تقنية

ماذا تقول دروس الجلاء عن معضلات الانتقال السوري اليوم؟

ماذا تقول دروس الجلاء عن معضلات الانتقال السوري اليوم؟

الكاتب: أحمد علي

لا تعود ذكرى الجلاء، في دراسة «دروس الجلاء المعلّقة» للباحث إبراهيم درّاجي، بوصفها موعداً للاحتفال الهادئ فقط، بل بوصفها لحظة مراجعة. ذلك أن السؤال الذي تعيده الدراسة إلى الواجهة ليس كيف خرج آخر جندي أجنبي من البلاد، بل ماذا جرى بعد ذلك، وكيف يتحول التحرر إلى دولة، وكيف يمكن للحظة الانتقال أن تبني قانوناً وعدالة ومؤسسات، بدل أن تعيش على وهج السقوط وحده.

من هنا تقرأ الدراسة خطاب شكري القوتلي عام 1946 قراءة مختلفة. لا تتعامل معه كنص رمزي من الماضي، ولا كقطعة بلاغية تستعاد في المناسبات، بل كخطاب لما بعد النصر. وهذه هي نقطة الثقل فيها. الاستقلال، بحسب هذا المنظور، لا يثبت لحظة الجلاء فقط، بل يُختبر بعد الجلاء، حين تبدأ أسئلة الحكم، وتوزيع السلطة، وضبطها، وبناء الإدارة، وتحديد معنى السيادة داخل حياة الناس اليومية.

دروس الجلاء ومعنى الدولة بعد التحرر

تتقدم الدراسة من عبارة القوتلي التي تقول إن صيانة الاستقلال قد تكون أشق من الظفر به، لتجعل منها مفتاحاً لفهم المأزق السوري الراهن. فالتحرر من سيطرة خارجية يرفع القيد المباشر، لكنه لا يبني وحده جهازاً عاماً صالحاً، ولا يصنع قضاء مستقلاً، ولا يضع حدوداً واضحة للسلطة. ولذلك، ترى الدراسة أن لحظة السابع عشر من نيسان لم تكن نهاية الطريق، بل بداية امتحان آخر، ربما كان أكثر تعقيداً من الامتحان الأول.

هذه الفكرة تكتسب وزناً أكبر حين تُقرأ على ضوء الانتقال السوري بعد 8 كانون الأول 2024. فالمشكلة، كما تعرضها الدراسة، لا تكمن فقط في إرث الخراب الذي خلفته المرحلة السابقة، بل في الوهم القائل إن سقوط النظام القديم يكفي وحده لإنتاج دولة جديدة. هنا يبدأ الخطر الحقيقي. يمكن للانتقال أن ينجح في إسقاط طور سابق، ثم يتعثر حين يحاول بناء طور لاحق. ويمكن للشرعية أن ترتفع في خطابها، ثم تنخفض في قدرتها المؤسسية. وعند هذه النقطة بالذات، يصبح الاستثناء الطويل جزءاً من المشكلة لا أداة لحلها.

العدالة حين تخرج من الذاكرة

ولا تبقى الدراسة عند سؤال السلطة بمعناه الإداري فقط، بل تنتقل مباشرة إلى ما تعتبره عقدة مركزية في أي انتقال جدي، وهي العدالة. فاستدعاء الشهداء والضحايا، في منطق خطاب الجلاء، ليس دعوة إلى التأثر العابر، بل إلى حمل مسؤولية سياسية وأخلاقية واضحة. من هنا تقول الدراسة إن تمجيد الضحايا أسهل كثيراً من إنصافهم، لأن الذاكرة تستطيع أن تنتج خطاباً عالياً، لكنها لا تكشف وحدها الحقيقة، ولا تفتح الملفات، ولا تحدد المسؤوليات، ولا تمنع التكرار.

