذا بالضبط ما يجعلها أخطر. لأن القطاع لا ينهار دفعة واحدة، بل يتراجع بالتقسيط. بعض المعامل لا يزال قائماً، وبعضها يعمل جزئياً، وبعض الخطوط توقف بالفعل، بينما السوق يمتلئ أكثر ببدائل مستوردة أرخص أو أكثر تنوعاً. عند هذه النقطة، لا يعود النقاش تقنياً فقط. يصبح نقاشاً في السياسة الصناعية نفسها، وفي الكلفة، وفي شروط المنافسة، وفي معنى أن تُفتح السوق أمام منتج خارجي منخفض الكلفة فيما المنتج المحلي يشتغل بطاقة أعلى وسعر أثقل وهامش أضيق.
قطاع السيراميك في سوريا بين التشغيل الجزئي والتراجع الفعلي
أول ما ينبغي ضبطه هو الوقائع. الحديث عن إغلاق شامل لكل معامل السيراميك في سوريا غير دقيق، لكن الحديث عن استمرار طبيعي للقطاع غير دقيق أيضاً. بيان صدر عن شركات ومعامل السيراميك والغرانيت وأطقم الحمامات ونقلته صحيفة الوطن قال إن المعامل ما تزال مستمرة في العمل والإنتاج، لكنه أضاف أن العمل يتم بوتيرة جزئية ومؤقتة بسبب عدم توافر غاز LPG بشكل مستمر ومنتظم. في المقابل، نقلت تقارير أخرى عن عبد الرحمن أورفه لي، المدير العام لشركة بلقيس ونائب رئيس لجنة السيراميك والأدوات الصحية، أن توقفاً كلياً أو جزئياً أصاب عدداً من المعامل والخطوط، وسمّى من بينها تاج بلقيس وإشبيلية والشام وسيسكو، فيما يعمل زنوبيا بخط واحد فقط من أصل 18 خطاً. هذا التباين لا يلغي الأزمة. هو يشرح شكلها فقط. الأزمة لا تظهر هنا بوصفها قرار إغلاق جماعي، بل بوصفها انكماشاً فعلياً في التشغيل.
الأرقام نفسها تقول ذلك بوضوح أكبر. وفق المعطيات التي تداولتها وسائل إعلام محلية، يوجد في سوريا 9 معامل سيراميك بقدرة إنتاجية تقارب 53 مليون متر مربع سنوياً. لكن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز اليوم 7.4 إلى 7.5 ملايين متر مربع. أي أن ما يجري تشغيله فعلاً لا يصل إلا إلى نحو 14 بالمئة من الطاقة المتاحة. هذه فجوة كبيرة، ولا يمكن تفسيرها بتذبذب عابر في الطلب أو بتعطل فني مؤقت. حين يعمل قطاع بهذا الحجم عند هذا المستوى المنخفض، فالمشكلة تكون في الشروط التي تحكمه، لا في التفصيل اليومي داخله.
وعلى مستوى العمل والعمالة، لا تبدو الخسارة أقل ثقلاً. بعض التقديرات المحلية تحدثت عن فقدان أكثر من 4 آلاف عامل وظائفهم نتيجة توقف عدد من المصانع أو الخطوط، مع تقدير استثمارات القطاع بنحو 60 مليون دولار. وتقديرات أخرى أشارت إلى أن القطاع كان يشغل بين 5 و6 آلاف عامل مباشر، فضلاً عن آلاف آخرين يعملون في الأنشطة المرتبطة به من تعبئة ونقل وصيانة ومواد مساعدة. المعنى هنا واضح. حين تتراجع صناعة من هذا النوع، لا تتراجع وحدها. تتراجع معها شبكة كاملة من العمل الصغير والمتوسط الذي كان يدور حولها.
الطاقة أولاً، لكن ليست وحدها
كثير من الصناعيين يضعون الطاقة في بداية السلسلة، وهذا مفهوم. أورفه لي قال إن حوامل الطاقة تشكل 45 بالمئة من كلفة صناعة السيراميك في سوريا، مقابل نحو 15 بالمئة فقط في الدول المجاورة. والسبب، بحسب ما يقدمه الصناعيون، هو أن المعامل السورية تعتمد على غاز LPG الأعلى كلفة، بينما تعتمد المعامل المنافسة في الجوار على الغاز الطبيعي الأرخص. وبشير العبد الله، المستثمر في معمل الشام والمستثمر السابق في معمل إشبيلية، قدم المعنى نفسه تقريباً حين قال إن الطاقة هي العامل الرئيسي في كلفة الإنتاج، وإن أثرها ينسحب أيضاً على النقل وليس على التصنيع فقط.
