شركات

الحمامات الدمشقية: تاريخ حي وطقوس اجتماعية متجددة

الحمامات الدمشقية: تاريخ حي وطقوس اجتماعية متجددة

بقلم هلا يوسف

تزخر سوريا بالتراث والمواقع الأثرية التي كانت شاهداً على الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد التي كان الناس يعتنقوها منذ مئات بل آلاف السنين. ومن بينها الحمامات الدمشقية التي كانت تشكل طقساً من الطقوس التراثية في ذلك الزمن، والتي ما تزال حاضرة إلى يومنا هذا. وفي هذا المقال سنأخذ جولة حول تاريخ الحمامات الدمشقية وتطورها.

تعد الحمامات الدمشقية من أبرز المعالم التاريخية في المدينة، إلى جانب المساجد والمكتبات والمدارس. في الماضي، لم تكن معظم البيوت الدمشقية تحتوي على حمامات خاصة، لذا كان سكان المدينة يزورون الحمامات العامة بشكل منتظم من أجل النظافة، خاصة في مدينة غنية بالمياه مثل دمشق، التي كانت تعتمد على الينابيع ونهر بردى.

يعد “حمام الملك الظاهر” في حي العمارة، و”حمام نور الدين الشهيد” في سوق البزورية من أقدم وأشهر الحمامات الدمشقية. فالأول يعود تاريخه إلى أكثر من ألف عام، بينما الثاني يزيد عمره عن 900 عام. كانت الحمامات تبنى عادة بالقرب من المساجد والخانات، وذلك بسبب وفرة المياه التي كانت توزع عبر نظام قديم يسمى الطالع، وهو نظام كان يعتمد على وحدة قياس تدعى القيراط لتوزيع حصص المياه بين الأحياء.

لكن الحمام في دمشق كان أكثر من مجرد مكان للنظافة الشخصية. فقد كان يشكل جزءاً مهماً من الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كان الناس يتجمعون فيه في المناسبات الخاصة مثل الأعياد والأعراس. وكان الحمام مكاناً للقاء الأصدقاء والعائلة، حيث يجتمع الرجال قبل الزفاف للاحتفال بالعريس، يتسلون بالماء واللعب، ثم يُخرجونه في موكب خاص نحو مكان حفل الزفاف. أما النساء، فقد كن يلتقين في الحمام أيضاً للاحتفال بالعروس، حيث يستحممن بماء الورد، ويغنين ويزغردن، وتضع العروس الحناء ويكون لديها “بقجة” خاصة تحتوي على مناشف مطرزة من الحرير.

إلى جانب ذلك، كانت النساء يخصصن وقتاً لزيارة الحمام في ساعات الصباح، حيث يجتمعن للتحدث، يغنين، ويتبادلن الأخبار. وكان الحمام مكاناً للراحة والترفيه، وأحياناً يتم تحضير الطعام داخله كجزء من التجمعات.

كانت الحمامات أيضاً جزءاً من طقوس ما بعد الولادة، حيث كانت النساء يذهبن إلى الحمام بعد سبعة أيام من الولادة في زيارة تسمى حمام الفسخ، ثم يعدن بعد أربعين يوماً في زيارة أخرى تُسمى “حمام الأربعين”. في هذه الزيارات، كان يتم تدليك الجسم بمزيج من العسل والزنجبيل لشد الجلد، ثم تشرب مستحضرات تزيد من إفراز الحليب.

بالإضافة إلى هذه التقاليد، كان الحمام أيضاً مكاناً لاختيار الأمهات زوجات لأبنائهن، حيث تظهر الفتيات على طبيعتهن، دون مكياج أو زينة، مما جعل الحمام مسرحاً اجتماعياً يشهد اللقاءات والنقاشات. وبذلك كان الحمام جزءاً لا يتجزأ من حياة الدمشقيين، يعكس تقاليدهم وثقافتهم العريقة.

الحمامات الدمشقية.. ثلاثة أقسام

على الرغم من التطور الحضاري والتقنيات الحديثة، حافظت الحمامات الدمشقية على هويتها العمرانية القديمة، التي تعكس جزءاً من العمارة الإسلامية، مع بعض الإضافات الحديثة مثل غرف الساونا والجاكوزي.

يتكون الحمام التقليدي من ثلاثة أقسام رئيسية. الأول هو البراني، وهو الجزء الذي يستقبلك أولاً عند دخولك. يضم هذا القسم أربع مصاطب، اثنتان كبيرتان واثنتان صغيرتان، إلى جانب بحرة الماء، وقسمي المحاسبة والبوفيه. تتميز المصاطب بارتفاع محدد، وجميعها مصنوعة من الرخام أو ما يُعرف بـ “الحجر المزي”. كما أن الأقواس الحجرية في هذا القسم تتميز ببُعد ثابت يضفي على المكان طابعاً تاريخياً خاصاً.

القسم الثاني هو الوسطاني، حيث تتواجد طاولات مصنوعة من البازلت أو الحجر المزي، وتُستخدم في مساجات الزيت. في هذا القسم، يتخلل الطاولات بخار دافئ يأتي من الداخل، وهناك طاسات قديمة من النحاس تُستخدم لوضع الليفة والرغوة. كما يحتوي هذا القسم على مقاصر مخصصة للعائلات التي ترغب في الاستحمام معاً بشكل خاص. إضافة إلى ذلك، توجد في هذا القسم قبب تحتوي على فتحات زجاجية ملونة بالأحمر والأخضر والأزرق، تتبع أشكالاً هندسية مستوحاة من العمارة الإسلامية.

