أخبار سوريا

توظيف الأمم المتحدة في سوريا .. واسطة أم جدارة؟

توظيف الأمم المتحدة في سوريا .. واسطة أم جدارة؟

بقلم: ديانا الصالح

تداولت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لديما آصف شوكت خلال مشاركتها في اجتماع رسمي بوزارة الشؤون الاجتماعية السورية بصفة إدارية ضمن برنامج الأغذية العالمية (WFP)، ما أثار موجة جدل واسعة حول الشفافية والمعايير المتبعة في التوظيف لدى الأمم المتحدة في سوريا، لا سيما أن هناك عدة اتهامات سابقة بتوظيف أبناء المسؤولين كابنة حسام لوقا مدير المخابرات السورية السابق التابع للنظام المخلوع، وفقاً لتقارير دولية.

وفي هذا السياق تُطرح عدة تساؤلات ملحّة: ما هي طبيعة عملية توظيف الأمم المتحدة في سوريا، وهل تقف عند معيار الجدارة والشفافية أم أن للمحسوبيات كلام آخر؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي ..

توظيف الأمم المتحدة في سوريا

بمجرد الإعلان عن وظائف شاغرة لدى مكاتب الأمم المتحدة في سوريا تتهافت عليها طلبات التوظيف من قبل العديد من الكفاءات الراغبة بالحصول على فرصة برواتب مغرية وتحاكي طموحاتهم بالعمل ضمن السياق الدولي، وسط ظروف اقتصادية صعبة، حيث تجاوزت معدلات الفقر 90% كما تخطت نسبة البطالة عتبة 60%.

نظرياً، تقوم عملية التوظيف عبر عدة إجراءات رسمية بدءاً من نشر الإعلان وتحديد شروط التقديم التي غالباً ما تكون صارمة وتدور حول اللغة الإنجليزية المتقدمة ونوعية الخبرات المطلوبة، على أن يتقدم الراغبون عبر موقعها الإلكتروني، لتتم دراسة كافة الطلبات بدقة ووفق تسلسل إداري، وهذا ما يعكس نوعاً من شفافية الإجراءات الورقية.

ولكن هذه العملية الإجرائية المنظمة في التقديم، مع شروطها عالية المستوى لم تكن كافية لتبديد الشكوك المُثارة حول شفافية مراحلها اللاحقة، وذلك استناداً لشهادات نقلتها عدة تقارير محلية حول وجود واسطات ومحسوبيات داخل أروقة بعض مكاتب الأمم المتحدة في سوريا، فضلاً عن الاتهامات التي طالتها بالامتثال إلى أوامر السلطات الحاكمة السابقة في التعيين وآليات العمل.

وهذا ما يؤكده تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية لعام 2023، من خلال اتهامه لعدد من المكاتب الأممية بالتقرب من السلطة السابقة، كما أنها كشفت عن توظيف ابنة مدير مخابرات النظام المخلوع حسام لوقا ضمن مكتب الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ للأمم المتحدة في مدينة دمشق.

رداً على هذه الاتهامات، يبين المتحدث في مكتب الأمم المتحدة “إيري كانيكو” Eri Kaneko، أن المكتب لا يعلق على القضايا المتعلقة بالعاملين لديه، مؤكداً أن تعيين مختلف الموظفين يتم وفقاً للعمليات التوظيفية الصارمة، والشروط المحددة دون تحيز.

آلية التوظيف

وفق الاعتبارات الأساسية في تعيين واختيار موظفي الأمم المتحدة، تسترشد آلية التوظيف المتبعة لدى برنامج الأمم المتحدة بعدة مبادئ رئيسية مُعلنة تتمحور حول المنافسة العادلة بين المتقدمين والموضوعية في قياس مهاراتهم وفقاً لمعايير واضحة ومهارات وظيفية مناسبة للفرصة الشاغرة، إضافة إلى مبدأ الشفافية وتنوع القوى العاملة إلى جانب اعتماد المساءلة التي تضع مديري التوظيف أمام جدية الاختيار وفقاً للمعايير المهنية والكفاءات المطلوبة.

كما يقوم البرنامج بمنح فرص وظيفية عبر التوظيف المحلي أو الدولي، وتطبق أنواع متعددة من العقود وفقاً لعدد من المعايير الموضوعية مثل مدة الخدمات أو الأساس القانوني.

فصل تعسفي أم إعادة هيكلة؟

ينقل لنا مصدر خاص (فضّل عدم ذكر اسمه) ظاهرة الفصل التي تطال عدداً من الموظفين في إحدى مكاتب الأمم المتحدة بمدينة دمشق، ليحل محلهم عاملون من الذين كانوا متواجدين في إدلب، بهدف مُعلن يتمحور حول إعادة الهيكلة عقب التحرير، حيث اتجهت المنظمات التي كانت تعمل بشكل ثنائي نحو دمج مكاتبها، ولكن تخفيض التمويل نتيجة للأزمة العالمية انعكس بشكل سلبي على آلية عمل هذه المنظمات التي اتّبعت نهج تخفيض الرواتب، الذي لاقى احتجاجاً من قبل عدد من العاملين، فكانت النتيجة تحقيق مصالح البعض من الذين كانوا يعملون في إدلب على حساب فصل موظفين في دمشق، وفقاً للمصدر.

