مشاهير

كيف قدّمت دمشق أولوياتها الاقتصادية والمالية في جلسة واشنطن؟

كيف قدّمت دمشق أولوياتها الاقتصادية والمالية في جلسة واشنطن؟

الكاتب: أحمد علي

لم تذهب دمشق إلى واشنطن لتعلن بداية إعمار شامل، ولا لتوزّع وعوداً أكبر من قدرتها. هذا لم يكن مناخ الجلسة، ولم تكن الأرقام تسمح به أصلاً. ما ظهر في اللقاء كان أكثر تواضعاً، لكنه أكثر دلالة أيضاً. ترتيب للأولويات، وضبط للرسالة، ومحاولة لعرض الملف الاقتصادي بلغة مؤسسات قبل لغة المشاريع الكبيرة.

هذا مهم لأن جلسة معهد الشرق الأوسط في واشنطن، التي شارك فيها وزير المالية محمد يسر برنية وحاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر الحصرية، لم تُقدَّم كمنبر علاقات عامة فقط. الورقة التعريفية للجلسة نفسها وضعت أسئلة محددة تتعلق بوضع الإصلاح المالي والمصرفي في 2026، وأولويات العام، والحوافز المحتملة للمستثمرين، والعوائق التي ما تزال قائمة، إلى جانب أثر التوتر الإقليمي في فرص الاستثمار. وبحسب الورقة نفسها، فإن الاقتصاد السوري بدأ يُظهر “إشارات” تعافٍ وإعادة اندماج، وأن الحكومة سجّلت فائضاً في موازنة 2025 للمرة الأولى منذ 1990.

جلسة واشنطن وما أرادت دمشق تثبيته

المسألة هنا ليست في العنوان المعلن للجلسة، بل في ترتيب ما قيل داخلها. وزير المالية أوضح، وفق ما نقلته سانا، أن النقاش ركّز على تطور النظم المالية في سورية، وعلى التقدم في إعادة الربط بالنظام المالي العالمي، وعلى توسيع التدفقات المالية بما يخدم التجارة والتحويلات ويعزّز دور القطاع الخاص. هذه صياغة تكشف أولاً ما لا تريد دمشق قوله. لا حديث عن قفزات سريعة، ولا عن تدفقات أموال وشيكة، بل عن بناء الأرضية التي تسمح لأي انخراط خارجي أن يصبح قابلاً للاستمرار.

ومن هذه الزاوية، تبدو الرسالة السياسية والاقتصادية متداخلة. فالدولة تحاول أن تقدّم نفسها بوصفها جهة تعيد تشغيل الوظائف الأساسية التي تعطلت طويلاً. موازنة يمكن متابعتها، إيرادات يمكن تقديرها، مصرف مركزي يمكن التعامل معه، وقواعد تنظيمية تسمح للآخرين بأن يفهموا أين تبدأ المخاطر وأين تنتهي. قبل ذلك، يصعب الحديث عن استثمار واسع أو تمويل منظم. وهذا بالضبط ما يفسر لهجة الجلسة الهادئة والمتحفظة.

من الخطاب العام إلى جدول عمل فني

هذا التوجه لا يبدأ من جلسة نيسان 2026. في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين عام 2025، قال الصندوق إن النقاش مع المسؤولين السوريين ركّز على ثلاثة ملفات أساسية، هي الحاجة إلى بيانات اقتصادية موثوقة، وإعادة بناء قدرة المصرف المركزي، وتوسيع قدرة الدولة على توليد الإيرادات. وفي اليوم نفسه، قالت كريستالينا غورغييفا إن نية الصندوق هي المساعدة في إعادة بناء المؤسسات كي تتمكن سورية من الاندماج مجدداً في الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أن مشاركة الوفد السوري في اجتماعات الربيع كانت الأولى منذ أكثر من عشرين عاماً.

بعد عام واحد، صار الكلام أقل عمومية. في اجتماع “أصدقاء سورية” بواشنطن على هامش اجتماعات الربيع الحالية، عُرض إطار حكومي للتعافي وإعادة الإعمار، واتفق المشاركون، بحسب سانا، على أن بناء القدرات داخل المؤسسات السورية، ولا سيما في إدارة المالية العامة، وتعبئة الإيرادات، وحوكمة القطاع المصرفي، والخدمات العامة، والبنية التحتية، هو الأساس لأي تعافٍ مستدام. وفي المداخلة الختامية، حدد برنية ثلاث أولويات للمرحلة المقبلة، هي تقوية القدرة المؤسسية، وإدارة الدين بصورة مستدامة، وتعبئة مزيد من المنح والتمويل الميسر مع تشجيع استثمار القطاع الخاص، واقترح إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين.