أما القسم الجواني، فيتسم بدرجة حرارة أعلى من القسم الوسطاني، وهو يتكون من أجران مخصصة للجلوس حولها الزبائن، إضافة إلى مقاصير عائلية وغرفة بخار. كان هذا القسم الأكثر دفئاً في الحمام، ويُستخدم للاستمتاع بأعلى درجات الراحة والاسترخاء.

في السابق، كان هناك قسم رابع يُسمى القميم، وهو كان مخصصاً لتسخين مياه الحمام باستخدام نشارة الخشب أو روث الحيوانات. كان للقسم هذا مدخل خاص به، ولكنه اختفى مع تطور أساليب التسخين الحديثة.

اليوم، ورغم إضافة بعض التحديثات، لا تزال الحمامات الدمشقية تحتفظ بجوها التقليدي وأصالتها، مما يجعلها جزءاً من التراث الحي للمدينة.

تطورها عبر الزمن

قال محمود حمامي، الذي يدير ثلاثة حمامات في دمشق هي حمام نور الدين الشهيد، الناصري، والقيمرية، إن التطور الحضاري، وظهور الكهرباء كان لهما تأثير كبير على الحمامات الدمشقية. فقد تخلت الكثير من هذه الحمامات عن مهامها التقليدية، وأصبح بعضها مهجوراً، بينما تحولت أخرى إلى محال تجارية، مما جعلها تتخلى عن وظيفتها الأصلية.

وأوضح حمامي أن الحمامات الدمشقية كانت تشهد إقبالاً كبيراً من السياح العرب والأجانب بفضل طقوسها الفريدة وأجوائها الجميلة. لكن بعد اندلاع الحرب في سوريا، تراجع عدد الزوار بشكل ملحوظ، وبقي الزوار من بعض الجنسيات العربية مثل العراقيين، ليصبح زيارة الحمام نشاطاً ترفيهياً للسوريين أنفسهم، بدل أن يكون جزءاً من الروتين اليومي.

ورغم التغيرات التي مرت بها الحمامات الدمشقية، أشار حمامي إلى أن هذه الحمامات ما زالت تعتبر جزءاً من التراث الدمشقي، وتظل الطقوس التقليدية مثل “حمام العريس” و”حمام العروس” وزيارة “النفساء” واجتماعات الأصدقاء قائمة، وإن كانت هذه العادات قد تقلصت بشكل كبير بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الناس في الوقت الراهن.

حالياً، لا يزال في دمشق 8 حمامات تقليدية تواصل أداء وظيفتها، وهي: حمام نور الدين الشهيد، القيمرية، الملك الظاهر، الناصري، البكري، الفيروزي، أمونة، والشيخ رسلان.

استقبال الزبائن

يتحدث محمود حمامي عن كيفية استقبال الزبائن في الحمام الدمشقي التقليدي فيقول إن الزبون عند دخوله يضع حاجاته عند المحاسب، الذي يُعطيه مفتاحًا يضعه في معصمه. ثم يستقبله العامل المعروف بـ “الناطور”، الذي يساعده على خلع ثيابه ويعطيه قبقابًا ويعطيه أيضًا منشفة تُسمى “الماوية”، ليلف بها جسده.

بعد ذلك، يدخل الزبون إلى القسم الوسطاني، الذي يتميز بحرارته العالية، حيث يستقبله شخص يُسمى “التبع”. في هذا القسم، يبدأ الزبون بسكب الماء على جسده وغسل رأسه، ثم يُجرى له مساجات الزيت.

ثم يتوجه الزبون إلى القسم الجواني، حيث يستقبله في غرفة البخار عامل آخر يُسمى “المكيس”، الذي يحمل “كيس التفريك”، وهو كيس مصنوع من شعر الخيل أو الجمل. يقوم المكيس بفرك جسد الزبون بعد تعرضه لدرجة حرارة عالية، بحيث يتم إزالة الجلد الميت المعروف بـ “الفتايل” من الجسم، وهو ما يساعد في تقشير البشرة وتجديدها.

وفي هذا القسم أيضًا توجد غرفة المساج، حيث يتم دهن جسد الزبون بالزيوت الطبيعية بعد أن يسترخي على طاولة البخار المصنوعة من البازلت. يُضاف إلى ذلك وضع “كاسات الهواء” على جسده، ثم يتم دهن الجسم بماء الورد ليشعر الزبون بالانتعاش والراحة.

بعد الانتهاء من هذه الطقوس، يقوم “التبع” باستقبال الزبون في القسم الوسطاني مرة أخرى، ويقدم له “طقمي مناشف” يُسمى “السحب”، ليغيرهما له. ثم ينتقل الزبون إلى القسم البراني، حيث يستقبله مجددًا الناطور، الذي يغير له المناشف التي تستر جسده بطقم جديد يُسمى “الكسوة”، والذي يتألف من ثلاث قطع تغطي كامل الجسم والرأس.

في النهاية، يُسأل الزبون عن المشروب الذي يرغب في تناوله، كما يُعرض عليه تدخين النرجيلة بينما يستمتع بصوت المياه في البحرة وصوت القباقيب التي تُضيف إلى الجو التقليدي للحمام.

تبقى الحمامات الدمشقية رمزاً للتراث الذي يجمع بين الراحة والتقتليد الاجتماعية. ورغم مرور آلاف السنين على هذا التراث، لا يزال حاضراً إلى الآن.

اقرأ أيضاً: رحلة في سوق الحميدية.. بوابة الزمان إلى قلب دمشق

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.