بهذا المعنى، لا يصح التقليل من وزن الطاقة. لأن الصناعة التي تقوم على الأفران المستمرة لا تستطيع أن تتعامل مع الوقود بوصفه بنداً ثانوياً. أي زيادة كبيرة في كلفته تدخل مباشرة في السعر النهائي، ثم تخرج مباشرة أيضاً في المقارنة مع المستورد. لكن وضع كل العبء على الطاقة وحدها لا يكفي. لأن القطاع لم يبدأ يتكلم بهذه الحدة عند ارتفاع الكلفة فقط، بل حين ارتفعت الكلفة معاً، ثم فُتحت السوق أمام مستورد قادر على الدخول بسعر أقل، وفي أحيان كثيرة بتنوع أكبر.
كيف خسر المنتج المحلي معركة السوق
هنا تبدأ العقدة الثانية، وربما الأكثر حساسية. الصناعيون يقولون إن الجمارك المنخفضة والاستيراد المفتوح عجّلا الأزمة. أورفه لي ربط بوضوح بين السماح باستيراد السيراميك بجمارك منخفضة وبين توقف عدد من المعامل والخطوط. والعبد الله اعترض على آلية احتساب الرسوم نفسها، قائلاً إن احتسابها على أساس الوزن لا يعكس تفاوت الجودة والتصميم والسعر، وإن الأنسب هو احتسابها على أساس المتر المربع أو على القيمة الفعلية. هذا اعتراض تقني في ظاهره، لكنه سياسي واقتصادي في جوهره، لأنه يتعلق بكيفية حماية السوق المحلية، لا بمبدأ الحماية وحده.
السوق نفسها تعطي هذه الشكوى وزناً إضافياً. وفق بيانات نُقلت عن مجلس المصدرين الأتراك، ارتفعت الصادرات التركية إلى سوريا من 2.182 مليار دولار في 2024 إلى 3.493 مليارات دولار في 2025، بزيادة 60.1 بالمئة. وفي بند الإسمنت والزجاج والسيراميك ومنتجات التربة، ارتفعت الصادرات من 90.241 مليون دولار إلى 134.515 مليون دولار خلال الفترة نفسها. أما في الربع الأول من 2026، فقد ارتفع هذا البند من 27.306 مليون دولار إلى 45.893 مليون دولار. هذه الأرقام لا تثبت أن المستورد وحده أسقط المعامل السورية، لكنها تثبت أن السوق السورية صارت أكثر انفتاحاً على هذا النوع من الواردات في لحظة كان فيها المنتج المحلي يعاني أصلاً من عبء الطاقة وضعف التشغيل.
لكن السوق لا تتحرك بالسعر وحده. بعض التجار الذين تحدثوا إلى وسائل الإعلام قالوا إن المستورد يتقدم أيضاً بسبب تنوع القياسات والألوان وتحسن التغليف وثبات الجودة، وأحياناً بسبب مصداقية الكفالة في نظر الزبون. وهذه نقطة لا يمكن تجاوزها. لأن خسارة المنتج المحلي لمعركة السوق لا ترتبط فقط بقرار خارجي ضده، بل أيضاً بتأخر داخلي في التحديث والتطوير. وحين تجتمع الكلفة الأعلى مع التنوع الأقل، تصبح المنافسة أكثر صعوبة حتى لو كانت الجمارك أعلى مما هي عليه الآن.
أزمة طاقة أم قرار اقتصادي
السؤال المطروح بهذه الصيغة ليس سؤالاً للاختيار بين سببين منفصلين. لأنه في الواقع لا توجد أزمة طاقة خالصة هنا، كما لا يوجد قرار اقتصادي منفصل تماماً عن واقع الطاقة. ما يوجد هو تراكب بين الاثنين. القطاع يعمل في بيئة مرتفعة الكلفة، ثم يدخل في منافسة مع مستورد أقل كلفة، ثم لا يحصل على هوامش حماية كافية، ثم يواجه في الوقت نفسه ضعفاً في التحديث داخل جزء من معامل الإنتاج. عند هذه النقطة، يصبح القرار الاقتصادي عاملاً مضاعفاً للأزمة، لا بديلاً عنها.
رويترز وصفت في ربيع 2025 مناخ الاقتصاد السوري الجديد بوصفه أكثر انفتاحاً، ونقلت آنذاك قلق رجال أعمال محليين من أن يترك فتح السوق آثاراً ثقيلة على بعض الصناعات الوطنية. هذا لا يعني أن الانفتاح وحده خطأ، ولا أن الإغلاق الكامل هو الجواب. لكنه يعني أن فتح السوق في لحظة هشاشة صناعية، ومن دون تعويض فرق الطاقة، ومن دون جمارك أو رسوم متوازنة، يحول الصناعة المحلية إلى الطرف الأضعف في معركة مكشوفة.