ما الذي يجعل هذا المسار بطيئاً

حين يُقال إن الأولوية للمؤسسات، فالمقصود ليس عبارة بروتوكولية. البنك الدولي قال في آذار 2026 إن إيرادات الدولة السورية هبطت من مستوى يقارب 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب إلى أقل من 5 في المئة، نتيجة تراجع الإيرادات النفطية والضريبية، وإن تحصيل الرسوم الجمركية بقي هامشياً رغم الاعتماد الكبير على الاستيراد منذ 2011. وفي ظل هذا التآكل، وافق البنك على منحة بقيمة 20 مليون دولار لتعزيز الكفاءة والشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، بما يشمل تقوية وظائف الموازنة والرقابة والشراء العام ووضع أساس للرقمنة. قبل التمويل الكبير، هناك ببساطة دولة تحتاج إلى أدوات عملها الأساسية.

والصورة نفسها تظهر في المسار الخارجي. متأخرات سورية لدى المؤسسة الدولية للتنمية، والبالغة نحو 15.5 مليون دولار، سُدّدت في أيار 2025 بدعم من السعودية وقطر، ما أعاد أهلية البلاد للعمليات الجديدة. وبعد ذلك بشهر تقريباً، أقر البنك الدولي منحة بقيمة 146 مليون دولار لقطاع الكهرباء، وقال إن الإمداد اليومي ينحصر في كثير من المناطق بين ساعتين وأربع ساعات. ثم عاد في شباط 2026 ليعلن المصرف المركزي السوري إعادة فتح حسابه لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بوصف ذلك خطوة باتجاه إعادة الوصل بالنظام المالي العالمي.

وبعدها بأيام، قال الحاكم لرويترز إن دمشق في المراحل النهائية لإنشاء حساب مراسل مع البنك المركزي التركي، مع بحث احتمال مبادلة عملات لدعم التجارة، وإن غياب نظام مدفوعات عابر للحدود ظل من أكبر العوائق أمام التوسع في التجارة والاستثمار. هذه ليست تفاصيل فنية هامشية. هذه هي البنية التي تسبق السوق الواسعة.

الأرقام التي تفرض هذا الحذر

لهذا جاءت لهجة دمشق محسوبة. البنك الدولي توقع في تموز 2025 نمواً متواضعاً للناتج المحلي السوري بنسبة 1 في المئة بعد انكماش بلغ 1.5 في المئة في 2024، وقال إن الناتج تقلص بأكثر من 50 في المئة منذ 2010، وإن نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي هبط إلى 830 دولاراً في 2024. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قدّر أن الفقر العام ارتفع إلى 90 في المئة في 2024، بينما قدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، مع أضرار مادية مباشرة قيمتها 108 مليارات دولار. هذه أرقام لا تسمح بخطاب احتفالي، ولا تسمح كذلك بوهم أن الانفتاح الخارجي وحده سيقلب المشهد سريعاً.

يزيد الصورة تعقيداً أن جلسة واشنطن انعقدت وسط اجتماعات ربيع يطغى عليها أثر حرب إقليمية رفعت المخاطر على النمو والتضخم في الاقتصادات النامية. رويترز نقلت عن صندوق النقد والبنك الدولي تقديرات تشير إلى تراجع آفاق النمو وارتفاع الضغوط التضخمية في 2026 بفعل صدمة الطاقة وسلاسل الإمداد. وهذا يعني أن أي رهان سوري على التمويل الخارجي أو على الاستثمار لا ينفصل عن بيئة دولية أكثر حذراً وأعلى كلفة. حتى عندما تُفتح الأبواب، فإنها لا تُفتح في فراغ.

ما الذي قالته دمشق فعلاً

إذا جرى اختصار الرسالة التي حملها الوفد السوري إلى واشنطن، فهي ليست أن الإعمار انطلق، ولا أن التمويل الكبير صار مضموناً، ولا أن العقد الأساسية حُلّت. الرسالة أبسط من ذلك، وأشد صرامة. الأولوية الآن هي استعادة أهلية الدولة المالية والمصرفية، وبناء قدر من المصداقية يسمح للآخرين بأن يتعاملوا مع سورية على أساس قواعد قابلة للقياس، لا على أساس رهانات سياسية عامة. هذا ما يفسر التركيز على البيانات، وعلى الموازنة، وعلى الامتثال، وعلى قنوات الدفع، وعلى الشراكة مع المؤسسات الدولية.

وهذا هو الفارق أيضاً بين خطاب يريد بيع قصة جاهزة، وخطاب يحاول تثبيت نقطة بداية. جلسة واشنطن، بهذا المعنى، لم تكن مناسبة لرفع السقف، بل مناسبة لخفض الضجيج. دمشق عرضت أولوياتها كما لو أنها تقول إن الطريق إلى المال يمر أولاً عبر المؤسسة، وإن الطريق إلى الاستثمار يمر أولاً عبر الثقة، وإن الطريق إلى التعافي لن يكون سريعاً، لكنه لن يبدأ من مكان آخر.

اقرأ أيضاً: لا تحشرونا في خانة أمريكا فنصبح أعداء لتركيا!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.