منوعات

تعيينات الدبلوماسية السورية تحت المجهر: كفاءات مغمورة أم ولاءات فقط؟

تعيينات الدبلوماسية السورية تحت المجهر: كفاءات مغمورة أم ولاءات فقط؟

بقلم هلا يوسف

يعد السلك الدبلوماسي من القطاعات التي تبرز حساسيتها في المواقف المحرجة والصعبة، ولا سيما في سوريا، نظراً لوجود أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في مختلف دول العالم بعد الحرب. وهو ما يستوجب وجود بعثات دبلوماسية قوية وقادرة على التفاوض بشأن مطالب المغتربين وتمثيل مصالحهم. غير أن التعيينات الجديدة لقائمي الأعمال في عدد من السفارات السورية حول العالم أثارت جدلاً واسعاً، تمحور حول مستوى الخبرة التي يمتلكها المعينون، ونوعية التدريب الذي خضعوا له، إضافة إلى حصر هذه التعيينات ضمن دائرة مقربة من الحكومة. في هذا المقال، سنستعرض أبرز ردود الفعل على هذه التعيينات، وآلية التدرج الوظيفي في السلك الدبلوماسي، إلى جانب أهم ما أُثير حول الإعلان عن دورة المعهد الدبلوماسي.

أثارت تسريبات وتعيينات حديثة في وزارة الخارجية السورية، شملت مناصب قائمين بالأعمال ورؤساء بعثات دبلوماسية في عدد من العواصم العربية والدولية المؤثرة، موجة واسعة من الجدل في الشارع السوري وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وترافق هذا الجدل مع تساؤلات متزايدة حول معايير اختيار الأسماء، وخلفياتهم المهنية، ومدى التزام الوزارة بالأعراف الدبلوماسية المعتمدة، إضافة إلى مصير الدبلوماسيين المنشقين عن النظام السابق، ودور المعهد الدبلوماسي في إعداد كوادر جديدة.

ولم يقتصر النقاش على الأشخاص المعينين فحسب، بل اتسع ليشمل آليات اتخاذ القرار داخل الوزارة، وغياب الشفافية في الإعلان عن التعيينات والمسابقات، ومخاوف من إعادة إنتاج أنماط إدارية وسياسية سبق أن تعرضت لانتقادات واسعة خلال السنوات الماضية في عهد النظام السابق.

ردود فعل متباينة

أحدثت التعيينات انقساماً واضحاً بين السوريين، حيث اعتبر معارضوها أنها تمثل خللاً إدارياً وفضيحة سياسية، بينما رأى مؤيدوها أنها خطوة طبيعية ضمن صلاحيات وزارة الخارجية، وجزء من عملية إعادة هيكلة أوسع بعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد.

وانتقد معارضون اختيار شخصيات وصفوها بأنها غير معروفة للرأي العام، أو لا تمتلك خبرة دبلوماسية كافية لتولي مناصب حساسة في دول كبرى، مشيرين إلى أن معظم الأسماء ارتبطت بمنظومة سياسية واحدة، وعملت سابقاً في إدارة الشؤون السياسية في إدلب شمال سوريا، ما اعتبره كثيرون عودة إلى منطق الاختيار السياسي لا المهني، وجرى تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي تحت شعار ساخر مفاده “كلو من إدلب”.

ومن أبرز التعيينات التي أثارت الجدل اختيار محمد براء شكري قائماً بأعمال السفارة السورية في ألمانيا، وهو يشغل منذ أيار 2025 منصب مدير إدارة الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية. واعتبر منتقدون أن جمعه بين المنصبين، وحداثة خبرته الدبلوماسية التي لا تتجاوز عاماً واحداً، إضافة إلى كونه نجل وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، يعزز اتهامات “بالمحسوبية” وتغليب العلاقات العائلية على الكفاءة.

كما جرى تعيين العقيد أشهد صليبي قائماً بأعمال السفارة السورية في موسكو، بعد نحو عشرة أشهر على صدور قرار نقل السفير السابق بشار الجعفري إلى الإدارة العامة في دمشق، وهو القرار الذي رفض الجعفري تنفيذه. وأثار هذا التعيين تساؤلات حول طريقة التعامل مع السفراء القدامى، وحدود القرارات الإدارية والسياسية داخل الوزارة.

