الكاتب: أحمد علي
لا يمكن النظر إلى خروج أول شحنة فيول عراقي من بانياس على أنه تفصيل شحن عابر. الحدث صغير إذا قيس بحجم تجارة الطاقة في المنطقة، لكنه ليس صغيراً في دلالته. فحين يفتح العراق منفذاً إضافياً تحت ضغط الاختناق في الخليج، وحين تعود سوريا لتقدم نفسها بوصفها ممر عبور وتخزين وتحميل، فإن المسألة تتجاوز حركة الصهاريج والناقلات. ما يظهر هنا هو اختبار لوظيفة جديدة قد تبقى، أو قد تتراجع إذا انطفأت دوافعها. لكن مجرد حصولها على الأرض يكفي كي يفرض سؤالاً واضحاً، ماذا يعني تصدير الفيول العراقي عبر سوريا فعلاً.
الجواب لا يبدأ من البحر، بل من الأزمة. الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز خلال الحرب جعل العراق أمام اختناق مباشر في أحد أهم شرايينه التصديرية. رويترز نقلت عن مسؤولين في قطاع الطاقة أن خزانات التخزين امتلأت، وأن الإنتاج في الحقول الجنوبية تراجع بنحو 80 في المئة، ليهبط إلى قرابة 800 ألف برميل يومياً. عند هذه النقطة لم يعد البحث عن مخرج إضافي ترفاً فنياً. صار ضرورة تشغيلية. ومن هنا اكتسب المسار السوري وزنه، لا لأنه الأرخص أو الأسهل، بل لأنه كان متاحاً حين ضاقت الخيارات الأخرى.
تصدير الفيول العراقي عبر سوريا بين الضرورة والاختبار
بداية المسار كانت عملية وواضحة. في الأول من نيسان دخلت أولى قوافل الفيول العراقي إلى الأراضي السورية عبر معبر التنف، واتجهت إلى منشآت التخزين ثم إلى مصب بانياس. الشركة السورية للبترول قالت إن القافلة الأولى ضمت 299 صهريجاً، وقدمت الخطوة على أنها تمهيد لإعادة التصدير إلى الأسواق العالمية. بعد ذلك بأيام، وتحديداً في 15 نيسان، أعلنت الشركة بدء تحميل أول شحنة على الناقلة «أساهي برنسيس». وكالة الأناضول ذكرت أن حمولة الناقلة تقارب 85 ألف طن، وأن التحميل مرشح للاستمرار نحو ثلاثة أيام تبعاً للظروف الجوية. بهذا المعنى، لم يبق المشروع في مستوى التسريب أو النية، بل انتقل إلى التنفيذ الفعلي.
لكن التنفيذ وحده لا يكفي لفهم الحجم الحقيقي للخطوة. رويترز كانت قد ذكرت في 31 آذار أن شركة تسويق النفط العراقية «سومو» أبرمت عقوداً لتوريد نحو 650 ألف طن من الفيول شهرياً بين نيسان وحزيران، على أن تُنقل الكميات براً عبر سوريا. في المقابل، قال مسؤول في الشركة السورية للبترول إن التدفقات المتوقعة قد تبلغ نحو 500 ألف طن شهرياً.
الفارق بين الرقمين ليس تفصيلاً حسابياً فقط. هو إشارة إلى أن الممر ما زال في مرحلة التثبيت العملي، وأن الصورة النهائية لكميات العبور لم تستقر تماماً بعد. ومع ذلك، فإن جوهر المشهد لا يتغير. هناك مسار بدأ، وهناك كميات فعلية تتحرك، وهناك جهة عراقية وجهة سورية تتعاملان معه بوصفه أكثر من حل مؤقت ليوم أو يومين.
هذا يفسر اللغة التي رافقت الإعلان من الجانبين. بغداد تحدثت عن منفذ تسويقي جديد يمكن الاستفادة منه الآن وفي المستقبل. دمشق شددت على استعادة دورها ممراً إقليمياً آمناً للطاقة. الفارق في الصياغة مفهوم، لكن المعنى المشترك واضح. العراق يريد تقليل انكشافه الكامل على الخليج عندما يضطرب هرمز، وسوريا تريد أن تستعيد وظيفة اقتصادية فقدتها طوال سنوات الحرب والعقوبات والتعطل اللوجستي. لذلك فإن الشحنة الأولى لا تعني فقط أن الفيول خرج من بانياس، بل تعني أيضاً أن الطرفين يحاولان اختبار ما إذا كان بالإمكان تحويل الضغط العابر إلى ممر يمكن البناء عليه لاحقاً.
