بيئة

صحة واحدة في دمشق: مقاربة جديدة للأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان والبيئة

صحة واحدة في دمشق: مقاربة جديدة للأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان والبيئة

الكاتب: أحمد علي

ليست العدوى خبراً طبياً معزولاً، وهكذا ينبغي النظر إلى المسألة من بدايتها. فالمرض لا يصل دائماً من مريض إلى مريض، ولا يبدأ دائماً من عيادة أو مشفى. قد يبدأ من حيوان مصاب، أو من ماء غير آمن، أو من غذاء لم يخضع للرقابة الكافية، أو من مضاد حيوي استُخدم في غير مكانه، ثم ينتقل الأثر من حلقة إلى أخرى حتى يصبح مشكلة عامة.

من هنا تأتي أهمية الصحة الواحدة في دمشق. ليست الفكرة عنواناً إضافياً في القاموس الصحي، ولا محاولة لتوسيع الكلام حول الأمراض بلا حاجة. هي طريقة مختلفة في رؤية الخطر. طريقة تقول إن صحة الإنسان لا تنفصل عن صحة الحيوان، ولا عن البيئة التي يعيش فيها الاثنان معاً.

الصحة الواحدة في دمشق وسؤال الترابط الغائب

تعرّف منظمة الصحة العالمية نهج الصحة الواحدة باعتباره مقاربة متكاملة تهدف إلى تحقيق توازن أفضل بين صحة الإنسان والحيوان والنظم البيئية. التعريف يبدو هادئاً، لكنه يحمل نتيجة مباشرة. لا يستطيع قطاع واحد أن يرى الصورة كلها، ولا يستطيع وحده أن يقطع طريق المرض قبل وصوله إلى الناس.

في دمشق، تبدو هذه الفكرة أكثر وضوحاً. المدينة ليست جزيرة. هي مركز إداري وصحي وسكاني وتجاري، وترتبط يومياً بريفها عبر الغذاء والعمل والتنقل والخدمات. لذلك فإن أي خلل في صحة الحيوان، أو في المياه، أو في سلامة الغذاء، أو في إدارة النفايات، لا يبقى بعيداً عن السكان. قد يتأخر ظهوره في الأرقام، لكنه لا يتأخر كثيراً في الحياة اليومية.

المشكلة هنا ليست في وجود قطاعات متعددة. وجودها ضروري. المشكلة تبدأ عندما يعمل كل قطاع كأن الخطر يقف عند حدوده الإدارية. المرض لا يفعل ذلك. الكلب الشارد، وحظيرة التربية، والصيدلية، ومخبر التحليل، وخزان المياه، وسوق الطعام، كلها أجزاء من مسار واحد. إذا انقطعت المعلومة بين هذه الحلقات، يتحول الخلل الصغير إلى عبء صحي أوسع.

شهدت دمشق خلال عامي 2025 و2026 نشاطاً واضحاً حول هذا النهج، وخاصة في ملف مقاومة مضادات الميكروبات. عُقدت ورش وفعاليات جمعت جهات صحية وبيطرية وبيئية ومنظمات دولية. القيمة الأساسية لهذه اللقاءات لا تكمن في انعقادها فقط، بل في طبيعة السؤال الذي تطرحه. هل يمكن إدارة المرض من زاوية واحدة، أم أن الوقت قد حان لرؤية السلسلة كاملة؟

الجواب العملي يميل إلى الخيار الثاني.

حين لا تكفي العيادة وحدها

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 60 في المئة من الأمراض المعدية الناشئة المبلّغ عنها عالمياً تعود في منشئها إلى الحيوانات البرية أو الأليفة، وأن 75 في المئة من العوامل الممرضة الجديدة المكتشفة خلال العقود الثلاثة الماضية نشأت لدى الحيوانات. هذه الأرقام لا تعني أن الحيوان هو الخطر بحد ذاته. هذا تبسيط خاطئ. هي تعني أن العلاقة بين الإنسان والحيوان والبيئة أصبحت أكثر التصاقاً، وأن أي خلل في هذه العلاقة يمكن أن يظهر لاحقاً على شكل مرض.

