بقلم: ريم ريّا
جبل الشيخ في سوريا من أهم المرتكزات المائية في بلاد الشام، نظراً لدوره الحيوي في تغذية العديد من الأحواض والأنهار الجارية نحو الداخل السوري واللبناني. وتتجاوز أهميته البعد الطبيعي ليأخذ طابعاً استراتيجياً، إذ يرتبط مباشرةً بالأمن المائي للدول المحيطة. منذ احتلال إسرائيل لجزء من الجبل عام 1967، أصبحت السيطرة عليه أحد عناصر الضغط الجيوسياسي، حيث تمثل الموارد المائية الآتية منه عاملاً محورياً في معادلات القوة الإقليمية. وتطرح مخاوف دائمة من تأثير هذا الواقع على الأمن المائي للعاصمة دمشق تحديداً، خاصةً في ظل التحولات المناخية وتزايد الحاجة إلى مصادر المياه المستدامة. في هذا المقال سنوضح نسبة السيطرة الإسرائيلية على المياه في سوريا، وخطر تلك السيطرة.
“عين الأمة” لإسرائيل.. وحصن دمشق
استغلت دولة الاحتلال الإسرائيلي سقوط نظام بشار الأسد وانشغال السوريين بشؤونهم الداخلية للسيطرة على المزيد من الأراضي في سوريا وقضمها، إلى جانب مرتفعات الجولان التي احتلتها منذ عام 1967. سارعت يوم سقوط النظام الأحد 8 كانون الأول لاحتلال جبل الشيخ الاستراتيجي بالكامل، والمنطقة العازلة مع سوريا والعديد من القرى والبلدات في القنيطرة جنوب البلاد، حتى صارت الدبابات الإسرائيلية على بعد 20 كيلومتراً من العاصمة دمشق.
هذه التحركات الإسرائيلية في جنوب غرب سوريا جاءت بعد ساعات من إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عن انهيار اتفاق “فض الاشتباك” الموقع مع سوريا عام 1974، وإصداره أوامر للجيش بالاستيلاء على المنطقة العازلة التي تبلغ مساحتها 235 كيلومتراً مربعاً، وتنتشر فيها قوات “أندوف” التابعة للأمم المتحدة.
يتميز جبل الشيخ في سوريا بموقعه الإستراتيجي وارتفاعه الشاهق الذي يصل إلى حوالي 2814 متراً فوق سطح البحر، مما يجعله أعلى قمة في البلاد. ويشكل الجبل نقطة تقاطع جغرافي بين ثلاث دول: سوريا، لبنان، وفلسطين المحتلة، مما أكسبه أهمية تاريخية وعسكرية.
يعد جبل الشيخ مصدراً مهماً للمياه، فتغذي ينابيعه العديد من الأنهار مثل: نهر الحاصباني (ينبع من السفوح الشمالية الغربية لجبل الشيخ ويصب في لبنان)، نهر بانياس الجولان (ينبع من كهف بانياس عند حافة جبل الشيخ في الأراضي السورية ويصب في فلسطين المحتلة)، نهر اللدان (ينبع من سفوح جبل الشيخ هو أحد روافد نهر الأردن العلوي)، نهر الأردن (أطول الأنهار التي تنبع من جبل الشيخ).
جبل الشيخ يشكل خزاناً طبيعياً للمياه العذبة التي تغذي دمشق والداخل السوري. لكن سيطرة إسرائيل عليه قد تحوّل المياه إلى أداة ضغط عبر التحكم بالتدفق، ما يهدد العاصمة بمجاعة مائية ويجعلها غير صالحة للحياة مستقبلاً، مع ما يرافق ذلك من نزوح وفوضى اجتماعية. كما يعتبر جبل الشيخ مصدراً مهماً للمياه في المنطقة، حيث تذوب الثلوج التي تغطي قممه وتسهم في تغذية نهر الأردن، الذي يوصف بأنه شريان مائي حيوي للكيان في الأراضي الفلسطينية والأردن.
اقرأ أيضاً: جبل الشيخ.. أرض مغتصبة بفعل موقعها وتاريخها
السيطرة الإسرائيلية على المياه في سوريا
الجنوب السوري اليوم ليس شاهداً فقط على غطرسة الاحتلال، بل على الانهيار الفادح للأمن المائي في البلاد. بعدما تحول الانسحاب من إدارة السدود والموارد الجوفية عقب السقوط إلى ثغرة استغلها الكيان لتكريس تفوقه المنبعي. فمع سقوط بشار في عام 2024، غابت الإدارة المركزية عن ستة سدود رئيسية في القنيطرة، مما حول شبكات الري ومحطات الضخ إلى ساحات مستباحة جاهزة للانقضاض عليها. فتراجعت إثر ذلك تدفقات نهر الرقاد وروافده بأكثر من 30 بالمئة، وجفاف معظم خزانات المحافظة.
هذا الفراغ مهد لتوغل هندسي وعسكري إسرائيلي هادئ، شمل حفر آبار عميقة، وتحويل مسارات المياه نحو بحيرة طبريا، والسيطرة على البنية المائية من جبل الشيخ حتى سفوح الجولان. مع استمرار استنزاف الأحواض الجوفية المشتركة تحت غطاء مشاريع إنسانية، بات الجنوب السوري عملياً خطاً مائياً تتحكم به تل أبيب، في حين تعجز مناطق واسعة في سوريا عن تأمين احتياجاتها الأساسية، لتتكشف أزمة مائية تنذر بالانهيار الكامل.
