مشاهير

لماذا تصر أمريكا على أنّ “تركيا حطّت وتركيا شالت” في سوريا؟

لماذا تصر أمريكا على أنّ “تركيا حطّت وتركيا شالت” في سوريا؟

الكاتب: أحمد علي

مع تحولات الملف السوري في العام الأخير، بدا أن جوقة في واشنطن تُصرّ على لازمة واحدة: «تركيا فعلت، تركيا بطلة، تركيا لها الدور الأكبر…إلخ». وبين تغريداتٍ صاخبة لسياسيين أمريكيين، وخطاب تركي يتحدث عن «وحدة سوريا» ويُدير ظهره للاستفزاز، نشأت سردية تحمِّل أنقرة كلفة ما جرى ويجري، وتُخفِّف في المقابل من أوزار دورٍ أمريكي تعرّج بين الانخراط والانسحاب، بين العقوبات والصفقات، وبين الشراكات الأمنية والتبرؤ السياسي.

هنا محاولة لقراءة أعمق لهذه السردية: من أين جاءت؟ ماذا تُخفي؟ وكيف تتقاطع مع الدور الأمريكي في سوريا اليوم؟

الدور الأمريكي في سوريا

اللافت في الأشهر الماضية ليس فقط حضور تركيا الكثيف في خطاب واشنطن حول سوريا، بل الإيحاء بأن ما آلت إليه الأوضاع هو حصيلة خيارات تركية محضة، كأن الولايات المتحدة لم تُمسك بخيوطٍ أساسية في المسرح ذاته.

يتقوّى هذا الميل مع تصريحات علنية تصوّر أنقرة على أنها «الفاعل الأول» في دمشق الجديدة، رغم أن تقديرات ــ كتحليل «ذي إيكونوميست» الأخير ــ تُظهر أن نفوذ أنقرة واسع لكنه أقل صلابة مما توحي به الشعارات، وأن قدرتها على تشكيل المآلات ليست بلا سقف.

وهذا التباين بين الرواية السياسية والقراءة التحليلية يضيء على وظيفة السردية: إدارة المسؤولية، لا توصيف الواقع. وقبل الخوض أعمق في الحديث، إن ما يقال هنا هو محاولة لتفكيك السردية الأمريكية، وهذا حده، أي لا يمكن وبأي شكل من الاشكال أن يكون محاولة للدفاع عن تركيا أو دعم ما تقوم أو ما قامت به.

لماذا تتكرر لازمة «تركيا شالت… تركيا حطّت»؟

جزء من الإجابة يكمن في إدارة التحالفات داخل الناتو والشرق الأوسط معاً. تحميل أنقرة كلفة المشهد يتيح لواشنطن الادعاء بأنها تمارس «ضبطاً أخلاقياً» على شريكٍ صعب، من دون أن تتحمل تبعات الاعتراف بشراكتها الطويلة مع قوات محلية، وبسياسة عقوبات أثّرت في الاقتصاد السوري والإقليمي على حد سواء.

ويتعمّق هذا الميل مع خطاب انتخابي أمريكي يحبّذ القصص الواضحة: «تركيا أخذت زمام سوريا»، مقابل واقع أكثر تعقيداً على الأرض. هذه البساطة تتغذى أيضاً من تاريخ قرارات متذبذبة منذ 2019، حين ربطت إدارة ترامب الانسحاب الجزئي من الشمال السوري بتفاهمات مع أنقرة، ثم عادت لتلوّح بالعقوبات والضغط السياسي، في مفارقة رسّخت صورة أنقرة كبوابةٍ لكل ما يحدث هناك.

ترامب بين التغريدة والمرسوم: من مشهد 2019 إلى مفاتيح الاقتصاد في 2025

صوتُ دونالد ترامب هو الأعلى نبرةً في هذه السردية. الرجل نفسه الذي لوّح في 2019 بأن «تركيا ستتولى الأمر»، عاد في 2025 ليُبدّل قواعد اللعبة الاقتصادية عبر قرارٍ تنفيذي رفع بموجبه جزءاً واسعاً من العقوبات الأمريكية على سوريا، مع إبقاء عقوباتٍ محددة على أفراد وكيانات مرتبطة بالإرهاب والانتهاكات.

وخطاب «تركيا تولّت» استُعيد حرفياً في منصاتٍ تابعة لوسائل كبرى، فيما فتحت القرارات الاقتصادية باب إعادة التموضع الأمريكي من موقع «الرقيب من بعيد». وهذه الوقائع لا تعكس فقط تبدلاً في الأدوات، بل تصنع بيئةً مثالية لاتهام أنقرة بتبعات أي مسار اقتصادي أو أمني لاحق.

حدود النفوذ التركي… حين تكشف التفاصيل ما تُخفيه الشعارات

نعم، لتركيا شبكات عميقة داخل الشمال السوري، ولها أوراق ضغط إنسانية وأمنية واقتصادية، وتتحدث من موقعٍ فاعل عن «وحدة الأراضي» ورفض مشاريع اللامركزية التي ترى فيها امتداداً لـ«قسد/‏وحدات حماية الشعب». لكن مشهد «الهيمنة» المعلنة ليس بهذه البساطة. إذ تشير تقارير وتحليلات حديثة إلى أن قدرة أنقرة على تحويل النفوذ إلى ترتيبٍ مستدام تواجه حدوداً تتصل بتوازنات الداخل السوري الجديدة، وبحساسيات دولية وإقليمية، وبمعادلاتٍ أمنية لا تملك فيها أنقرة التفويض المطلق.

