صحة و جمال

ماذا تكشف التحضيرات في الحسكة عن تعقيدات استكمال التمثيل السياسي؟

ماذا تكشف التحضيرات في الحسكة عن تعقيدات استكمال التمثيل السياسي؟

الكاتب: أحمد علي

لا يظهر التأخير في انعقاد مجلس الشعب، للوهلة الأولى، أكثر من مسألة توقيت. جلسة أولى لم يحدد موعدها بعد، وتحضيرات انتخابية ما تزال مستمرة في الحسكة، وتوقعات صحفية تتحدث عن انعقاد قريب من دون إعلان نهائي. لكن ما يبدو تفصيلاً زمنياً يخفي خلفه عقدة أوسع. لأن المسألة هنا لا تتعلق بمجلس لم يجتمع بعد فقط، بل بكيفية استكمال التمثيل السياسي نفسه في بلد ما تزال خرائط السيطرة والإدارة والاندماج فيه قيد التشكيل.

من هذا الباب تحديداً تصبح الحسكة أكثر من محافظة متأخرة انتخابياً. هي نقطة يتقاطع فيها الإداري بالأمني، واللوجستي بالسياسي، والمحلّي بالوطني. ولهذا فإن كل حديث عن تشكيل لجان فرعية، أو تحديد الهيئات الناخبة، أو وضع برنامج دقيق لإجراء الانتخابات فيها، ينبغي ألا يقرأ بوصفه تنظيماً إجرائياً محضاً، بل بوصفه جزءاً من عملية أوسع تتعلق بقدرة الدولة على تحويل حضورها السياسي والإداري في المحافظة إلى تمثيل مكتمل داخل المؤسسة التشريعية.

القراءة الهادئة لما جرى حتى الآن لا توحي بأن الملف عالق في فراغ، لكنها لا توحي أيضاً بأنه حسم نهائياً. ثمة مسار يتحرك، وثمة ترتيبات تبنى، لكن الحسكة ما تزال تقول، بطريقتها الخاصة، إن استكمال مجلس الشعب ليس مجرد تنفيذ لنص قانوني، بل تمرين سياسي وإداري شديد الحساسية على تحويل الانتقال إلى مؤسسة.

مجلس الشعب والنص الذي لم يكتمل بعد

الإطار القانوني للمجلس واضح في خطوطه الكبرى. الإعلان الدستوري ينص في مادته الرابعة والعشرين على أن رئيس الجمهورية يشكل لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب، وأن الهيئات الناخبة تختار ثلثي الأعضاء، بينما يعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي لضمان التمثيل العادل والكفاءة. والمرسوم 143 لعام 2025، وهو النظام الانتخابي المؤقت، يحدد عدد أعضاء المجلس بـ 210، وينظم تشكيل الدوائر والهيئات واللجان، ثم يحدد آلية الدعوة إلى الجلسة الأولى بعد صدور مرسوم تسمية الأعضاء.

لكن وضوح النص لم يكن كافياً وحده لحسم المسار. ففي آب 2025 أعلنت اللجنة العليا تأجيل العملية الانتخابية في السويداء والحسكة والرقة بسبب التحديات الأمنية، مع تأكيد أن ذلك مؤقت ومرتبط بتوافر ظروف تسمح بتمثيل عادل. وبعد أشهر، جرى استكمال انتخابات الرقة والطبقة في آذار 2026، بينما بقيت الحسكة في موقع خاص، لا هي خارج المسار بالكامل، ولا هي داخله بصورة منتهية. بعض دوائرها أنجز، كما في رأس العين خلال تشرين الأول 2025، بينما بقي الجزء الأكبر من المحافظة بانتظار استكمال التحضيرات.

هنا تبدأ الحسكة بأخذ معنى آخر. فهي لا تمثل محافظة متأخرة فقط، بل تمثل الحد الذي يصطدم عنده الإطار القانوني بالواقع الميداني والإداري. أي أنها تكشف أن التمثيل السياسي في المرحلة الانتقالية لا ينتج تلقائياً من وجود نص انتخابي، بل من قدرة الدولة على جعل النص قابلاً للتنفيذ في منطقة ما تزال إعادة ترتيبها جارية.

اللوجستيات كترجمة للسياسة

لهذا لا ينبغي التقليل من قيمة ما وصفته اللجنة العليا بالتحضيرات اللوجستية. المتحدث باسمها، نوار نجمة، أوضح في 6 نيسان 2026 أن المشاورات الجارية في الحسكة ستفضي إلى برنامج دقيق يشمل تشكيل اللجان الفرعية، وتحديد الهيئات الناخبة، وموعد إجراء الانتخابات. مثل هذا الكلام قد يبدو، في سياق آخر، تقنياً صرفاً. لكن في الحسكة تحديداً، هو في الحقيقة ترجمة عملية لسؤال سياسي أعمق، من الذي يستطيع الانتخاب، ومن الذي يدير الاقتراع، وكيف تُبنى الثقة بأن العملية يمكن أن تمضي إلى نهايتها من دون أن تنكسر عند أول اختبار.