وفي السياق السوري الحالي، تزداد هذه النقطة حساسية. فالدراسة تشير إلى أن فتح باب العدالة الانتقالية والمفقودين، من حيث المبدأ، خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده. النجاح يتوقف على ما إذا كانت الحقيقة ستتحول إلى إجراءات، وما إذا كانت المساءلة ستبقى جزءاً من البناء المؤسسي، لا مادة للاستهلاك الرمزي. لذلك لا تقيس الدراسة صدقية هذا الملف بعلو اللغة الأخلاقية، بل بقدرة الدولة على أن تجعل الضحايا طرفاً في المستقبل، لا مجرد عنوان يُستدعى حين يلزم.

وطن لا يُدار بمنطق الغلبة

وتتوسع الدراسة بعد ذلك في معنى الشراكة الوطنية. فحين وزع القوتلي التحية، يوم الجلاء، على شرائح المجتمع كلها، لم يكن يمارس بلاغة احتفالية، بل كان يرسم تعريفاً سياسياً للوطن بعد الاستقلال. أمة واسعة، لا تختزل في نخبة، ولا تُختصر في مدينة أو حزب أو جماعة ترى نفسها أحق من غيرها بامتلاك الدولة أو وراثة معناها.

هذا المعنى يبدو اليوم أشد إلحاحاً. فالدراسة ترى أن البلد خرج من الحرب مثقلاً بسرديات متنافسة عن الألم والتضحية والشرعية والتمثيل. وفي مثل هذا المناخ، لا يكفي أن تعلن السلطة أن الدولة لجميع السوريين. المعيار الحقيقي هو كيف تُدار الثقة العامة، ومن يشعر أنه شريك كامل في بلده، ومن يُدفع إلى الهامش كأنه أقل استحقاقاً. لذلك تبدو الفكرة هنا صارمة وواضحة. قد تنجح الدولة في تثبيت مركزها، لكنها تخسر معنى الوطن إذا أُعيد بناء المجال العام على درجات متفاوتة من القرب والبعد.

القانون قبل الطمأنينات

وفي قلب هذا كله، تعود الدراسة إلى مسألة سيادة القانون بوصفها معياراً حاسماً. تحذير القوتلي من علو أي سلطان على سلطان القانون لم يكن، في قراءتها، عبارة دستورية عامة، بل تنبيهاً مبكراً إلى أن التحرر الخارجي قد يفقد معناه إذا أعقبه خضوع داخلي لسلطة غير مقيدة. ولهذا تميّز الدراسة بوضوح بين دولتين. دولة تجعل القوة خاضعة للقواعد، ودولة تجعل القواعد تابعة للقوة.

ومن هذه الزاوية، تضع الدراسة اختباراً بسيطاً لكنه قاس. الناس لا يختبرون العدالة في النصوص وحدها، بل في المحكمة، وفي السجل العقاري، وفي البلدية، وفي المؤسسة الأمنية، وفي قدرتهم على الاعتراض من دون خوف. لذلك فإن الاستقرار، على أهميته، لا يكفي إذا جاء منفصلاً عن مسارات عدلية ورقابية ومؤسسية. الدولة قد تملأ الفراغ بسرعة، لكن الشرعية لا تكتمل إذا شعر المواطن أن قدرتها عليه سبقت قدرتها له.

الدولة تُقاس أيضاً بالخبز والإدارة

ولا تفصل الدراسة بين السياسة والمعيشة. على العكس، هي تعتبر أن هذا الفصل يضلل فهم معنى الاستقلال نفسه. حين يتحدث القوتلي عن مجادلة الفقر وتبديد الجهل، تقرأ الدراسة ذلك بوصفه انتقالاً من السيادة المجردة إلى شروط الحياة الفعلية. فالاستقلال لا يظهر في الخطب وحدها، بل في المدرسة، والمشفى، والماء، والكهرباء، والسجل المدني، وفي قدرة الدولة على إدارة الندرة من دون أن تتخلى عن فكرة الإنصاف.

ومن هنا تنظر الدراسة إلى خلل الإدارة بوصفه مسألة سياسية كاملة، لا ملفاً خدماتياً ثانوياً. فالدولة التي لا تحسن ترتيب أولوياتها، ولا تملك إدارة فعالة، ولا تستطيع تحويل الموارد المحدودة إلى سياسات قابلة للقياس، ستبقى عالقة في لغة التعافي من دون أن تمس حياة الناس فعلاً. ولهذا تضع الدراسة الوظيفة العامة في موقع متقدم. ليس لأن الكفاءة شعار إداري حسن الصياغة، بل لأن الدولة التي تملأ مؤسساتها بشبكات الثقة فقط، أو بمنطق القرب والولاء، تضعف نفسها حتى وهي تعتقد أنها تحميها.