وخطاب الرئيس رجب طيب أردوغان في الأمم المتحدة ركّز على منع تفكك سوريا وتقدّم مسار دمج القوى المحلية في الدولة، من دون الانجرار إلى سجالاتٍ أمريكية مباشرة، ما عُدّ تجاهلاً ذكياً يحافظ على قنواته. وهذا «الصمت المحسوب» يقابله جهدٌ على الأرض، من دعم ترتيبات أمنية وتوسيع التجارة الثنائية قياساً بالعام السابق، مع الإقرار بأن كل ذلك لا يرقى إلى «استحواذ» كامل.

هل كان الدور الأمريكي في سوريا هامشياً؟

توجد وجهة نظر تقول إن واشنطن لم تلعب سوى دورٍ دون حجمها في «ترتيب السقوط» أو في التحولات اللاحقة، وإن تحميلها مسؤولية جزئية فيه مبالغة، وهو رأي جدير بالنقاش. فهذه القراءة تلفت إلى أن الولايات المتحدة فضّلت تقليدياً «الحد الأدنى الضروري» لتجنّب الغرق في الرمال السورية، وتركت هامش الحركة الأوسع لفاعلين إقليميين.

لكن على أية حال، التدقيق في الوقائع يكشف أن الدور الأمريكي في سوريا، كان مُحدداً لمفاصل حساسة: من شراكة عسكرية قادت إلى تفكيك سيطرة تنظيم «داعش» على مساحات واسعة، إلى إدارة ملف المعتقلين والتجمعات المدنية في الشرق والشمال الشرقي، إلى منظومة عقوبات كانت حتى منتصف 2025 تصوغُ الإيقاع الاقتصادي وتضبط مسارات التطبيع والتمويل.

وعند لحظةٍ سياسية فارقة، تحوّلت هذه الأدوات بضربة قلم تنفيذية وبإشاراتٍ تشريعية نحو تعليق «قانون قيصر» أو السعي لإلغائه، ما يؤكد أن واشنطن تمسك بمفاتيحٍ في الملف السوري، ومن يملك مفتاحاً يستخدمه.

ولذلك، فالحقيقة ربما تقع بين حدَّين: تأثيرٌ مُرجّح عبر أدواتٍ غير مباشرة، مع رغبةٍ سياسية في تقليل الكلفة العلنية وتحميل أنقرة ما أمكن من وزر النتائج.

لماذا إسناد الكلفة لأنقرة مفيد لواشنطن الآن؟

إذا جمعنا خيوط الصورة، نرى أن الإسناد الأمريكي المتكرر يُنتج ثلاث فوائد سياسية: أولاً، يعفي واشنطن أمام جمهورها من تبعات السياسات المتقلبة، عبر القول إن «الجار الأطلسي» اختار الطريق ويجب أن يتحمل نتائجه.

ثانياً، يمنح الولايات المتحدة رافعة ضغط تفاوضية دائمة على أنقرة: كلما احتاجت واشنطن شيئاً في ملفاتٍ أخرى، من شرق المتوسط حتى توسعة الناتو، تُلوّح بسردية «المسؤولية التركية» في سوريا.

ثالثاً، يسمح بإدارة التناقض بين الاستمرار في علاقةٍ أمنية مع فاعلين محليين ــ كقوات «قسد» ــ وبين السعي إلى إعادة ضبط العلاقة مع دمشق الجديدة عبر نوافذ اقتصادية وسياسية. وهنا، تبدو مفارقة الخطاب أوضح: واشنطن التي تقول إن «تركيا تتولى الملف»، هي نفسها التي تُقرِّر متى تُخفف العقوبات ومتى تدفع الكونغرس لمراجعتها، وتُبقي وجودها العسكري المحدود حيث ترى ضرورةً أمنية.

أنقرة بين الواقعية والطموح… وما بعد السرديات المتنافسة

في المقابل، تتحدث تركيا بلغة «وحدة الأراضي»، تعارض مشاريع اللامركزية التي تراها تهديداً أمنياً، وتربط أي انسحابٍ كامل بشرطَي الاستقرار ومحاربة الإرهاب، بينما تعمل على إدماج ترتيباتٍ أمنية واقتصادية تُسهِّل عودة تدريجية للاجئين وتدعم بنية الدولة. غير أن هذا كله لا يُبطل وجود حدودٍ بنيوية: شبكة اللاعبين الداخليين، أدوار جيرانٍ متحفزين، وإرث حربٍ طويلة.

وهنا تُفيد قراءة «ذي إيكونوميست» بوصفها متوسطاً بين خطابي المبالغة الأمريكية والإنكار التركي: نفوذ أنقرة واسع لكنه ليس مُطلَقاً، ومسار دمشق الجديدة سيحدده تشابك داخلي ـ إقليمي لا يستطيع طرفٌ واحدٌ احتكاره.

ما الذي ينبغي الانتباه إليه؟

المسألة في نهاية المطاف ليست «من نلوم؟» بل «كيف نفهم؟». إن اختزال المشهد في تحميلٍ مجانيٍ لتركيا يفسد أي نقاش جاد حول ترتيبات الأمن والاقتصاد والعودة وإعادة البناء، مثلما يضلل الرأي العام بشأن الدور الأمريكي في سوريا حين يظهر تارةً قَدَرياً وتارةً منعدماً. السردية الأصدق تقول إن كُلاً من واشنطن وأنقرة يمتلك أدوات تأثير متفاوتة في الملف السوري.. وتارة تميل الكفة لأنقرة، وتارة لأمريكا، وربما لا تميل لأيّ منهما أحياناً…

اقرأ أيضاً: لا تحشرونا في خانة أمريكا فنصبح أعداء لتركيا!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.