وشملت التعيينات أيضاً أسماء مثل محمد قناطري قائماً بأعمال السفارة السورية في الولايات المتحدة، وزكريا لبابيدي في الصين، ومحمد مهباش في السعودية، ومحمد الأحمد في مصر، إلى جانب عواصم أخرى وصفت بأنها محورية بالنسبة إلى السياسة الخارجية السورية.

في المقابل دافع مؤيدو الحكومة عن هذه التعيينات، معتبرين أنها قرارات روتينية تدخل ضمن اختصاص وزارة الخارجية وحدها، وأن الهجوم على الدبلوماسيين الجدد غير مبرر وغير منطقي، خاصة في ظل مرحلة انتقالية تحتاج إلى الاستقرار ومنح الفرصة للكوادر الشابة. وأكد هؤلاء أن البلاد تحتاج إلى وقت للتحسن والتطور، وأن خدمة سوريا مسؤولية وطنية جامعة لا يجوز التشكيك بها مسبقاً.

وأعاد الجدل فتح ملف الدبلوماسيين المنشقين عن النظام السابق، وعلى رأسهم جهاد مقدسي، المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية والمقيم في الولايات المتحدة. وتساءل ناشطون عن سبب عدم إشراكه هو أو غيره من الدبلوماسيين المنشقين في مواقع مؤثرة، لا سيما أنهم يمتلكون خبرة طويلة وشبكات علاقات دولية. ورد مقدسي في منشور له مهنئاً بتعيين القائمين بالأعمال، معتبراً أن افتتاح السفارة في واشنطن خبر إيجابي وسعيد للجالية السورية، ومتمنياً التوفيق لهم جميعاً.

كما أثار ناشطون مسألة مصير عشرات الدبلوماسيين المنشقين الذين انضموا إلى صفوف الثورة منذ عام 2011، مؤكدين أن كثيرين منهم أعلنوا استعدادهم الكامل لوضع خبراتهم في خدمة وزارة الخارجية، ضمن إطار تكاملي يهدف إلى تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز الدور الدولي لسوريا، متسائلين عن سبب تغييبهم أو إعادة بعضهم من دون تحديد أدوار واضحة.

التدرج الوظيفي للمنصب بين الأعراف الدبلوماسية والقرارات السياسية

فتح الجدل حول التعيينات السابقة تساؤلات حول مسألة التدرج الوظيفي في السلك الدبلوماسي، وهي مسألة يعدها دبلوماسيون سابقون جوهرية لضمان مهنية العمل الخارجي. ويوضح هؤلاء أن الدبلوماسي يبدأ عادة برتبة سكرتير ثالث، ويمضي ما لا يقل عن ثلاث سنوات في هذه الدرجة، قبل أن يتم ترقيته إلى سكرتير ثاني، ثم سكرتير أول، ثم مستشار، فوزير مفوض، وصولاً إلى رتبة سفير، وهي رحلة مهنية قد تمتد من 15 إلى 30 عاماً.

ويرى منتقدو التعيينات الأخيرة أن القفز فوق هذا السلم الوظيفي، وتعيين أشخاص حديثي الخبرة أو يعملون بعقود مؤقتة في مناصب عليا، يشكل مخاطرة كبيرة بمصالح الدولة السورية في الخارج، وبمصالح الجاليات السورية، خاصة في عواصم تتطلب خبرة عميقة في السياسة والاقتصاد والقانون والإعلام.

وفي هذا السياق، عبر المستشار المالي عبد السلام المبروك عن استغرابه من طريقة التعيينات، معتبراً أنها جاءت بقرار سياسي، ومشيراً إلى أن النظام السابق كان يمنح هذه الدرجات بقرارات سياسية متجاوزاً الخبرات، وأن الثورة السورية جاءت لتصحح المسار، وبالتالي يجب عدم تكرار تلك الممارسات.

بدوره قال السياسي السوري طلال عبد الله جاسم إن آليات التعيين والتأهيل ومعاييره لم تتضح بعد، ولم تعرض كفاءات الأشخاص الذين جرى اختيارهم، في مقابل غياب شبه كامل للسفراء المنشقين والسياسيين السوريين المعروفين بخبراتهم الواسعة. وأضاف أن استمرار بقاء عدد من السفراء وموظفي السفارات الذين عينهم النظام السابق لخدمة أجهزته الأمنية يثير القلق، خاصة في ظل غياب تفسيرات مقنعة من الإدارة الجديدة.