في دمشق وريفها يمكن قراءة الأمر من خلال أمثلة قريبة. داء الكلب لا يتعلق بالمصاب بعد العضة فقط، بل بإدارة الكلاب الشاردة، وتلقيح الحيوانات، وتوفر اللقاحات والمصول، وسرعة وصول المعلومة إلى الناس. اللايشمانيا الجلدية لا تُفهم من العلاج وحده، بل من النواقل والبيئة والمكافحة والترصد. الكوليرا وأمراض الإسهال الحاد تعيد السؤال إلى المياه والصرف الصحي وحركة السكان. أما مقاومة المضادات الحيوية فتبدأ أحياناً من وصفة طبية، وأحياناً من دواء بيطري، وأحياناً من استخدام عشوائي يمر بلا رقابة كافية.

هنا تظهر حدود التفكير التقليدي. عند وقوع الحالة، يتحرك القطاع الصحي غالباً في الواجهة. هذا طبيعي. لكن السؤال الأهم هو ما الذي سبق الحالة. أين كان يمكن التدخل قبل أن تصل العدوى إلى الجسم البشري؟ في الماء، أم في الحيوان، أم في الغذاء، أم في الدواء، أم في غياب التنسيق بين هذه المسارات؟

الصحة الواحدة لا تلغي دور الطبيب. لكنها تقول إن الطبيب يصل أحياناً متأخراً إذا بقيت الحلقات الأخرى خارج الحساب.

مقاومة المضادات وسلسلة الخطر الهادئ

تُعد مقاومة مضادات الميكروبات من أكثر الملفات التي تكشف الحاجة إلى مقاربة مشتركة. تقدّر منظمة الصحة العالمية أن المقاومة البكتيرية للمضادات كانت مسؤولة مباشرة عن 1.27 مليون وفاة عالمياً عام 2019، وساهمت في 4.95 ملايين وفاة. الرقم كبير، لكنه لا يشرح وحده طبيعة الخطر.

الخطر الحقيقي أن علاجاً كان مألوفاً قد يفقد أثره. عدوى بسيطة قد تطول. كلفة العلاج قد ترتفع. والمشفى قد يواجه حالات لا تستجيب كما كان متوقعاً. حين يحدث ذلك، لا تكون المشكلة في سرير المشفى فقط، بل في كل ما سبق وصول المريض إليه.

في سورية، أشار مكتب منظمة الصحة العالمية الإقليمي إلى أن فجوات الترصد وتبادل المعلومات والقدرات المخبرية تحدّ من الفهم الكامل لأنماط المقاومة، وتبطئ العمل المنسق بين القطاعات. هذه العبارة الفنية يمكن اختصارها ببساطة. من دون بيانات ومخابر وتبادل منتظم للمعلومات، يبقى القرار الصحي ناقصاً.

ورشة دمشق التي نظمتها منظمة الأغذية والزراعة بالتعاون مع وزارة الزراعة السورية في تشرين الأول 2025 ركزت على مفهوم الصحة الواحدة ومقاومة مضادات الميكروبات. شارك فيها ممثلون عن قطاعات صحية وبيطرية وبيئية. جرى الحديث عن الاستخدام الرشيد للمضادات، وبناء القدرات الوطنية في المراقبة والتخطيط والرقابة على الأدوية.

هذا النوع من العمل مهم، لكنه لا يكفي وحده. لا قيمة حقيقية لأي مقاربة إذا بقيت في القاعة. المطلوب أن تصل إلى الصيدلية والعيادة والمزرعة والمخبر والبلدية. المطلوب أيضاً أن يعرف المواطن، بلغة بسيطة، لماذا لا يجوز استخدام المضاد الحيوي بلا وصفة، ولماذا لا يكون الدواء البيطري شأناً بعيداً عن صحة الإنسان.