من الوعد إلى الضمانة

ثم تمضي الدراسة إلى نقطة أكثر مباشرة. المشكلة في المراحل الانتقالية ليست دائماً في نقص الوعود، بل في نقص الأدوات التي تجعل هذه الوعود ملزمة. ولهذا تستعيد من خطاب الجلاء تلك المفارقة القديمة بين إعلان الحقوق ثم التراجع عنها حين تقترب من أن تصبح نافذة. والدرس هنا لا يتعلق بالانتداب وحده، بل بكل سلطة تميل إلى تقديم التطمينات السياسية بدل بناء الضمانات المؤسسية.

في هذا السياق، تصبح النصوص، والهيئات، والرقابة، وآليات الطعن، وحق الاعتراض، جزءاً من المعنى العملي للعدالة والسيادة، لا كماليات يمكن تأجيلها إلى ما بعد الاستقرار. فالمسألة، كما تعرضها الدراسة، ليست في حسن النية المعلن، بل في البنية التي تحول الوعد إلى التزام، والالتزام إلى حق قابل للدفاع عنه. ولهذا تبدو الفجوة بين الخطاب والمؤسسة أخطر من أي نقص في البلاغة أو الطمأنة العامة.

الخارج، حين يصبح جزءاً من سؤال السيادة

ولا تذهب الدراسة إلى دعوة انكفائية، ولا تتعامل مع الانفتاح الخارجي بوصفه شبهة بحد ذاته. لكنها تقول بوضوح إن الحاجة إلى الدعم والخبرة والتمويل لا تلغي سؤال المصلحة الوطنية، بل تجعله أكثر إلحاحاً. فالدول الخارجة من الحرب لا تختبر سيادتها فقط في مواجهة الاحتلال المباشر، بل تختبرها أيضاً في طريقة إدارة حاجتها إلى الخارج، وفي قدرتها على تحديد الأولويات التي لا يجوز أن تُفرض عليها من خارجها.

هنا تكتسب وصية القوتلي بشأن الانفتاح على قدم المساواة معناها الراهن. المطلوب ليس قطيعة مع العالم، بل قدرة تفاوضية تعرف ما الذي يجب حمايته، وما الذي يمكن التفاوض عليه، وما الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها الشراكة مهما اشتدت الحاجة. وفي هذا المعنى، ترى الدراسة أن السيادة الحديثة لا تُقاس فقط بالعلم والحدود، بل بقدرة الدولة على تعريف مصلحتها وهي في قلب لحظة ضعف وتعافٍ في آن واحد.

خاتمة

الخلاصة التي تخرج بها الدراسة ليست معقدة، لكنها ثقيلة المعنى. الجلاء لا يكتمل حين يخرج الأجنبي فقط، ولا حين تسقط سلطة قديمة فقط. يكتمل حين تنجح الدولة في أن تخرج من رمزية التحرر إلى مؤسسية الحكم، ومن الذاكرة إلى العدالة، ومن الوعد إلى الضمانة، ومن الخطاب العام إلى حماية ملموسة يشعر بها الناس في يومهم العادي.

بهذا المعنى، لا يعود خطاب القوتلي نصاً محفوظاً من الماضي، بل معياراً لفحص الحاضر. فإذا قامت دولة القانون، واتسعت الشراكة الوطنية، وصارت الكفاءة معياراً للوظيفة العامة، وتحول الانفتاح الخارجي إلى أداة تعافٍ لا مدخلاً جديداً للاعتماد، عندها فقط يصبح الجلاء درساً حياً. وما عدا ذلك، يبقى الاستقلال ناقصاً، حتى لو بدا مكتملاً في اللغة.

اقرأ أيضاً: قسموا السوريين من قبل لكنهم عادوا ليبنوا دولة واحدة!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.