وحذر جاسم من أن تعيين أشخاص من دون امتلاكهم الخبرة العلمية والتقنية والمهنية اللازمة يعد مخاطرة بمصالح الدولة، وبمستقبل هؤلاء الشبان أنفسهم، لأن التحديات المطروحة أمام البعثات الدبلوماسية تشمل إعادة تفعيل العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، والتواصل مع مراكز القرار والإعلام، وتنظيم شؤون الجاليات في بيئات تعاني انقسامات حادة.

في المقابل رأى مؤيدو هذه التعيينات أنها موفقة، وتستند إلى ضرورة الاعتماد على الكفاءات الجديدة والوجوه الشابة، مؤكدين أن وزارة الخارجية أثبتت خلال عام من العمل المتواصل بعد التحرير في كانون الأول 2024 كفاءة عالية، وأن منح الفرصة للدبلوماسيين الشبان أمر ضروري لإثبات قدراتهم على أرض الواقع، وليس من المبرر .

المعهد الدبلوماسي وغياب الشفافية

بالعودة إلى عدة أشهر سابقة، انتشر خبر تخريج الدفعة الأولى من المتدربين في المعهد الدبلوماسي بدمشق، والتي ضمت 103 أشخاص، من بينهم ثلاث سيدات فقط، مما أثار تساؤلات مبكرة حول التمثيل المتوازن بين الجنسين، إضافة إلى تساؤلات أوسع عن معايير الاختيار وآليات الانتقاء.

وأثارت هذه الخطوة بوقتها انتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر ناشطون وكتاب أن العديد من المقبولين لا يمتلكون خبرة دبلوماسية أو مهنية، وأن الاختيار جرى على أسس ولائية أو عائلية، لا وفق معايير أكاديمية واضحة. وبرز اسم ياسر الجندي مدير المعهد الدبلوماسي، بوصفه شخصية مثيرة للجدل، خاصة في ظل تداول معلومات عن عمله السابق كيوتيوبر ومحلل سياسي.

ووجه سوريون انتقادات حادة لوزارة الخارجية والمغتربين، متحدثين عن غياب الشفافية، ومؤكدين أن الإعلان عن المسابقة لم يكن واضحاً أو متاحاً للجميع. وعبر السفير السوري السابق في السويد بسام العمادي عن أسفه لما جرى، معتبراً أن تعيين موظفين بلا خبرة في مناصب حساسة خارج عن عرف وأصول بناء الدولة، مشيراً إلى أنه لم يصل إلى منصب مدير إدارة إلا بعد أكثر من 20 عاماً من العمل الدبلوماسي.

من جهتها أكدت وزارة الخارجية في تصريح صحافي أن الاختيار جاء بعد إعلان عن مسابقة مطلع العام الماضي، وأن إدارة التنمية الإدارية فرزت الطلبات وفق معايير علمية تشمل المؤهل والخبرة وإتقان اللغات، مشددة على أن اجتياز الدورة لا يعني توظيفاً مباشراً. إلا أن مصادر تحدثت عن خلل في رابط التقديم الإلكتروني، ما حال دون وصول متكافئ لجميع الراغبين.

وأكد الدبلوماسي السابق بشار الحاج أن آلية الانتقاء لم تعلن بوضوح، وأن الجهة التي تولت التقييم تفتقر إلى الخبرة، معتبراً أن ما جرى أقرب إلى تمرين علاقات عامة منه إلى تأسيس سلك دبلوماسي حقيقي، محذراً من تفريغ التمثيل الخارجي من مضمونه وتحويل السفراء إلى أسماء شكلية غير قادرة على الدفاع عن مصالح السوريين.

باختصار، ما أثير من تعيينات وانتقادات جاءت نتيجة الرغبة في كسر إرث النظام السابق القائم على المحسوبيات، والاختيار القائم على الولاء وليس الكفاءة. وإعادة بناء السلك الدبلوماسي يتطلب وضوح وشفافية كبيرة، وشراكة حقيقية، تعيد الثقة بالدبلوماسية السورية في الداخل والخارج.

اقرأ أيضاً: ما دور بعثة الهدنة في الشرق الأوسط وسوريا؟!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.