هنا تظهر أول دلالة ثقيلة في الخبر. العراق لم يلجأ إلى سوريا لأن الطريق البري أفضل من المسار البحري. العكس هو الصحيح. رويترز وصفت الطريق البري عبر سوريا بأنه أكثر تعقيداً وكلفة من الشحن البحري، كما أشارت إلى أن العراق لم يستخدمه منذ عقود. أي أن اللجوء إليه جاء من باب الضرورة أولاً. لكن هذا لا يسحب منه أهميته. أحياناً تكشف لحظة الاختناق عن قيمة ما كان مهملاً في الظروف العادية. وهذا ما حدث هنا. الجغرافيا السورية عادت إلى الطاولة لأن الجغرافيا الخليجية تعثرت.
ما الذي تكسبه سوريا من هذا المسار
الفائدة السورية ليست رمزية فقط. المسؤولون في الشركة السورية للبترول تحدثوا عن تنشيط حركة العبور وتوليد إيرادات من رسوم الترانزيت، وعن إعادة تشغيل جزء من البنية اللوجستية المرتبطة بالنقل والتخزين والمرافئ. هذا مكسب مباشر وواضح، لأن المرافئ السورية خرجت خلال سنوات طويلة من دائرة الفعالية الإقليمية في تجارة الطاقة. إعادة استخدامها بهذه الطريقة لا تعني استعادة المكانة السابقة دفعة واحدة، لكنها تعني أن هناك وظيفة اقتصادية تعود إلى العمل.
الشق الآخر أكثر حساسية. العملية تختبر قدرة البنية التحتية نفسها على تحمّل تدفقات منتظمة. المسؤولون السوريون قالوا إن المحطتين T2 وT3 تعرضتا لأضرار خلال سنوات الحرب، وإن المحطة T4 تعمل حالياً بوصفها الأساس في نقل الإمدادات من العراق إلى بانياس. هذه ليست ملاحظة تقنية هامشية. هي في قلب القصة. لأن الحديث عن عودة سوريا ممراً للطاقة يفترض وجود شبكة قادرة على الصمود، لا مجرد ممر مفتوح على الورق. لذلك فإن نجاح الشحنة الأولى مهم، لكنه لا يحسم شيئاً بمفرده. الاختبار الحقيقي هو الانتظام، ثم القدرة على الاستمرار، ثم كلفة التشغيل مقارنة بالبدائل الأخرى.
وهناك زاوية ثالثة لا ينبغي تجاهلها. بعض التصريحات السورية ألمحت إلى أن الاتفاق لا يقتصر على العبور فقط، بل يتيح لسوريا، إذا كانت الأسعار مناسبة، شراء جزء من الفيول لتلبية حاجات محلية، وخاصة في قطاع الكهرباء. هذا لا يرقى إلى حل أزمة الطاقة السورية. لكنه يضيف بعداً عملياً للصفقة. فدمشق تنظر إلى العملية من زاويتين في آن واحد، زاوية الرسوم والعوائد من جهة، وزاوية الاستفادة الممكنة من جزء من الكميات العابرة من جهة أخرى. وحين تجتمع الوظيفتان، يصبح للممر وزن أكبر من مجرد كونه قناة عبور لغيره.
هل نحن أمام حل إسعافي أم مسار أوسع
الوقائع تسمح بقراءتين في الوقت نفسه. القراءة الأولى تقول إن ما حدث ولد من أزمة محددة، وأنه قد ينكمش إذا تراجعت الضغوط. العقود وُقعت بعد تعطل الشحن عبر الخليج، والقوافل بدأت تتحرك تحت ضغط الحاجة إلى متنفس سريع، وحتى التعامل الدولي مع الملاحة في هرمز بقي حذراً بعد إعلان وقف إطلاق النار. رويترز نقلت في 17 نيسان أن المرور التجاري في المضيق أصبح مفتوحاً خلال الهدنة، لكن شركات الشحن ظلت تنتظر مزيداً من الإيضاحات قبل العودة الكاملة. إذا استقرت الملاحة البحرية وعادت الكلفة إلى مستوياتها الاعتيادية، فمن الطبيعي أن يستعيد المسار البحري أفضليته على الطريق البري الأعلى كلفة والأكثر تعقيداً.
