بقلم: ريم ريّا
السوق المستعمل في سوريا مساحة اجتماعية تتجاوز حدود البيع والشراء، فهو انعكاس التحولات المعيشة وأساليب التكيّف مع الضغوط الاقتصادية التي ما زالت تعصف بالبلاد. لا ينحصر دور هذا السوق فقط في كونه امتداداً لاقتصاد الظل، بل عند الغوص فيه يقدم لنا مؤشرات معيشية حساسة عن أولويات الناس، وطريقة إدارتهم لمواردهم المحدودة، وبمعنى أدق إعادة تعريفهم لقيمة الأشياء وللاستهلاك نفسه. من الملابس وحتى الكهربائيات والأثاث وصولاً إلى السيارات، يخلق هذا السوق شبكة تبادل متداخلة تجمع ما بين الضرورة والرغبة بالربح، كاشفاً عن أنماط التنافس تارةً والتضامن تارةً أخرى وعن تحول الذوق العام عبر الفترات. مع اتساع السوق المستعمل في سوريا تبعاً للظروف التي مرت بها، بات بمثابة أرشيف يومي لحياة المواطنين السوريين، راصداً نبض المدن المضغوطة التي تبحث عن اتزانٍ في الدخل في ظل واقعٍ لا يمنح الكثير حتى الآن.
السوق المستعمل كمؤشر لأسلوب المعيشة في سوريا
تبعاً للأوضاع الاقتصادية في سوريا، يصبح السوق المستعمل مؤشراً معيشياً لا يمكن الاستهانة فيه. فيعكس بوضوح كيف يتكيف الناس مع الوضع الاقتصادي القاسي. فمع ارتفاع تكاليف السلع الجديدة، يتزايد المعروض من الملابس الأوروبية أو المحلية المستعملة خاصةً في محافظة دمشق وريفها، كذلك تنشط أركان ومحلات الخردة والسلع القديمة التي باتت خياراً أساسياً لكثير من العائلات.
في مدن كاللاذقية وحلب، يظهر تنوع المعروض اتساع الفئات المتأثرة اقتصادياً، بينما تعكس أسواق المستعمل في إدلب وريفها اعتماد شريحة واسعة من السكان على إعادة تدوير الأشياء كخيار معيشة مستقر وليس فقط حلاً مستعجلاً. هذا التغيير في المعروض ليس مجرد أثر جانبي للأزمة الاقتصادية، بل تعبير أعمق وترجمة لتحولات أنماط الاستهلاك في المجتمع، فمع بقاء الضغوط المالية، يصبح من المنطقي بالنسبة لكثير من المواطنين أن يتحولوا من شراء الجديد إلى تبني الاقتصاد البديل أو المستعمل. فكثير من أسواق المدن في سوريا والبسطات على الأرصفة باتت تعج بالمستعمل من كافة الأصناف، ما يدل على أن هذا المسار بات جزءاً من النسيج الاجتماعي، وتخطى كونه رد فعل اقتصادي مؤقت.
فيكشف نوع المعروض وتبدله كيفية إدارة الأسر السورية لميزانيتها التي باتت محدودة، فارتفاع نسبة بيع الأجهزة الكهربائية المستعملة والأثاث المستعمل في السنوات الأخيرة يشير إلى انتقال جزء كبير من السكان نحو تقليل الكماليات والبحث عن بدائل أقل تكلفة ربما لتجديد منازلهم أو فرشها أو تبديل ما تعطل لديهم. وانتشار الألبسة المستعملة يعكس توجهاً عاماً نحو الاستهلاك العملي البعيد عن الموضة والقائم على الحاجة والقدرة الشرائية.
اقرأ أيضاً: حين يسيطر اقتصاد الظل … قراءة في واقع سوريا الاقتصادي المعقد
السوق المستعمل كمؤشر اجتماعي وطبقي على مر السنين
سوق المستعمل مؤشر طبقي بالغ الأهمية لاستقطابه أكثر الأحيان فئة محددة من المواطنين، إذ يكشف التحولات الاقتصادية بشكلٍ فاقع في الخريطة الاجتماعية السورية سواء ما قبل عام 2011 أوما بعده وصولاً إلى اليوم. فبعد أن كان مرتادي هذا السوق من محدودي الدخل والشرائح العاملة ذات الدخل الثابت، اتسعت دائرته خلال العقد الأخير لتشمل الطبقة الوسطى أو ما تبقى منها، والتي تراجعت قدرتها الشرائية للدرجة التي جعلتها تعتمد على المستعمل من الملابس وحتى الأثاث.
