بقلم هلا يوسف
أحدثت وزارة الأوقاف موجة من البلبلة بعد تصريحات لأحد مسؤوليها بأن الوزارة استدعت الوثائق العثمانية من تركيا لمعرفة الأراضي الوقفية في سوريا، وهذا ينطبق على الأوقاف المسجلة على أنها خيرية. لكن هناك نوع آخر من الأوقاف يدعى بالوقف الذري الذي بدأت الإشكالات تظهر عليه بعد اعتراض آل السباعي بحمص على تسليم منزولهم لمديرية الأوقاف. لذلك في هذا المقال سنتناول قصة هذا المنزول الذي له مكانة تاريخية عريقة، وماذا يعني الوقف الذري وكيف يجب التعامل معه بناءً على القانون.
تفاصيل النزاع حول المنزول وموقف العائلة
اعتبر آل السباعي قرار مديرية الأوقاف الخاص بتسليم منزولهم لها بأنه قرار جائر وغير قانوني، ودعوا إلى تدخل رئاسة الجمهورية والحكومة لوقفه. إذ يتمسك مجلس أمناء آل السباعي بالمنزول لاعتباره وقفاً ذرياً عائلياً يعود تاريخه إلى أكثر من 800 عام، ويقع في حي بني السباعي داخل حمص القديمة. ويؤكد المجلس أن العقار لم يكن يوماً ملكية خاصة قابلة للتصرف، بل مؤسسة عائلية ذات طابع اجتماعي وخيري حافظت على دورها عبر قرون متعاقبة.
وبحسب بيان العائلة فإن أصل الوقف يعود إلى “نائلة السباعي”، زوجة القائد نور الدين زنكي، التي وهبت العقار ليكون منتدى اجتماعياً وخيرياً للعائلة. ومنذ ذلك الوقت، ظل المنزول مركزاً للقاءات العائلية والفعاليات الاجتماعية، كما احتفظ بدوره الرمزي داخل النسيج الاجتماعي للعائلة والحي.
وتشير العائلة إلى أن الموقع يضم ضريح الواقفة نائلة السباعي، مما يضيف له بعداً تاريخياً وروحياً. كما تؤكد أنه لم يتلق أي دعم مادي من وزارة الأوقاف أو أي جهة حكومية طوال العقود الماضية، وأن جميع أعمال الصيانة والترميم كانت بتمويل ذاتي، وكان آخرها عام 2022، بهدف الحفاظ على البناء المصنوع من حجر البازلت الأسود، بوصفه أحد أقدم الأبنية المتبقية في أحياء حمص القديمة.
وبخصوص موقفها من القرار، أعلنت العائلة رفضها القاطع لتسليم المنزول، مؤكدة أنها “لن تنصاع لأي قرار يفضي إلى الإخلاء بهذه السهولة”، وداعية إلى تشكيل لجنة وزارية مستقلة للفصل قانونياً وشرعياً في النزاع مع مديرية الأوقاف. كما أبدت استعدادها لاستقبال لجان خبرة متخصصة لإثبات ملكية الوقف الذري، مع التشديد على أن أي محاولة للإخلاء تخالف شروط الوقف التاريخية.
الوقف الذري وسياقه التاريخي والقانوني
لا يمكن عرض هذا النزاع دون معرفة جوانبه المتعددة، وكيف يصنف القانون هذا الوقف. لذلك لا بد من العودة إلى مفهوم “الوقف الذري” الذي يُّعرف على أنه نظام قانوني واجتماعي قديم يقوم على تخصيص مال أو عقار لصالح ذرية الواقف، بحيث يحبس الأصل ولا يباع ولا يشترى، بينما يوزع ريعه على الأبناء والأحفاد وفق شروط محددة. وعند انقطاع النسل، غالباً ما يعود الوقف إلى جهات خيرية أو دينية أو عامة.
وبالنسبة إلى سوريا، ارتبط هذا النظام بتاريخ طويل من التشريعات العثمانية، خاصة المجلة العدلية المستمدة من الفقه الحنفي الذي ساد في البلاد منذ العهد العثماني. وقد امتد تأثير الوقف الذري ليشكل جزءاً مهماً من البنية الاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً في المدن التاريخية مثل دمشق وحلب وحمص، حيث انتشرت الأوقاف العائلية التي حافظت على ممتلكات الأسر عبر أجيال طويلة.
