بقلم: ديانا الصالح
تدخل سوريا مرحلة حساسة في تاريخها، لاسيما عند الحديث عن إعادة الإعمار وطرح ملفات حول مصادر التمويل الممكنة، نظراً لحجم الدمار الكبير في البنية التحتية وما يرافقه من تراجع للإنتاج وضعف للموارد المحلية، ما يجعل خيار التمويل الخارجي مطروحاً وبقوة. إلا أن هذا الخيار يفتح تساؤلاً أكثر خطورة عن إمكانية تحول عملية إعادة الإعمار إلى فخ الديون الخارجية طويلة الأمد.
حجم الدمار وحاجة سوريا إلى الديون الخارجية
أكثر من عقد من الحرب، جعلت سوريا بحاجة إلى مبالغ مالية ضخمة لإعادة بناء القطاعات الأساسية التي تشكل عصب الحياة اليومية من كهرباء، مياه، نقل، صحة، تعليم، والأهم من ذلك الإسكان.
تقديرات البنك الدولي أشارت إلى أن كلفة إعادة الإعمار قد تصل في أفضل الأحوال إلى نحو 216 مليار دولار، وحدد البنك نطاقاً أوسع يتراوح ما بين 140 إلى 345 مليار دولار وفقاً لحجم الأضرار وطبية المشاريع.
هذا الرقم يفوق بعشرة أضعاف إجمالي الناتج المحلي لسوريا لعام 2024، في حين أفاد تقرير البنك الدولي أن النمو الإجمالي للناتج المحلي في سوريا هو نمو متواضع بنسبة 1% في عام 2025، مشيراً إلى ندرة البيانات الاقتصادية السورية وصعوبة الوصول إليها، مما يبرز حجم التحدي والحاجة الماسة للدعم الدولي، يضاف إلى ذلك تراجع الناتج المحلي وانخفاض الإيرادات العامة وضعف الاستثمارات الخاصة بشكل فعلي وعلى أرض الواقع، كما أن آثار العقوبات والعزلة المالية ماتزال مستمرة.
لذا يظهر ملف التمويل الدولي كأحد أبرز الخيارات المطروحة سواء عبر القروض أو المنح أو حتى من خلال الشراكات الاستثمارية.
حجم الديون الخارجية السابقة على سوريا
حتى وقت ليس ببعيد كان ملف الديون الخارجية لسوريا أقرب إلى مساحة للتحليل والتقديرات الاقتصادية غير المكتملة، وذلك بسبب غياب المعلومات الاقتصادية الدقيقة ذات المصادر الرسمية الحكومية خلال سنوات الحرب وصعوبة الوصول إلى أي تحديث جديد للبيانات.
ومؤخراً أظهر تقرير الديون الدولية 2025 الذي يصدره البنك الدولي، أن سوريا تندرج ضمن الدول متوسطة الدخل، مع تسجيل دين خارجي يقارب 4.7 مليار دولار، تشكّل الديون الرسمية أكثر من 98% منه، في حين يعود معظم الدين إلى ما قبل عام 2011، دون تسجيل قروض جديدة أو تدفقات مالية تذكر خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حالة جمود طويلة في مؤشرات الدين.
كما أعلن البنك الدولي مؤخراً تسوية المتأخرات المالية المستحقة على سوريا والبالغة نحو 15.5 مليون دولار بعد سداد قيمتها عبر مساهمات من السعودية وقطر مما فتح الباب أمام سوريا لإعادة الاستفادة من البرامج والمنح التنموية الموجهة لدعم ملف إعادة الإعمار.
التمويل الدولي بين الفرصة والخطر
الحصول على تمويل خارجي لا يعد مشكلة بحد ذاته، وإنما تدور إشارات الاستفهام حول طبيعة هذا التمويل وطرق استخدامه، ففي حال تم استخدام القروض في مشاريع إنتاجية حقيقية مثل الصناعات والبنية التحتية والطاقة فهي ستساعد في خلق نمو اقتصادي قادر على سداد الالتزامات المالية، أما في حال ذهب التمويل إلى الإنفاق التشغيلي أو المشاريع غير المنتجة فستغرق سوريا بالديون وتعاني من تضخم مالي وتراكم دون عائد اقتصادي فعلي.
وهنا يكون “الكابوس” الأكبر حيث تصبح الدولة مضطرة للاقتراض من جديد لتسديد الدين القديم وتغلق عليها دائرة الديون المتراكمة.
هل تتجه سوريا رسمياً نحو الاقتراض الخارجي؟
قبل أقل من عام صرّح حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية بأن سوريا لن تلجأ إلى الاقتراض الخارجي، ولن يكون هناك اقتراض من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي مؤكداً أن التوجه الرسمي يرفض تحميل البلاد أعباء ديون جديدة .
هذا التصريح يحمل بعداً سياسياً واقتصادياً مهماً، إلا أنه لا ينفي حقيقة أن إعادة الإعمار تحتاج إلى مصادر تمويلية ضخمة، ما يعني أن البدائل يجب أن تكون واقعية مثل المنح الدولية أو الاستثمارات المباشرة أو الشراكات مع القطاع الخاص أو حتى قبول تمويل عربي وإقليمي بعيداً عن القروض التقليدية.
إلا أنها جميعها بدائل ليست سهلة ولا مضمونة خاصة مع حساسية المشهد السياسي والاقتصادي الذي يحكم البلاد.