تشير مشاهدات التجار الحالية إلى أن النسبة الأكبر من المتسوقين في السوق المستعمل حالياً تنتمي إلى الطبقة الوسطى المتآكلة بالوضع الراهن، تليها الشرائح الفقيرة التي تبحث عن الضروري بأقل سعر ممكن، أما الميسورين فيرتادون السوق بنسب صغيرة بحثاً عن قطع محددة ونادرة ذات جودة عالية يمكن أن توجد فيه.
بعض التقارير الاقتصادية تُرجع ازدهار السوق المستعمل في سوريا وارتياده من قبل مختلف الطبقات إلى الضغوط الاقتصادية الكبيرة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، فالكثير من الناس باتوا غير قادرين على شراء سلع جديدة ويفضلون شراء المستعمل الأقل تكلفة. وترد بعض الشكاوى حول البضائع المستعملة فمنها بالكاد يعمل أو يصلح للاستخدام.
هناك دراسات ميدانية أشارت إلى التوزيع الطبقي لمرتادي هذا السوق، فالفقراء وذوي الدخل المنخفض يزاحمون الطبقة المتوسطة المتدهورة على مراكز الارتياد الأولى، يقول الخبير الاقتصادي “شفيق عربش” أن الكثير من الناس يلجؤون إلى المستعمل لأن الجديد بات خارج معاييرهم المالية. أما الطبقة الوسطى فقبل عام 2011 كثير من أفرادها كانوا يشترون سلعاً جديدة، لكن مع تآكل الدخل بفعل التضخم والبطالة، تحول العديد منهم لشراء المستعمل لتوفير المصاريف.
في دمشق تشير التقارير الإعلامية إلى أن السوق المستعمل بات ملاذاً للكثير من السكان الذين يواجهون صعوبةً في الشراء من المحلات التقليدية، بينما إدلب بفعل النزوح سابقاً والوضح الحالي والحاجة إلى النهوض الاقتصادي فكثير من المواطنين مستخدمي المستعمل هم من الفقراء. وفي حلب تحديداً حلب القديمة تنشط فيها أسواق الخردة والأثاث المستعمل.
مما تقدم يمكن قراءة أن السوق المستعمل لم يعد خياراً قسرياً فرضته الأزمات على فئه معينة، بل بات خياراً روتينياً للطبقات الاجتماعية التي تسعى للحفاظ على مستوى معيشي لائق، أو على الأقل مقبول في ظل الصعوبات الاقتصادية.
السوق المستعمل هو ذاكرة للماضي أم ساحة صفقات للربح
أي سوق في العالم سواء تقليدي أو مستعمل هو عبارة عن مزاد للصفقات والربح السريع، لكن السوق المستعمل في سوريا له حالة خاصة. إذ بات مساحة تحمل مختلف طبقات المجتمع ما يشكل ذاكرة اجتماعية حتى لو اختزلت الحركة فيه بالبيع والشراء فقط.
فبين الأثاث المتنقل بين البيوت الكثيرة، والملابس التي تحمل آثار الآخرين، والأجهزة الناجية من الاستهلاك المتكرر… يراكم السوق مواداً تكشف عن التحولات الجذرية في حياة المواطنين. فهو أرشيف حي لذوق الطبقات المتغيرة وقدرتهم على الشراء على مر الأزمنة، ولمستوى الرفاهية الذي سجل تراجعاً واضحاً. لكن بالرغم من كل ذلك، يبقى السوق ساحة واضحة للصفقات تدار فيه المفاوضات الشرسة بين البائع الذي يحاول زيادة ربحه والمشتري المتمسك بالسعر المنطقي. هذا التداخل بين الذاكرة من جهة والاقتصاد من جهةٍ أخرى هو ما يمنح السوق المستعمل خصوصيته، ففيه تختلط قصص الناس وتتقلب مع العرض والطلب، وتتداخل فيه مقتنيات الماضي مع ضغط الحاضر.