منذ اندلاع الصراع السوري عام 2011 لم تكف “إسرائيل” عن العبث بالأمن والاستقرار السوري، إذ اتبع الكيان سياسة “المعركة ما بين الحروب” في الداخل السوري، مستهدفاً ثكنات الجيش السابق والحالي على حدٍ سواء، ولم تقف تدخلات الاحتلال الإسرائيلي عند هذا الحد، بل تعدت ذلك لقصف البنى التحتية السورية والمعابر الحدودية متذرعاً بقصف مستودعات وطرق لإيران وأذرعها كحزب الله اللبناني.
لتتوسع وتيرة الضربات والتدخلات الإسرائيلية بشكل تدريجي لتشمل مراكز قيادة ومخازن ومنشآت دفاع جوي في العمق السوري على مر سنوات الصراع، وعلى امتداد تلك الأعوام تغيّر إيقاع الاستهدافات وتبدلت الأهداف تبعاً لخريطة السيطرة في سوريا.
تنسج السياسة الإسرائيلية خيوطها وفق تقلبات الإقليم وعلى مَرسى المحادثات غير المعلنة بين أطراف الإقليم. شكلت دمشق بنك أهداف إسرائيلي بغض النظر عن السلطة التي تحكمها، حالها حال عموم سوريا. فشهدت البلاد موجات قصف بارزة تركزت على المطارات والأهداف الحيوية في أرجاء البلاد، واليوم انخفض وتيرة هذه التدخلات والتمدد البري تبعاً لمفاوضات تجري بين السلطة الحالية في دمشق وسلطات الكيان لكنها جددت بخرق إسرائيلي جديد للسيادة السورية. فهل السكون المتغير مع المتغيرات سيصبح دائم؟
تصاعد تدخلات الاحتلال الإسرائيلي
في ديسمبر 2024 وما بعد سقوط النظام السوري، اتخذت الضربات الإسرائيلية منحى تصعيدي خطير واتجهت للتصعيد النوعي والمكاني إذ دمرت 80% وأكثر من مقدرات الجيش السوري من دفاع جوي وطائرات حربية، وسفن وزوارق حربية بحرية وثكنات عسكرية كانت تتبع للنظام السابق. الضربات الإسرائيلية الأخيرة كانت مرّكزة على مراكز لها طابع سيادي في قلب العاصمة دمشق..
كان أعنفها قصف بناء “هيئة الأركان – القيادة العامة”، والقصف طال مناطق قرب القصر الجمهوري مرتين، وقد قُصف القصر الرئاسي في 16 تموز من العام الحالي بالتوازي مع عمليات توغل برّي محدود في الجنوب (ريف لقنيطرة).
كان آخر التوغلات أمس في قرية “بريقة “حيث استولت قوات الاحتلال على ثكنة للأمن العام السوري وأقامت حاجز تفتيش هناك، وتوغل محدود في (ريف دعا). ويضاف لتدخلات الاحتلال الإسرائيلي توغل جديد اليوم في ريف دمشق على أطراف قرية ومزرعة “بيت جن” وتحديداً في منطقة “باط الوردة”، وسط تذّرع اسرائيلي بالبحث عن مخربين وتم استهدف المدنيين بالرصاص مباشرةً.
التوغلات في أيام السقوط الأولى وما تلاها وصولاً للأمس في القنيطرة تخللتها انسحابات سريعة بعد تنفيذ الأهداف، وتترافق التوغلات الإسرائيلية في بعض الأحيان مع هدم منازل كما في منطقة الحميدية بالقنيطرة السورية، في السياق ذاته سجلت القنيطرة مواقف شعبية رافضة للمساعدات المقدمة من الكيان تضمنها حرق طرود الإغاثة ورفض استلامها.
لكن اللافت في ضربة الأركان السورية أنها جاءت بعد تقارير تشير عن اجتماع سوري – اسرائيلي على مستوى وزاري في مدينة “باكو ” في أذربيجان في تموز الفائت، فلماذا لم يتجمد الإيقاع العسكري الإسرائيلي آنذاك رغم القنوات الدبلوماسية المفتوحة، وهل ستحل المفاوضات الحالية موضوع التدخلات الإسرائيلية في سوريا وتوقفها؟
اقرأ: هل سيبني الإسرائيليون مستوطنات في سوريا؟
هدنة ظرفية أم مسار دائم …
مع التصعيد الإسرائيلي في تموز الفائت، سارعت مؤشرات خفض التصعيد للظهور في الأسابيع التي تلت هذا التعنت وتتالي تدخلات الاحتلال الإسرائيلي السافرة بالداخل السوري. فبعد أحاديث مباشرة وغير مباشرة في “باكو” صدرت إشارات أمريكية وتلميح برعاية اتفاق يسهم بخفض التصعيد من خلال خطوات متفق عليها بين الجانبين السوري والاسرائيلي.