يزداد هذا المعنى وضوحاً حين يضاف إليه أن اللجنة لا تعمل وحدها، بل بالتنسيق مع الفريق الرئاسي المكلف بمتابعة تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني مع قوات سوريا الديمقراطية، ومع فعاليات محلية في المحافظة. وهذا يعني أن اللوجستيات ليست مجرد تحضير صناديق وأوراق ولجان، بل بناء بيئة سياسية وإدارية تسمح بأن يصبح الانتخاب ممكناً ومقبولاً وقابلاً للحماية في الوقت نفسه.

بهذه القراءة، لا تبدو اللوجستيات طبقة ثانوية فوق السياسة، بل شكلها التنفيذي المباشر. فإذا كانت الدولة تريد أن تقول إنها استكملت التمثيل، فعليها أولاً أن تثبت أن الحسكة باتت قابلة لأن تدخل العملية الانتخابية من بابها الكامل، لا من باب الاستثناء المؤقت.

ما الذي يجعل الحسكة مختلفة

خصوصية الحسكة لا تأتي من بعدها الجغرافي فقط، بل من طبيعة ما تختزنه من تداخلات. فهي محافظة تتقاطع فيها مكونات إثنية وعشائرية ومدينية وريفية، وتعيش فوق إرث من النزوح والتبدلات الإدارية والأمنية التي راكمتها سنوات الحرب. وهذا كله يجعل أي حديث عن تمثيلها داخل مجلس الشعب أكثر حساسية من مجرد استكمال دائرة متأخرة.

إلى جانب ذلك، يرتبط استكمال الانتخابات فيها بمسار تنفيذ الاتفاق المعلن في 29 كانون الثاني 2026، وهو الاتفاق الذي نص، وفق الرئاسة السورية، على وقف إطلاق النار، والدمج المتدرج للمؤسسات العسكرية والإدارية، ودخول قوات الأمن إلى مركزي الحسكة والقامشلي، وتسلم الدولة للمؤسسات والمعابر. إذا وضعت هذه البنود إلى جانب الحديث عن الانتخابات، ظهر أن المقصود ليس مجرد توفير لحظة اقتراع، بل تثبيت بيئة سيادية وإدارية تجعل الاقتراع نفسه معقولاً ومحمياً وقابلاً للترجمة السياسية.

ومن هنا تبدو الحسكة وكأنها نقطة اختبار. فإذا أمكن تحويل هذه الترتيبات إلى انتخابات مكتملة، فسيعني ذلك أن الدولة استطاعت أن تنقل جزءاً من التفاهمات الميدانية إلى مؤسسات التمثيل. أما إذا بقيت المحافظة في طور التحضير المفتوح، فسيظل المجلس كله محكوماً بعقدة محافظة لم تتحول بعد من ملف إداري وأمني معلق إلى جزء مستقر من البنية السياسية الجديدة.

الجلسة الأولى ولماذا لم تُحسم

المرسوم 143 لا يترك فراغاً كبيراً في مسألة الجلسة الأولى. المادة التاسعة والثلاثون تنص على أنه خلال ثلاثة أيام من صدور مرسوم تسمية أعضاء مجلس الشعب، يقوم رئيس اللجنة العليا بدعوة الأعضاء إلى الجلسة الأولى، على أن ينعقد الاجتماع بعد ثلاثة أيام على الأقل من الدعوة ولا يتجاوز سبعة أيام. معنى ذلك أن الجلسة ليست قراراً منفصلاً عن السياق، بل نتيجة مباشرة لاكتمال التشكيل وصدور المرسوم النهائي.

وهذا يفسر، إلى حد بعيد، لماذا بقي موعد الجلسة في نطاق التوقعات لا الإعلان. نوار نجمة قال بوضوح إن الثلث المعين من قبل الرئيس أحمد الشرع يرجح أن يعلن بعد اكتمال العملية الانتخابية، على أن يسهم هذا التعيين في ضمان التمثيل العادل للمرأة والمكونات والشرائح الاجتماعية المختلفة. فإذا كانت الحسكة لم تكمل بعد، وإذا كان الثلث المعين لم يعلن بعد، فإن التسلسل القانوني نفسه لا يزال مفتوحاً ولم يصل إلى نقطته الختامية.

