بقلم: ديانا الصالح
نظّم طلاب الطب البشري في جامعة حلب احتجاجاً على حرمانهم من التدريب العملي متهمين الإدارة بتهميش مطالبهم رغم تكرار الشكاوى دون استجابة، ويقول عدد منهم إنهم يقفون اليوم أمام واقع مهني مقلق، في ظل غياب التنظيم الإداري وتراجع جودة الأدوات التعليمية، إضافة إلى ما يصفونه بالاستهتار بجهودهم وسط شبهات تطال آليات إدارة العملية التعليمية وفقاً لشهاداتهم.
إلا أن المفاجأة لم تكن في الاحتجاج بحدّ ذاته، بل بنفي رئاسة الجامعة غياب التدريب السريري، محمّلةً القصور لازدياد أعداد الطلاب بما يفوق الطاقة الاستيعابية، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الرواية الرسمية والطلابية.
ويأتي ذلك في ظل واقع صحي متردٍّ يقف على المحك، مع نقص الكوادر والأجهزة الطبية، إضافة إلى تراجع التمويل والإنفاق الحكومي، ما يجعل أي خلل في المنظومة الصحية (في التعليم أو الإدارة) يشكل تهديداً مباشراً لها، وينعكس في مخاطر اجتماعية ومخاوف على الصحة العامة في ظلّ عدم تكافؤ المخرجات الأكاديمة مع متطلبات سوق العمل.
وفي هذا السياق، تثور عدة تساؤلات ملحّة: ما الجذور الحقيقية لهذه الأزمة؟ وهل يحمل الاكتظاظ وحده مسؤولية القصور أم أن غياب التخطيط الاستراتيجي يلعب الدور الأكبر؟ وهل نحن أمام خطر حقيقي يتمثل في تخريج كوادر طبية غير مؤهلة عملياً؟ وأين تكمن الحلقة المفقودة في هذه السلسلة المعقدة بين التعليم الأكاديمي والتطبيق السريري؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
طلاب الطب البشري في جامعة حلب
مشكلة قديمة متجددة، هكذا وصفت الطالبة عائشة الأيوب أزمة التدريب العملي في حديثها لسوريا اليوم 24، مشيرة إلى أنها مستمرة منذ سنوات رغم تكرار الشكاوى التي غالباً ما تُقابل بعدم الاستجابة أو الوعود المؤجلة، وأضافت أن هناك عدة عوامل مُحتملة تعيق معالجة هذا الخلل، من بينها ضعف إدارة الشؤون الطلابية وارتفاع أعداد طلاب الطب البشري.
وتلفت الأيوب إلى رفع كتاب للجهات المسؤولة يتضمن أبرز المشكلات التي يعانيها طلاب الطب البشري في جامعة حلب، مع تقديم مقترحات لمعالجتها، مؤكدة: “المطلب الأساسي هو الحصول على تطبيق عملي وتأهيل وتدريب سريري حقيقي، بعيداً عن الاكتفاء بالمحاضرات النظرية تحت مسمى مخبر عملي أو ستاج سريري، فحاجتنا للخبرة العملية اليوم ونحن على مشارف التخرج تتنافى مع إلزامية الحضور النظري والتوقيع فقط”، كما شددت على ضرورة الدوام في المشافي تحت إشراف وشرح ومتابعة الأطباء والمسؤولين عن الستاجات والتدريب.
أما بالنسبة لبقية المطالب، فتتمثل وفقاً لشهادة الطالبة بعدة نقاط أبرزها:
- زيادة عدد الفئات وتقليل عدد الطلاب في كل فئة لضمان إيصال المعلومة لكل طالب بشكل متساوٍ.
- الرقابة على مواضيع الخلل الإداري والإهمال مثل تأخير صدور العلامات، وغياب المواد التدريبية إضافة إلى الأعطال والنقص بالمعدات الأساسية كالتجهيزات الصوتية وغيرها.
- معالجة الشبهات الإدارية، فهناك قرارات يصفها الطلاب بالجائرة وغير المنصفة مثل إعادة ترتيب الفئات بين الفصلين وتصفير علامات الستاجات والمخابر بعد تقديمها والنجاح فيها، مما يشكل استهتاراً بجهد الطالب لتكون العلامة خالصةً للامتحان النظري وفقاً لقولها.
- إعادة النظر بطبيعة المناهج الضخمة القديمة التي تفتقر للدقة بالمعلومات الطبية لتواكب العلم الحديث.
نفي رسمي وخطوات على شكل حلول
في المقابل، نفى نائب رئيس جامعة حلب للشؤون العلمية، محمود نعساني، ادعاءات غياب التدريب السريري، مشيراً إلى الضغط الكبير الذي تعانيه الكوادر التدريسية والمخبرية إلى جانب الإدارية هو لبّ المشكلة، حيث تُقدّر الطاقة الاستيعابية لكلية الطب بحوالي 200 طالب مقابل استقبالها نحو 1000 طالب.
وفي هذا الصدد، يرى متخصصون في المجال الطبي أن هذا الأرقام تعكس الخلل الواضح في استراتيجية سياسات القبول بكليات الطب، حيث تشير إلى وجود أعداد تفوق القدرة الاستيعابية بخمسة أضعاف، وهذا الأمر لا يمكن الاستهانة به لارتباطة بصحة المجتمع ومستقبل المنظومة الصحية بالكامل.