ورغم أن الوقف الذري كان ينظر إليه تقليدياً كوسيلة لحماية الثروة العائلية من التشتت، وضمان دخل ثابت للذرية، إلا أنه أثار جدلاً واسعاً فيما بعد بسبب تأثيراته الاقتصادية والاجتماعية. فقد أدى في كثير من الحالات إلى تجميد أجزاء من السوق العقارية، ومنع تداول العقارات الموقوفة، مما انعكس على ارتفاع الأسعار وتقليل مرونة السوق.
كما أن هذا النظام ساهم في تعقيد العلاقات بين الورثة، إذ كثيراً ما تنشأ نزاعات قانونية حول تفسير شروط الوقف أو تحديد المستحقين. وفي الوقت نفسه، يرى بعض الباحثين أنه أسهم في ترسيخ الامتيازات العائلية والطبقية، بينما يعتبره آخرون ضمانة اجتماعية تحمي الأسر من الفقر أو فقدان الممتلكات في أوقات الأزمات.
وقد قالت بعض المصادر أنه عند النظر إلى المدن الكبرى، فقد امتد تأثير الأوقاف الذرية إلى تجميد أحياء كاملة، حيث أصبحت بعض العقارات غير قابلة للبيع أو التطوير، مما أدى إلى حالة من الجمود العمراني. كما تحولت هذه الأوقاف أحياناً إلى مصدر للنزاعات القضائية المعقدة، وبالتالي دفعت بعض القانونيين إلى اعتبارها أحد أسباب بطء التطوير العقاري في المدن التاريخية.
تغييرات على قانون الوقف الذري
بعد الاطلاع على مسار الوقف الذري منذ نشأته، قامت الدولة السورية الحديثة بعد الاستقلال بعدة إصلاحات في ملف الأوقاف. أدركت الحكومات السورية ضرورة تنظيم الأوقاف الذرية أو الحد منها، ومن بينها حكومات الإصلاح في منتصف القرن العشرين، التي ناقشت ضرورة تحديث الإطار القانوني للأوقاف بما يتماشى مع الدولة الحديثة.
ومن أبرز المحطات في هذا السياق، ما حدث بعد انقلاب حسني الزعيم عام 1949، حيث تم اتخاذ خطوة قانونية مهمة تمثلت في إيقاف إنشاء الأوقاف الذرية الجديدة، مع الإبقاء على الأوقاف القائمة دون إلغائها. وقد اعتُبر هذا القرار محاولة إصلاحية لتجميد توسع هذا النظام دون الدخول في صدام مباشر مع العائلات المالكة للأوقاف القديمة، التي كانت قد ترسخت عبر قرون.
كما ارتبطت فترة حكم الزعيم بمحاولة تبني إصلاحات أوسع في البنية القانونية، تضمنت الحديث عن المواطنة والمساواة، بل وحتى مشروع دستور تضمن ملامح متقدمة في حينه، من بينها الإشارة إلى مبادئ حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1948. كما كلفت لجنة قانونية بإعداد قانون مدني جديد يجمع بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، في محاولة لتجاوز القيود التاريخية للنظام القانوني العثماني.
لكن هذه الإصلاحات لم تكتمل بسبب قصر عمر انقلاب الزعيم والتقلبات السياسية التي أعقبته، وبقي ملف الأوقاف الذرية معلقاً دون حل جذري، مع استمرار الجدل حوله حتى اليوم.
ختاماً، لا يمكن حسم قضية منزول آل السباعي دون الرجوع إلى سجلات هذا الوقف. ففي حال كان وقفاً ذرياً ولم يطرأ عليه أي تعديل قانوني ينقله إلى إدارة أو استحواذ الجهة العامة عليه، هنا تبقى الأحقية للعائلة. إلا في حال إصدار وزارة الأوقاف قانوناً يلغي الأوقاف الذرية السابقة قبل قانون تجميد التسجيل الصادر عام 1949. ويبقى الحل الأمثل إيجاد صيغة توافقية بين العائلة والوزارة حتى يبقى هذا المنزول صرحاً تاريخياً وثقافياً يحوي ذاكرة اجتماعية لمدينة عريقة كحمص.
اقرأ أيضاً: الحرف والحرفيين في سوريا.. تراث يصارع من أجل البقاء!