من هنا، فإن تأخر الجلسة الأولى ليس مجرد إرجاء بروتوكولي. هو تعبير مباشر عن أن المجلس، باعتباره جسماً سياسياً، لم يكتمل بعد. وكل حديث عن موعد قريب أو متوقع يبقى، حتى هذه اللحظة، أقل من أن يتحول إلى تاريخ نهائي ما دام حلقة الحسكة ما تزال قيد البناء.

التمثيل بين الانتخاب والتعيين

ربما تكمن حساسية الملف كلها في هذه النقطة. مجلس الشعب في صيغته الانتقالية لا يقوم على انتخاب كامل مباشر، ولا على تعيين كامل، بل على تركيب مزدوج يجمع بين هيئات ناخبة تختار ثلثي الأعضاء، ورئيس يعين الثلث الباقي لضمان التمثيل العادل والكفاءة. وهذه الصيغة، بطبيعتها، تجعل استكمال أي محافظة متأخرة أكثر من مجرد مسألة عددية، لأنها تؤثر في شكل التوازن الذي سيخرج به المجلس كله.

في الحالة الخاصة بالحسكة، يتضاعف هذا المعنى. لأن المحافظة تمثل مساحة حساسة لموضوع التعدد نفسه، سواء على مستوى المكونات، أو على مستوى التهجير والعودة، أو على مستوى التوازن بين الحضور المحلي والمركز الوطني. ولهذا فإن استكمال انتخاباتها لا يرتبط فقط بملء مقاعد شاغرة، بل بإعطاء صورة عن الكيفية التي تريد بها الدولة أن تترجم التنوع الفعلي داخل مؤسسة التمثيل.

ومن هنا أيضاً يزداد وزن الثلث المعين. فهو لا يظهر كوسيلة لاستكمال العدد فقط، بل كأداة تصحيح وتوازن يمكن أن تغطي بعض ما تتركه الشروط الانتقالية والانتخاب غير المباشر من فراغات أو انحيازات. وهذا ما يفسر لماذا ربطت اللجنة العليا إعلان هذا الثلث باكتمال الانتخابات كلها، لا بتوقيت منفصل عنها.

ما الذي يكشفه التأخير

إذا جمعت هذه الخيوط معاً، بدا أن الحسكة لا تعطل المجلس فقط، بل تكشف طبيعته في هذه المرحلة. فهي تقول إن استكمال التمثيل السياسي في سوريا ما بعد التحرير ما يزال يمر من بوابة إعادة بناء الحضور الإداري والسيادي على الأرض أولاً، ثم من القدرة على تحويل هذا الحضور إلى ترتيبات انتخابية قابلة للتنفيذ. وهذا يعني أن الشرعية التمثيلية نفسها ليست منفصلة عن الشرط الميداني، بل تخرج منه وتتأثر بإيقاعه.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن التأخير علامة فشل أو عجز. قد يكون، في وجه منه، تعبيراً عن حذر يريد أن يتجنب الذهاب إلى انتخاب ناقص أو هش في محافظة لم تستقر شروطه بعد. لكن الوجه الآخر حاضر أيضاً. فكل تأخير في اكتمال المجلس يعني إطالة المرحلة الانتقالية المؤسسية، وتأجيل لحظة تبلور مؤسسة يفترض أن تبدأ دورها التشريعي والرقابي والسياسي في وقت شديد الحساسية.

ولهذا فإن الحسكة تبدو، في هذه اللحظة، أكثر من محافظة لم تلحق بالموعد. تبدو كأنها المرآة التي تظهر حدود النص حين يحتاج إلى أرض، وحدود الإرادة السياسية حين تحتاج إلى جهاز إداري واجتماعي قادر على حملها. وهذه، في الجوهر، هي المسألة التي يكشفها تأجيل مجلس الشعب أكثر من أي شيء آخر.

التحضيرات الجارية في الحسكة لا تقول فقط إن الانتخابات ستتم لاحقاً، بل تقول إن استكمال مجلس الشعب ما يزال رهناً بقدرة الدولة على تحويل الاتفاقات والانتشار الإداري والتنسيق المحلي إلى تمثيل مكتمل يمكن البناء عليه داخل المؤسسة التشريعية.

ولهذا فإن مجلس الشعب يبدو اليوم مؤجلاً بحكم تعقيد الاستكمال لا بحكم غياب الإرادة. وإذا كانت الحسكة هي الحلقة التي تؤخر هذا الاستكمال، فلأنها تكشف، بوضوح أكبر من سواها، أن التمثيل السياسي في المرحلة الانتقالية لا يُنجز بالنص وحده، بل بقدرة النص على أن يصبح قابلاً للحياة على الأرض.

اقرأ أيضاً: قرار بتشكيل المجلس السوري الروماني برئاسة نور الدين عبد الواحد

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.