الماء حين يدخل في سجل المرض

تظهر الكوليرا بوضوح كيف يمكن لعامل بيئي أن يتحول إلى أزمة صحية. في أيار 2025 أعلنت منظمة الصحة العالمية استجابة صحية طارئة مدتها ستة أشهر لحماية أكثر من 850 ألف شخص من الفئات الأعلى خطراً في عدة مناطق، بينها دمشق. وذكرت المنظمة أن سورية سجلت بين آب وكانون الأول 2024 نحو 1444 حالة كوليرا مشتبه بها وسبع وفيات مرتبطة بها، مع ربط التفشي بالجفاف وحركة السكان واضطرابات المياه والصرف الصحي.

هذه الواقعة تكفي وحدها لتفسير الفكرة. الكوليرا ليست ملف مشفى فقط. هي ملف ماء، وصرف صحي، ومراقبة، واستجابة، وتوعية، وحركة سكان. وعندما تختل هذه العناصر معاً، يصبح العلاج في المرحلة الأخيرة من المسار، لا في بدايته.

لذلك يصبح نظام الإنذار المبكر جزءاً أساسياً من الصحة الواحدة. كانت منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة السورية قد قيّمتا نظام الإنذار والاستجابة المبكر في سورية، وذكرت المنظمة أن المنشآت الصحية ترفع بيانات أسبوعية إلى وزارة الصحة في دمشق من أجل التجميع والتحليل والاستجابة. هذا مسار ضروري. لكنه يحتاج إلى أن يتغذى أيضاً من المعلومات التي تأتي من خارج المنشآت الصحية.

المياه لا تتكلم بلغة التقارير الطبية. الحيوان لا يدخل دائماً في ملف المريض. النواقل لا تظهر في السجل إلا عندما تُربط بالمرض. لهذا تحديداً يحتاج الإنذار الصحي إلى صلة أعمق بالبيئة والزراعة والبلديات والمخابر.

اللايشمانيا وداء الكلب كأمثلة قريبة

لا يمكن الحديث عن الصحة الواحدة في دمشق من دون الوقوف عند أمراض مشتركة أو مرتبطة بالبيئة والنواقل. يذكر مكتب منظمة الصحة العالمية الإقليمي أن النمط الحيواني المنشأ من اللايشمانيا الجلدية الناجم عن طفيلي L. major يوجد أساساً في الشمال الشرقي وفي ريف دمشق. هذه المعلومة لا تحمل قيمة جغرافية فقط، بل تفتح باباً عملياً. إذا كان المرض مرتبطاً بالنواقل والبيئة، فإن العلاج وحده لا ينهي المشكلة.

المطلوب ترصد، ومكافحة نواقل، وتحسين ظروف البيئة المحيطة، ووصول مبكر إلى التشخيص والعلاج. أي خلل في حلقة من هذه الحلقات يترك مساحة لعودة المرض أو توسعه.

داء الكلب يقدم مثالاً آخر، أكثر مباشرة. عضة كلب شارد قد تبدو حادثة فردية. لكنها في منطق الصحة الواحدة إشارة إلى ملف كامل. هناك حيوان، وشارع، وبلدية، ولقاح، ومصل، ومركز صحي، ووعي شعبي. منظمة الصحة العالمية تؤكد أن الكلاب هي المصدر الرئيسي لوفيات داء الكلب البشرية، وأنها مسؤولة عن 99 في المئة من هذه الوفيات عالمياً.

لذلك لا يكفي التعامل مع المصاب بعد العضة. الوقاية تبدأ قبلها. تبدأ من تلقيح الكلاب، وإدارة الحيوانات الشاردة، وتوفير العلاج الوقائي بعد التعرض، وإرشاد الناس إلى غسل الجرح وطلب الرعاية فوراً. هذه إجراءات عملية وليست شعارات. وكلما تأخرت، ضاقت فرصة الوقاية.

أين تقع المسؤولية؟

ليس مفيداً تحويل الصحة الواحدة إلى شعار عام. هذا يفرغها من معناها. السؤال العملي هو كيف تعمل المؤسسات معاً، وكيف تصل المعلومة في وقتها، وكيف تتحول البيانات إلى قرار.