بينما يشير ناشطون إلى أن سياسة الفصل المتبعة تقوم نتيجة لإعادة الهيكلة وتقييم القدرات، مؤكدين أن الموظفين المفصولين لا يملكون الجدارة والمهارات اللازمة، بل كان توظيفهم مرتبطاً بالسلطات السابقة والمحسوبيات، بالتالي من البديهي أن يتم الاستغناء عنهم لكسب مهارات وخبرات أعلى كالشخصيات التي عُيّنت من إدلب وفقاً لرأيهم.

وتبقى هذه المسألة معلقة بين تشكيك أو إثبات فساد المنظمات الدولية في سوريا، ما يضع عدة علامات استفهام حول استمرارية النهج القديم مع السلطات الجديدة، على حساب تهميش الكفاءات.

شبهات فساد متعددة

ليست المرة الأولى التي تتهم فيها الأمم المتحدة بشبهات الفساد، حيث تؤكد مصادر لتقارير محلية أن غالبية تعيينات منظمة الصحة العالمية في سوريا، تتم بناء على أوامر عليا من قبل الأجهزة الأمنية أو المخابرات التابعة للنظام المخلوع، خاصة فيما يتعلق بالمناصب ذات المكانة المرموقة والمؤثرة.

كما تُشير المصادر المطلعة إلى بروز أسماء موظفين من عائلات من الدرجة الأولى والتي لها ارتباطات واضحة مع الجهات الأمنية للنظام السابق، فضلاً عن سجلها الإجرامي الموثوق.

علاوة على ذلك، تتحدث هذه المصادر عن تدخل النظام السابق في خلفية الموظفين الأجانب المهنية والسياسية، قبل منحه تأشيرة الدخول إلى سوريا، وبحال التشكيك في ميول هذا الموظف لاحقاً يتم إلغاء إقامته على الفور.

وفي الجانب العربي أيضاً هناك سجل من الاتهامات، فعدة تحقيقات رسمية أثيرت بحق بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي)، منها تلقي رشاوى من كبار رجال الأعمال العراقيين من أجل الحصول على مشاريع معينة تتعلق بإعادة الإعمار.

عالمياً، فُتحت عدة تحقيقات حول فساد يتعلق بشخصيات بارزة داخل مكاتب الأمم المتحدة، حيث أصدرت المحكمة الإسبانية العليا أوامر بالقبض على المسؤول الأمني السابق “فيتالي فانشيلبويم” وتسليمه للولايات المتحدة، بتهمة الرشاوي وغسل الأموال، ليتم وضعه خلال سنة 2021 في إجازة إدارية وفصله خلال عام 2023.

الفرص الطبقية مقابل هشاشة التعليم

وفي سياق الاتهامات والحقائق، يطرح السؤال نفسه: هل القواعد الصارمة في التوظيف باب لانتقاء شخصيات بعينها دون أخرى؟

وفي هذا الصدد يشير ناشطون محليون إلى أن بعض المكاتب تتبع نفس الأساليب الحكومية السابقة، حيث تُعلن عن وظائف شاغرة، ولكن التعيين يتم في غالب الأحيان وفقاً للمعارف والارتباطات الشخصية، معتقدين أن ذات النهج سيبقى متبعاً مع السلطات الجديدة، مما يثير مخاوفهم من تكريس ذات التبعية في التعيينات مع السلطات الجديدة.

فيما يذهب محللون إلى أن الفروق الطبقية التي وسّعتها سنوات الحرب أعطت طبقة الحكام وأبنائهم فرصاً أكبر لتطوير مهاراتهم وخبراتهم نتيجة للظروف المساعدة، مقارنة بغيرهم من طبقات الشعب المتوسطة والفقيرة، خاصة فيما يتعلق بإتقان اللغة الإنجليزية، حيث يعاني النظام التعليمي من ضعف ملحوظ من ناحية اللغات، ما يجعل إتقانها محصوراً بالمعاهد والدورات التدريبية مقابل مبالغ مالية مرتفعة، وهذا ما يفسر تواجدهم ضمن المكاتب الأممية التي تتطلب خبرات عالية وفق رأيهم.

حلول وإجراءات

يهدد الفساد مختلف المنظمات العالمية وليس فقط في سوريا، ولكن ما هي الإجراءات التي يتم اتخاذها لمحاربة أوجه التجاوزات والحد منها؟

تتخذ الأمم المتحدة عدة إجراءات للحد من الفساد داخل أروقتها، فهناك هيئات خاصة داخل نظامها مهمتها الرقابة الداخلية لمنع أي وجه من أوجه الفساد المتعلقة بالانتهاكات والاحتيالات مثل هيئةOffice of Internal Oversight Services).

كما تدعم الدور المناط بمنظمات المجتمع المدني (الصحافة) من خلال تسليط الضوء على قضايا الفساد والتجاوزات والمطالبة بالمساءلة العامة في حال إثبات أي مخالفة.

علاوة على ذلك، هناك عدة مناسبات تعزز التوعية بمخاطر الفساد مع تأكيد دور التعاون بين الحكومات والمجتمع المدني في محاربة التجاوزات والأعمال المشبوهة، مثل مناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد والذي يقام 9 ديسمبر.

تبقى مسألة الشفافية والمعايير المهنية المتبعة في تعيينات المكاتب الأممية ضمن سوريا معلقة بين شكوك الشارع السوري بعد الظهور الرسمي لديما شوكت، ونزاهة الإجراءات النظرية الصارمة التي تؤكدها الأمم المتحدة في كل إعلان عن شواغر وظيفية جديدة.

اقرأ أيضاً: بين التوظيف المجمد والبطالة الكبيرة: ما هو واقع العمل الحكومي في سوريا؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.