في كانون الثاني 2025، حوّلت القوات الإسرائيلية سد المنطرة الذي يُعد أكبر خزان مياه في جنوب سوريا، إلى نقطة عسكرية، لتستولي على المياه وتدفع السوريين إلى العطش. سد المنطرة بسعة 40 مليون متر مكعب، والسد على بعد بضع مئات من الأمتار شرق القنيطرة، وحوالي 50 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة دمشق، داخل المنطقة العازلة التي أنشئت على مرتفعات الجولان عام 1979.
توجد في القنيطرة ستة سدود هي المنطرة، الرويحينة، بريقة، كودنة، الهجة، بالإضافة إلى غدير البستان. ويبلغ إجمالي كميات المياه فيها 80 مليون متر مكعب. ويعتبر المنطرة السد الأهم فيها، ويستقطب أكثر من نصف مياه المحافظة التي تصب فيه.
تشكل مرتفعات الجولان والقنيطرة 70% من موارد المياه العذبة بين سوريا وفلسطين المحتلة، وفقاً لتقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي صدر عام 2022. لكن سد المنطرة، هو القطعة الأهم في أحجية المنطقة، إذ أن موقعه على ارتفاع 1100 متر يجعله نقطة تحكّم تلقائية في تدفق المياه شمالاً نحو حوض بردى، وجنوباً نحو بحيرة طبريا”.
في حين تقول وثائق الأمم المتحدة إن 35% من موارد المياه الإسرائيلية تأتي من الجولان والقنيطرة. ووفقاً لكتاب “الجدار المائي” 2019، فإن “السيطرة على الجولان لم تكن لأسباب أمنية فقط، بل لضمان استمرار تدفق 500 مليون متر مكعب سنوياً إلى إسرائيل”. وتظهر خريطة تدفق الينابيع تغيراً جذرياً: 7 من أصل 12 نبعاً في محيط السد انحسر تدفقها بنسبة 70% منذ 2022، بينما زادت كميات المياه في مستوطنة نيفي أتيڤ الإسرائيلية القريبة بنسبة 40% خلال الفترة نفسها.
سيطر جيش الاحتلال الإسرائيلي على 10 مصادر مياه رئيسة في جنوب سوريا ومسطحات مائية رئيسة، تُقدر بما يشكل نسبة 30 بالمئة من إمدادات المياه في سوريا، و40 بالمئة من إمدادات المياه في الأردن، بتقدير أنها نابعة من سوريا.
احتلت قوات الاحتلال 6 أنهار ومسطحات مائية، خلال كانون الأول عام 2024، أبرزها، مجرى نهر اليرموك، وسد الوحدة، الذي يُعد أحد أهم مصادر المياه والكهرباء في سوريا، ويزود الأردن أيضاً بالمياه.
استولت إسرائيل أيضاً على “تسعة سدود أخرى” خارج المنطقة العازلة، كلها في محافظتي القنيطرة ودرعا في سوريا التي تمددت بها قوات الاحتلال بهدف الاستيلاء على مصادر المياه، ليصبح إجمالي ما يسيطر عليه الاحتلال 10 أنهار وسدود ومسطحات مائية. فقد احتل الجيش الإسرائيلي “سد رويحينة” الأصغر حجماً والذي يقع على بعد 2.5 كم أسفل “نهر الرقاد” ذاته، والذي يشكل الحدود الطبيعية لمرتفعات الجولان إلى الشرق.
وعلى نفس النهر، على بعد عشرة كيلومترات أخرى في اتجاه مجرى النهر، يوجد “سد كودنا” الذي يبلغ طوله ثلاثة كيلومترات، والذي يشغله “سد بريقة” الأصغر المجاور له، وتم احتلاله. وهناك سدان آخران أكبر حجماً نسبياً على نهر الرقاد، وهما “سد غدير البستان” قرب بلدتي زغبي والناصرية، و“سد جسر الرقاد” قرب صيدا وعين زكار. أما السد العاشر المحتل، فهو سد الوحدة (المقارن)، وهو سد خرساني يبلغ ارتفاعه 110 أمتار على نهر اليرموك، على الحدود بين سوريا والأردن. بذلك تكون سيطرة إسرائيل على المياه السورية قد بلغت نسبة 80 – 85% ما ينذر بوقوع كارثة حقيقية.
ماذا يعني استمرار سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على جبل حرمون
في حال استمرت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على جبل الشيخ في سوريا، فهذا يعني أن سوريا فقدت عملياً مفاتيح أمنها المائي من المنبع. فالجبل يشكل الخزان الأعلى الذي يغذي روافد اليرموك والأردن وشبكة الأحواض الجوفية التي تمتد نحو القنيطرة ودرعا.
بقاء الجبل خارج السيادة السورية يتيح حكماً لتل أبيب التحكم بتدفق المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج ومسارات التغذية الجوفية، وضبط الكميات المتجهة جنوباً وشرقاً وفق احتياجاتها هي لا وفقاً لتوازنات الحوض المشترك. هذه السيطرة الاستراتيجية لا تترجم فقط على أنها تفوق أمني أو تقني أو مراقبة “هيدرولوجية”، بل هي تقييد للقدرة المستقبلية لسوريا على التخطيط لإعادة تأهيل الموارد أو بناء سدود فعالة للريّ، لأن مصدر كل ذلك بات خاضعاً لإدارة الاحتلال. بهذا بات جبل الشيخ نقطة الضغط التي ستعيد تعريف الأمن المائي السوري. فلقد بات اليوم هذا الأمن رهينةً لسياسات الاحتلال المتحكم بالمياه قبل أن تصل إلى الأراضي السورية.