واشنطن تلعب دوراً بارزاً ومفصلياً ضاغطاً وميسراً في آن معاً، فالإدارة الأميركية المتمثلة “بترامب” تشجع على فتح قنوات التفاوض وتعمل على تقييد زوايا التصعيد بين الطرفين، لكن مع تحفظها على منح “فيتو” كامل يعطل الضربات الإسرائيلية التي يُزعَم بأنها دفاعية، عن أمن “إسرائيل” كما يقال.
وفق ما أوردت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” أن الرئيس الشرع أكد وجود محادثات “متقدمة”، وفق وصفه، مع إسرائيل بشأن الاتفاق الأمني وأن الاتفاق سيكون على أساس خطوط فك الاشتباك لعام 1974 التي اتفقت عليها حكومة الكيان ودمشق بعد حرب يوم الغفران، في ظل لقاءه لوفد إعلامي عربي، جاء هذا التصريح من رأس السلطة في سوريا بالتزامن مع لقاء المبعوث الأميركي لنتنياهو رئيس وزراء الكيان.
وصل المبعوث الأميركي “توماس باراك” إلى إسرائيل يوم أمس الأحد 24 آب واجتمع مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لبحث الملفين السوري واللبناني، بحسب ثلاثة مسؤولين إسرائيليين، في حين أفادت تقارير بأن “تل أبيب” تقترب من تأمين تفاهمات مع دمشق.
آخر التقارير تشير إلى أنّ الإسرائيليين سيشترطون على دمشق نزع السلاح من الجولان السوري، وحظر الأسلحة التي قد تهدد إسرائيل، في حين تقوم الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة بإعادة تأهيل سوريا.
يُجري مسؤولون سوريون وإسرائيليون محادثات بوساطة أمريكية لتهدئة الصراع في جنوب سوريا. وكانت جولة سابقة من المحادثات قد عُقدت في باريس أواخر تموز، لكنها انتهت دون التوصل إلى اتفاق نهائي، في حين أفادت القناة 12 الإسرائيلية، مساء أمس الأحد، بمبادئ الاتفاق الأمني المرتقب توقيعه بين إسرائيل وسوريا، وقال التقرير إن الجانبين سيتفقان على نزع السلاح من الجانب السوري من مرتفعات الجولان، ومنع دخول أي أسلحة إلى سوريا من شأنها أن تهدد إسرائيل، وإنشاء ممر إنساني إلى منطقة “جبل الدروز” في سوريا، في مقابل إعادة تأهيل سوريا التي مزقتها “الحرب الأهلية” منذ عام 2011 من قبل الولايات المتحدة ودول الخليج.
على العموم لا أمان مع الكيان، إسرائيل فرّطت في أسراها في غزة غير مكترثة لمصيرهم بل استخدمتهم كورقة ضغط على “حماس” لتنفيذ شروطها، وأيّ تطبيع أو اتفاق مع إسرائيل لا يعني السلام، ومصر والأردن دليل حيّ على ذلك.. رغم اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، ومعاهدة وادي عربة مع الأردن ما تزال إسرائيل تضغط على كلا البلدين لتنفيذ أطماعها بتحقيق “إسرائيل الكبرى” الحلم الإسرائيلي الجامح والكابوس العربي الذي بات وشيك التحقق بعد الهجمات الإسرائيلية المتصاعدة على دول الطوق، حتى الاستقواء بإسرائيل رهانٌ خاسر، فهي لا تخدم إلاّ مصالحها.
أيّ اتفاق مع الكيان من أي طرف هو اتفاق “هش” تتحكم فيه التحولات في المنطقة. فقد خَرقت إسرائيل اليوم وقف التوغلات عبر تدخلات للاحتلال الإسرائيلي طالت الداخل السوري بتوّغل جديد في ريف دمشق، بعد توّغل القنيطرة أمس، فهل هذه رسائل لدمشق؟