لكن القراءة الثانية تقول إن الأزمات الكبرى لا تنتهي عادة عند حدودها المباشرة. هي تترك وراءها حسابات جديدة. معبر التنف ـ الوليد أُعيد افتتاحه في 2 نيسان بعد إغلاق دام 11 عاماً. التصريحات السورية تحدثت عن عقود طويلة الأجل إذا نجحت المرحلة التجريبية. والتصريحات العراقية عن فتح طريق تسويقي جديد لا تبدو لغة عابرة بالكامل. ما يتشكل هنا هو إدراك متأخر، لكنه واضح، بأن الاعتماد شبه الكامل على منفذ واحد في الخليج يجعل العراق شديد الهشاشة عندما يختنق ذلك المنفذ. لذلك فإن قيمة المسار السوري لا تُقاس فقط بحجم ما ينقله الآن، بل أيضاً بنوع المرونة التي يضيفها إلى شبكة التصدير العراقية في المستقبل.
هذه النقطة هي الأهم. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان بانياس سيحل محل هرمز. هذا غير مطروح أصلاً. السؤال هو ما إذا كان العراق، بعد هذه التجربة، سيقبل بالعودة إلى وضع تكون فيه كل منافذه الفعلية مربوطة بجغرافيا واحدة قابلة للاختناق. هنا تظهر الدلالة الاستراتيجية للمسار السوري. ليس بوصفه بديلاً كاملاً، بل بوصفه هامش حركة إضافياً. وفي أسواق الطاقة، قد تكون قيمة الهامش كبيرة جداً عندما تضيق الخيارات.
ما الذي يقوله الحدث عن المنطقة كلها
الخبر يقول شيئاً عن العراق، ويقول شيئاً عن سوريا، لكنه يقول شيئاً عن المشرق أيضاً. العراق اضطر إلى تنويع طرقه لأنه اكتشف عملياً هشاشة الاعتماد المفرط على الخليج. وسوريا تحاول العودة إلى الإقليم لا عبر الخطاب، بل عبر الوظيفة. وظيفة عبور وتخزين وتحميل وربط بين مورد بري ومصب بحري. هذا لا يعني أن الممر الجديد صار مستقراً أو مضموناً أو واسع التأثير من اليوم الأول. لكنه يعني أن الجغرافيا السورية ما زالت قابلة للاستدعاء عندما تتقاطع الحاجة مع الإمكان.
والأهم أن هذا الاستدعاء لم يعد نظرياً. كان من السهل، قبل أشهر قليلة، التعامل مع أي حديث عن مسار طاقة عراقي عبر سوريا على أنه طرح غير عملي أو مؤجل. الآن صار المسار موجوداً، ولو في إطار محدود ومختبر. وهذا يبدل شيئاً أساسياً في التفكير السياسي والاقتصادي معاً. فالأزمات لا تعيد توزيع الكلفة فقط، بل تعيد توزيع المعنى أيضاً. وما كان يعد مستبعداً قد يصبح فجأة خياراً مطروحاً على الطاولة، ليس لأنه مثالي، بل لأنه ممكن.
الخلاصة هنا بسيطة، وهي أن تصدير الفيول العراقي عبر سوريا لا يعني انقلاب خريطة الطاقة في المنطقة، ولا يعني أن بانياس صار بديلاً كاملاً عن هرمز. ما يعنيه حتى الآن هو أن أزمة كبرى دفعت العراق إلى فتح منفذ جديد، ودفعت سوريا إلى اختبار قدرتها على استعادة دور العبور. وإذا استمرت الكميات، وانتظمت العقود، وتراجعت العوائق اللوجستية، فقد يتحول هذا المسار من حل أزمة إلى جزء ثابت من حسابات التصدير والطاقة في المشرق. وإذا لم يحدث ذلك، فستبقى هذه التجربة دليلاً على حقيقة لا يمكن تجاهلها، أن الجغرافيا السورية، حين تتلاقى الضرورة مع الإرادة، ما زالت تملك قدرة العودة إلى الخريطة.
اقرأ أيضاً: شرق سوريا تحت الضغط: ماذا تكشف هجمات المسيّرات القادمة من العراق؟