وزارة الصحة لا تستطيع وحدها ضبط بقايا الأدوية في السلسلة الغذائية. وزارة الزراعة لا تستطيع وحدها تقدير الأثر الصحي لمرض حيواني إذا لم تصل البيانات إلى الجهات الطبية. الجهات البيئية لا تستطيع وحدها حماية الناس من أثر المياه والنفايات إذا بقيت نتائج الفحص خارج نظام إنذار مشترك. والبلديات، رغم أنها قد تبدو بعيدة عن النقاش الصحي، تقف في قلبه عندما يتعلق الأمر بالنفايات والكلاب الشاردة والأسواق والمياه.

هذه ليست دعوة إلى توسيع المسؤولية حتى تضيع. على العكس. هي دعوة إلى تحديدها بدقة أكبر. كل جهة تعرف ما لديها، لكنها تحتاج إلى معرفة أثره في الجهة الأخرى. هنا يبدأ التنسيق الحقيقي.

المواطن أيضاً حاضر في هذه الدائرة. ليس بوصفه بديلاً عن المؤسسات، ولا بوصفه المسؤول الأول عن الخلل العام، بل بوصفه الحلقة الأقرب إلى الممارسة اليومية. شراء المضاد الحيوي بلا وصفة، إهمال عضة حيوان، تجاهل تلوث المياه، التعامل العشوائي مع النفايات، كلها تفاصيل صغيرة. لكنها حين تتكرر تصبح جزءاً من المشكلة.

ما الذي تحتاجه دمشق فعلاً؟

تحتاج دمشق إلى ترجمة الصحة الواحدة إلى أدوات قابلة للقياس. لجنة مشتركة ضرورية، لكنها ليست كافية. المطلوب خريطة مخاطر للأمراض المشتركة والنواقل والمياه وسلامة الغذاء. المطلوب بيانات دورية، ومؤشرات واضحة، ومخابر أقوى، وتدريب مشترك بين القطاعات. المطلوب أيضاً أن تجري التحقيقات الوبائية بعقل واحد، لا بملفات منفصلة.

من ناحية أخرى، ينبغي أن تكون التوعية أكثر مباشرة. الناس لا تحتاج إلى خطاب طويل عن المفاهيم. تحتاج إلى معرفة ما الذي تفعله عند عضة كلب، ولماذا لا تستخدم المضاد الحيوي عشوائياً، ومتى تبلغ عن خلل في المياه، وكيف تتعامل مع غذاء مشكوك بسلامته. الرسالة الواضحة قد تمنع حالة مرضية قبل أن تبدأ.

ومن ناحية ثالثة، لا بد من ربط الخطط بالموارد. الحديث عن الترصد والمخابر والرقابة يصبح ضعيفاً إذا لم يجد طريقه إلى التمويل والتجهيز والتدريب والاستمرارية. الصحة الواحدة ليست حملة مؤقتة. هي طريقة إدارة.

خاتمة لا تحتمل التجميل

الصحة الواحدة في دمشق ليست ترفاً فنياً ولا مصطلحاً مستورداً لزيادة عدد الاجتماعات. هي حاجة عملية تفرضها طبيعة المرض نفسه. فالعدوى لا تنتظر اكتمال التنسيق بين المؤسسات، ولا تسأل إن كانت المشكلة صحية أو بيطرية أو بيئية. تتحرك حيث تجد ثغرة.

لذلك تبدو المقاربة الجديدة مهمة لأنها تعيد ترتيب السؤال. حماية الإنسان لا تبدأ من الإنسان وحده. تبدأ من الماء الذي يشربه، والغذاء الذي يأكله، والحيوان الذي يجاوره، والبيئة التي يعيش فيها، والدواء الذي يستخدمه. أي حماية لا ترى هذه السلسلة ستبقى ناقصة. وقد تكون كلفتها أعلى من الوقاية بكثير.

اقرأ أيضاً: سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب: خطوة لضبط السوق السوداء أم حل غير كاف؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.