ما الذي تكشفه تجارب الدول الأخرى؟
التجارب الدولية تشير إلى أن الدول الخارجة من النزاعات غالباً ما تجد نفسها أمام معادلة صعبة فهي إما أمام قبول التمويل الدولي بشروطه أو مواجهة بطء شديد في التعافي الاقتصادي، وهنا يكون الفرق كبيراً ما بين التمويل المُنتِج الذي يدعم النمو وما بين الاقتراض الذي يتحول لاحقاً إلى عبء مالي على البلاد.
لبنان: الانهيار المالي تحت عبء الديون
لبنان يعتبر أقرب مثال واضح على خطورة الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي دون وجودة خطة إصلاح اقتصادي حقيقية.
فلا يزال الاقتصاد اللبناني في حالة تراجع حاد وهو بعيد كل البعد عن مسار الاستقرار حيث تراكم الدين العام على البلاد لعقود ورافق ذلك تراجع في الإنتاج وضعف في الإدارة المالية أدت جميعها في نهاية الأمر إلى أزمة اقتصادية وانهيار سريع للعملة، فالاقتراض وحده لا يبني الاقتصاد بل قد يسرّع من الانهيار إذا غابت المشاريع المنتجة.
العراق: إعادة الإعمار بين النفط والاقتراض
مرّ العراق بوضع مالي معقد حيث ورثت الدولة ديوناً خارجية كبيرة قدّرت بأكثر من 130 مليار دولار، وكان لابد للبلاد من الاستعانة بالمؤسسات المالية الدولية “صندوق النقد والبنك الدوليين” مع التركيز على إعادة هيكلة الديون وتخفيضها بشكل كبير.
إلا أن استمرار الاعتماد على النفط كمصدر أساسي وشبه وحيد للسداد جعل الاقتصاد مرهوناً لأي هزة تصيب أسعار الطاقة، فضلاً عن التأخر في تنفيذ المشاريع واستمرار الحاجة للتمويل الخارجي.
مصر: الإصلاحات الاقتصادية بتمويل خارجي متدرّج
شهدت مصر تجربة اقتصادية تمثلت في الاقتراض الخارجي خلال السنوات الماضية بهدف تمويل مشاريع كبرى وبنية تحتية واسعة وارتبطت بشكل مباشر ببرامج صندوق النقد الدولي حيث اعتمدت على برامج التمويل مقابل تنفيذ إصلاحات هيكلية داخل الاقتصاد.
وقد أشار صندوق النقد في تقاريره الأخيرة إلى أن مصر أصبحت نموذجاً في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، ووجه بعدم زيادة حجم التمويل في المرحلة الحالية بما يعكس انتقال العلاقة إلى مرحلة الاستقرار بعد تنفيذ الإصلاحات.
ورغم وجود بعض التحسن في مؤشرات الاقتصاد الكلي وتدفق الاستثمارات إلا أن التجربة ما زالت تحمل تحديات مرتبطة بارتفاع كلفة المعيشة واستمرار عبء الدين العام ما يوضح أن التمويل الخارجي وحده لا يكفي دون إصلاح داخلي متوازن.
كيف تتجنب سوريا فخ الديون؟
تجنب دخول سوريا في مسار الديون الخارجية خلال مرحلة إعادة الإعمار أمر ممكن وليس مستحيل لكنه يحتاج إلى أدوات تمويل مختلفة عن القروض التقليدية.
ويشير مستشارون اقتصاديون إلى أن الخيار الأكثر فاعلية يتمثل في الجمع ما بين عقد مؤتمر دولي للمانحين على غرار “مشروع مارشال” الذي ساهم في إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وبين فتح المجال أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية كمسار رئيسي للتمويل.
والجمع بين الخيارين يحقق التكامل ويعتبر الخيار الأمثل لسوريا خاصة مع وجود استعداد دولي للمساهمة في دعم الاستثمار في البلاد.
كما يوضح الخبراء أن من الصيغ المطروحة لجذب الاستثمار دون زيادة الأعباء المالية على الدولة هو اعتماد عقود الشراكة مثل نظام “BOT” الذي يسمح للقطاع الخاص بتمويل وبناء وتشغيل مشاريع البنية التحتية وذلك لفترة زمنية محددة مسبقاً ومن ثم تعود ملكيتها إلى الحكومة.
إلا أن هذا الخيار يتطلب وجود إدارة اقتصادية فعالة وقادرة على التنظيم فضلاً عن توفير بيئة استثمارية مستقرة ورفع القيود والعقوبات التي تعيق رؤوس الأموال، وهو ما يجعل التركيز على الاستثمار والمنح بديلاً عملياً لتفادي تراكم الديون في المرحلة المقبلة.
إعادة إعمار سوريا تتعدى مسألة الأموال فهي تتعلق بنموذج اقتصادي كامل، فالتمويل الدولي من الممكن أن يشكل فرصة تدعم البنية التحتية وتحرّك العجلة الاقتصادية بشكل أسرع إلا أنه قد يتحول إلى مصدر ضغط مستقبلي إذا تم استخدامه دون رؤية إنتاجية واضحة.
ويبقى التحدي الأساسي في كيفية إدارة هذا التمويل وتوجيهه نحو مشاريع تنتج نمواً حقيقياً بما يضمن التعافي الاقتصادي دون المساس بالاستقلال المالي للدولة على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً: 225 مليون دولار لإحياء الخدمات: البنك الدولي يدعم المياه والصحة