من المسؤول عن إطفاء الأفران
تحميل المسؤولية لطرف واحد يريح السجال، لكنه لا يفسر ما جرى. إذا قيل إن الطاقة وحدها هي السبب، فهذا يتجاهل أثر السياسات التجارية وأثر بنية السوق. وإذا قيل إن الاستيراد وحده هو السبب، فهذا يتجاهل أن الصناعة المحلية كانت قد دخلت المنافسة وهي مثقلة بكلفة لا تقارن مع كلفة منافسيها. وإذا قيل إن المعامل نفسها مسؤولة لأنها لم تطور منتجاتها بما يكفي، فهذا يتجاهل البيئة العامة التي اشتغلت داخلها. الأدق أن المسؤولية هنا موزعة بين بيئة طاقة غير مستقرة، وسياسة تجارية لم توازن جيداً بين الانفتاح وحماية الصناعة، وقطاع لم ينجح في التحديث بالسرعة التي فرضتها عليه السوق.
المفارقة أن هذا كله يحدث فيما تُطرح إعادة الإعمار بوصفها أفقاً اقتصادياً عاماً للبلد. والسيراميك ليس مادة هامشية في هذا السياق. هو من المواد الأساسية في الإكساء والبناء، ما يعني أن تراجع إنتاجه المحلي في هذه اللحظة يفتح سؤالاً أكبر من سؤال مصنع أو معمل. كيف يمكن لبلد يحتاج هذه المادة على نطاق واسع أن يرى قاعدته الإنتاجية فيها تنكمش، بينما المواد الأولية متوافرة محلياً بدرجة كبيرة، كما يقول ممثلو القطاع. هذا يعني أن المشكلة ليست في المادة الخام، بل في الطريق بين الخام والسوق.
ما الذي يطلبه الصناعيون الآن
المطالب التي يطرحها أصحاب المعامل ليست غامضة. هي تدور حول تخفيض كلف الطاقة أو تمكين المعامل من بدائل أقل كلفة، وإعادة النظر في الرسوم الجمركية أو طريقة احتسابها، وتشديد الرقابة على المواصفات في المنتجات المستوردة، إضافة إلى إجراءات تساعد المنتج المحلي على استعادة هامش منافسة معقول. هذه المطالب كانت مطروحة أيضاً في اجتماعات سابقة لغرفة صناعة دمشق وريفها خلال 2025، حين جرى الحديث عن ضرورة تمكين المنتج الوطني ومعالجة فارق الطاقة وتعديل الرسوم على الواردات بما يغطي هذا الفارق.
لكن المشكلة لم تعد في تكرار المطالب. المشكلة في الزمن الذي يمر. لأن الصناعة التي تعمل جزئياً لفترة طويلة لا تبقى كما هي. تتآكل بالتدريج. خطوط تتوقف، عمال يخرجون، تجار يغيرون وجهتهم، والزبون يعتاد البديل. وعندها تصبح العودة أصعب من التوقف نفسه.
الخلاصة ليست معقدة، لكنها ثقيلة. معامل السيراميك في سوريا لم تُغلق كلها بالطريقة نفسها، لكن القطاع كله يتراجع بوضوح. بعض المعامل توقف كلياً أو جزئياً، وبعضها يعمل تحت ضغط التشغيل المنخفض وعدم انتظام الوقود، والسوق في المقابل تمتلئ أكثر بالمستورد الأرخص والأكثر تنوعاً. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل المشكلة طاقة أم جمارك أم استيراد. السؤال هو لماذا تُركت هذه العوامل كلها تتجمع فوق قطاع واحد في لحظة واحدة.
وإذا لم يُجب القرار الاقتصادي عن هذا السؤال بسرعة، فإن ما يحدث اليوم في بلقيس وإشبيلية والشام لن يبقى مجرد قصة قطاع صناعي متعثر. سيصبح مثالاً واضحاً على كيف يمكن لصناعة تملك الخبرة والمواد والسوق أن تخسر نفسها وهي ما تزال تعمل، وأن تنطفئ أفرانها لا بقرار واحد، بل بسلسلة قرارات وتأخيرات واختلالات تراكمت إلى أن صار التراجع هو الوضع الطبيعي الجديد.
اقرأ أيضاً: ماذا تبقّى من الصناعة في حلب اليوم؟