ويوضح نعساني أن الجامعة تتوجه نحو تشكيل لجنة مؤلفة من رئيس الشؤون العلمية وعمداء الكلية، لمناقشة المطالب الطلابية والعمل على معالجة المشكلات المتعلقة بالتدريب، مبيناً وجود عدة خطوات مُرتقبة لتحسين الواقع التعليمي أبرزها نيل الاعتمادية الدولية لكلية الطب.
هل الاعتمادية الدولية حلّ للأزمة؟
للإجابة عن هذا التساؤل يجب تعريف الاعتمادية الدولية التي ستشهدها جامعة حلب بالتعاون مع الأردن خلال الشهرين المقبلين، وفقاً لنائب رئيس الشؤون العلمية، وهي عبارة عن نظام تقييم لجودة البرنامج الطبي الموجود وفقاً لمعايير محددة من ضمنها المناهج والكفاءة التدريسية إلى جانب التدريب السريري، بالتالي فإنها لا تُعد حلاً بقدر ما هي أداة لضبط الجودة وتحفيز الإصلاح.
أين تكمن المشكلة؟
ينتقد مراقبون السياسيات الاستراتيجية المتبعة في القبول الجامعي، حيث تنمّ عن ضعف التخطيط بعيد الأمد للواقع الأكاديمي وربطه بسوق العمل، ما قد يسهم في تعزيز الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات القطاع الصحي، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تنسيق أكبر بين الجهات المسؤولة مثل وزارة الصحة ونقابة الأطباء إلى جانب الجامعة وإدارة المشافي التعليمية، وهو ما قد ينعكس على جودة الممارسة الطبية وكفاءة المخرجات الصحية.
كذلك الأمر بالنسبة لتضخم أعداد الطلاب دون مرافقته بتحسين للبنية التحتية، مما يعكس ضعفاً في الاستثمار بالتعليم الطبي وفقاً لما يصفه خبراء في الصحة، مشيرين إلى ضرورة تعزيز تمويل الجامعات والكليات الطبية بما يضمن توفير التجهيزات التعليمية والسريرية الضرورية.
وفي سياق متصل، تُثار مخاوف اجتماعية حول جودة التدريب السريري في بعض المشافي الجامعية، ودرجة إشراف الكوادر الطبية المتخصصة على المتدربين، وفي هذا الإطار نستذكر شهادة المواطنة هلا الخطيب التي نقلتها لسوريا اليوم24، حيث تحدثت عن تجربتها في مستشفى الأطفال الجامعي بدمشق، مشيرة إلى الصعوبات التي واجهها المتدربون بإجراء سحب الدم من ابنها عدة مرات، منتقدة استلامهم أدواراً رئيسية بأقسام حساسة دون وجود إشراف طبي، وفقاً لروايتها.
انطلاقاً مما سبق، يرى ناشطون محليون ضرورة ضمان التوازن بين جودة التدريب وسلامة المرضى من خلال تحسين تنظيم التدريب السريري وتعزيز الإشراف الطبي المباشر، وهذا ما دعا إليه طلاب الطب البشري في جامعة حلب خلال احتجاجهم.
توصيات مقترحة
تؤكد دراسة بعنوان: “زيادة القدرة التدريبية السريرية لطلاب الطب من خلال إنشاء عيادات خارجية أكاديمية متخصصة”، أن النقص بالكوادر الطبية يحتاج توسيعاً لنطاق التدريب السريري، وهذا ما يشكل تحدياً أمام جميع القائمين على التخصصات السريرية، وتقترح الدراسة حل الأزمة عبر توسيع بيئات التدريب خارج المستشفيات، لتشمل العيادات المجتمعية تحت إشراف تخصصي مباشر.
كما تشير الدراسة إلى أهمية توسيع التدريب القائم على المحاكاة، كنموذج مكمل للتدريب السريري الحقيقي، قبل البدء بالمرضى مباشرة، وهذا ما تؤكده عدة بحوث أخرى تذكر ضرورته في تقليل الأخطاء وإتاحة إعادة تكرار التجربة، إضافة إلى تحسين من مهارة اتخاذ القرار تحت الضغط.
فيما يقترح الخبراء توجيه الاستثمار بشكل أوسع نحو تحسين البنية التحتية الطبية داخل الجامعات والمستشفيات التعليمية، عبر تحديث التجهيزات وتوسيع الكوادر التدريسية والسريرية، فضلاً عن اعتماد تقييم دوري لقياس جودة التدريب بما يتوافق مع المعايير الدولية.
علاوة على ذلك، لا بد من ترسيخ التعاون بين الجهات المسؤولة كما ذكرنا سابقاً، فالتنسيق المؤسساتي من شأنه تذليل مختلف التحديات التي يواجهها الطلاب، من خلال الدراسة الشاملة لكافة احتياجاتهم والخروج بحلول تتوافق مع متطلبات التعليم والعمل.
يبدو أن احتجاج طلاب الطب البشري في جامعة حلب على غياب التدريب السريري، يكشف أزمة أعمق من مسألة الاكتظاظ، وهي زعزعة البنية التعليمية الصحية نفسها وآليات التخطيط الاستراتيجي الناجم عن ضعف التنسيق المؤسساتي، الذي ينعكس مباشرة على ضعف التوازن بين المخرجات الأكاديمية ومتطلبات القطاع الصحي، وفي هذا السياق، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتمكن المنظومة التعليمية الطبية من سد هذه الفجوة قبل وصولها إلى عمق الخدمات الصحية والمستقبل المهني؟
اقرأ أيضاً: أدوية بلا رقابة في حمص: كيف تهدد الأدوية المهربة المرضى؟