الكاتب: أحمد علي
وسط أحاديث الشارع عن سعر لتر البنزين وأجرة المواصلات، جاء قرار تخفيض أسعار المشتقات النفطية في سوريا ليعيد ملف الطاقة إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة من زاوية مغايرة لموجات الرفع المتتالية التي اعتادها الناس في السنوات الماضية. وإلى جانب سؤال: كم سندفع على مضخة الوقود؟ هنالك سؤال آخر: ماذا يقول هذا القرار عن واقع النفط السوري اليوم وإمكانات تحسّن هذا الواقع في المدى القريب؟!
النفط السوري وسعر المضخة
قضى القرار الأخير لوزارة الطاقة بتخفيض أسعار البنزين والمازوت والغاز بنسب تقارب 15 إلى 25%، مع تثبيت سعر لتر البنزين أوكتان 90 عند نحو 0.85 دولار، ولتر المازوت عند 0.75 دولار، وخفض أسعار أسطوانات الغاز المنزلي والصناعي، على أن يبدأ تطبيق التسعيرة الجديدة في 12 تشرين الثاني 2025 الجاري، مع إلغاء القرارات السابقة المتعارضة معها.
بذلك تصبح التسعيرة الجديدة مرجعاً موحداً لسوق الطاقة، وتدخل مباشرة في حسابات أجور النقل وتسعير السلع التي تعتمد في كلفتها على المازوت والبنزين.
ويأتي هذا التحول بينما تتحرك أسعار النفط العالمية في هامش يقارب 60 إلى 70 دولاراً للبرميل، بعد فترة من التراجع النسبي بفعل زيادة إنتاج تحالف أوبك+ والنقاشات المستمرة حول زيادات تدريجية في الحصص.
في مثل هذا السياق، لا يعود تسعير النفط السوري قضية داخلية صرفة؛ فالدولة تتعامل مع مزيج من النفط المنتج محلياً والنفط المستورد أو الممكن تصديره، وأي خفض في سعر المضخة يعني عملياً قبولاً بهامش ربح أقل لصالح تخفيف العبء عن المستهلك.
وهنا يبرز سؤال الاستدامة: هل سيبقى القرار قابلاً للاستمرار إذا ارتفعت الأسعار العالمية مجدداً، أم سنشهد موجة تعديل جديدة تعيد المواطن إلى دائرة القلق نفسها؟
زيادة الإنتاج وحدود الاستفادة
على مستوى الحقول، أعلنت وزارة الطاقة عن ارتفاع الإنتاج الحالي إلى نحو 120 ألف برميل من النفط يومياً، إلى جانب ما يقارب 7 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، وهي أرقام تُقدَّم كإشارة إلى تحسن نسبي بعد سنوات من التراجع، مع تأكيد على أن جزءاً منها يذهب لتشغيل المصافي المحلية.
كما برز الحديث عن شحنات من النفط الخام الثقيل الزائد عن استيعاب مصفاة حمص، جرى تصديرها بعد استقرار الاحتياطي من المشتقات المكررة، في خطوة رأى فيها بعض الخبراء رمزاً لعودة النفط السوري إلى الأسواق، لكنها لا تعني بالضرورة تعافياً كاملاً للقطاع بقدر ما تعكس إدارة لفائض نوعي لا يمكن تكريره داخلياً بكفاءة.
في الوقت نفسه، تشير تقارير دولية إلى أن تخفيف بعض القيود على تجارة النفط السوري وعودة قنوات مالية رسمية بعد تغيّر في بيئة العقوبات ساعدا على توسيع هامش الحركة أمام الحكومة في عقود البيع والشراء وإبرام صفقات جديدة.
على الورق يبدو هذا التطور داعماً لفكرة خفض الأسعار المحلية؛ فزيادة إنتاج النفط السوري وفتح إمكانية تصدير جزء منه يخلقان مورداً إضافياً يمكن نظرياً توجيهه لتخفيف العبء عن المستهلك. لكن الواقع الاقتصادي الداخلي يفرض حدوداً واضحة: ليرة متقلبة، تضخم مرتفع، وسوق موازية تقترب أسعارها في كثير من الأحيان من كونها المرجع الفعلي، ما يعني أن انعكاس أي تحسن في أرقام الإنتاج على حياة الناس ليس مضموناً ولا تلقائياً، كما تظهره تحليلات حديثة لأداء الاقتصاد السوري.
قرار التسعير بين الاقتصاد والسياسة
من زاوية المعيشة اليومية، يبدو قرار خفض الأسعار خطوة مرحباً بها، خاصة للشرائح التي تعتمد مباشرة على المازوت والبنزين في أعمالها، من النقل والزراعة إلى الصناعات الصغيرة والخدمات.
وبعض الاقتصاديين السوريين يؤكدون منذ سنوات أن تحسين الواقع المعيشي والخدمي يرتبط بدرجة كبيرة بتقريب أسعار المشتقات من مستوياتها العالمية أو من أسعار دول الجوار، بحيث تُغلق الفجوة التي تشجع على التهريب وتراكم الأرباح غير المبررة، ويُعاد توزيع العبء بين الدولة والمستهلك بطريقة أكثر توازناً.
في هذا الإطار يمكن قراءة القرار الأخير كرسالة بأن الأسعار ليست محكوماً عليها بالصعود الدائم، وأن هناك مجالاً لإعادة الضبط عندما تسمح الظروف الإنتاجية والمالية، خاصة مع الحديث عن مراجعة أجور النقل وتأثير التخفيض في كلفة السلع.
في المقابل، تحذر تحليلات أخرى من أن أي خفض غير مدروس قد يفتح فجوة في الموازنة العامة إذا لم تُعالج مشكلات الهدر وضعف الكفاءة في المصافي وشركات النقل والتوزيع، وإذا لم تُحسن إدارة عائدات النفط السوري وتوجيه جزء أكبر منها للاستثمار في البنية التحتية للطاقة.
فزيادة الإنتاج وحدها لا تكفي إن لم تُترجم إلى تحسين ملموس في كفاءة التكرير والنقل والتسعير. كما أن استمرار الضغط على العملة والأسعار قد يلتهم سريعاً الأثر الإيجابي لخفض المحروقات إذا لم تُستكمل الخطوة بإجراءات لضبط تكاليف النقل والتأكد من انعكاس التخفيض على أسعار السلع الأساسية لا على هوامش أرباح الوسطاء فقط.
خلاصة القول إن ما نشهده اليوم هو تقاطع لعوامل عدة: قرار بتخفيض الأسعار وتحسين شروط المعيشة، زيادة معلنة في إنتاج النفط السوري والغاز، مساعٍ لرفع كفاءة التشغيل، وخطط لبناء مجمع تكريري جديد قد يغيّر قواعد اللعبة إذا نُفّذ فعلاً.
الحكم على صواب القرار لن يتحدد من خلال رقم على مضخة الوقود، بل من خلال قدرة الحكومة على تثبيت هذا المستوى من الأسعار، وتحويل تحسن الإنتاج إلى استثمارات حقيقية في البنية التحتية، وجعل النفط السوري رافعة للتنمية لا مجرد ملف يطفو على السطح مع كل موجة ارتفاع أو خفض في سعر لتر البنزين.
اقرأ أيضاً: ماذا تنتج سوريا من النفط يومياً الآن؟