الكاتب: أحمد علي
صورةٌ واحدة تكشف حجم التحول، خيامٌ ممتدة في مخيم الهول كانت لسنوات عنواناً لمعضلة لا تنتهي، ثم طائرات تنقل معتقلين مصنفين خطرين إلى خارج الحدود، فيما خرائط السيطرة في شمال شرق سوريا تتبدل بسرعة. السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم ليس ما إذا كان تنظيم داعش قد هُزم عسكرياً فقط، بل ما إذا كانت جذوره التي تغذت على الفوضى والسجون والمخيمات قد اقتلعت فعلاً، أم أنها غيرت جلدها وتنتظر فرصة أخرى.
ملف داعش في سوريا اليوم
في 21 كانون الثاني 2026، تسلمت قوات حكومية سورية إدارة مخيم الهول بعد سنوات من إدارته من قبل قوات سوريا الديمقراطية، ضمن ترتيبات سياسية وأمنية أوسع تعيد تشكيل المشهد في الشمال الشرقي.
وفي اليوم نفسه، بدأت الولايات المتحدة نقل معتقلي داعش من منشآت احتجاز في سوريا إلى مواقع أكثر تحصيناً في العراق لمنع هروب جماعي، وتحدثت عن إمكانية أن يصل العدد إلى نحو 7000 إذا ساءت ظروف السيطرة. وأشارت التقارير إلى أن المخيم يضم قرابة 24 الف شخص مرتبطين بداعش، وهو رقم يفسر حساسية أي فراغ أمني. ومع انتقال الإدارة تُطرح أسئلة حول قدرة دمشق على إدارة ملف دولي معقد، وحول شروط واشنطن وبغداد، وحول مصير المحتجزين غير العراقيين، إضافة إلى من سيتولى الإسناد والتمويل والخدمات في الأيام الأولى من الانتقال.
الهول بين أمن واحتياج
تظهر تعقيدات مخيم الهول حين يُقرأ بوصفه مكاناً يعيش فيه عشرات الآلاف من النساء والأطفال والنازحين، لا بوصفه مساحة احتجاز فقط. وربطت تقارير لوزارة الخارجية الأميركية في 2025 بين ضعف الخدمات وطول أمد الإقامة وبين ارتفاع قابلية التطرف لدى اليافعين، وتحدثت عن أثر الفقر والصدمات النفسية في تسهيل الاستقطاب داخل المخيم وخارجه.
وأشارت منظمات إنسانية إلى أن عودة السوريين من المخيم بقيت محدودة ومعقدة، وأن معظم الخروج يتم عبر ترتيبات استثنائية، ما يترك غالبية المقيمين عالقين في حلقة انتظار. وهذا التأجيل لا يبقى إنسانياً فقط، بل يتحول إلى وقود دعائي لداعش بحسب تقارير رسمية، لأنه يقدم المخيم كرمز للظلم ويترك مجالاً لشبكات داخلية لفرض النفوذ. لذلك يصبح تحسين الخدمات وإتاحة الخروج المنظم جزءاً من أمن ملف داعش في سوريا، لا ملفاً إنسانياً جانبياً.
السجون العراقية كخيار أوسع
الانتقال من المخيم والسجون السورية إلى السجون العراقية لا يجري من فراغ، بل يأتي على خلفية خوف متكرر من هجمات على منشآت احتجاز في الحسكة. وتتحدث المعطيات عن أن النقل إلى العراق يستهدف بالدرجة الأولى المعتقلين الأكثر خطراً، وأنه يتم بتنسيق مع بغداد التي تقول إنها ستحاكمهم وفق قوانين مكافحة الإرهاب.
العراق يملك أيضاً مساراً قائماً لإعادة مواطنيه من مخيم الهول على دفعات، ثم نقلهم إلى مراكز فرز وتأهيل مثل مخيم الجدعة قبل السماح بالعودة أو الإحالة إلى القضاء، مع دعم دولي في بعض البرامج. مسؤولون عراقيون تحدثوا في 2025 عن نية إغلاق ملف العراقيين في الهول ضمن إطار زمني، لكن توسعة المسار نحو المقاتلين تثير قلقاً شعبياً، خصوصاً لدى عائلات الضحايا. ونجاح الخيار العراقي يتوقف على شفافية المحاكمات، وعلى رقابة فعالة لبرامج التأهيل، وعلى ضمان ألا تتحول السجون نفسها إلى مدارس للتطرف.
اقرأ أيضاً: عندما تفتح سجون داعش: فراغ أمني وورقة ضغط سياسي!
القانون والحقوق والعدالة المؤجلة
ينبه حقوقيون إلى أن استمرار الاحتجاز غير المحدد المدة يترك الملف معلقاً بين الأمن والعدالة. ودعا خبراء تابعون للأمم المتحدة في 2025 إلى إنهاء الاحتجاز التعسفي المرتبط بداعش في شمال شرق سوريا، والانتقال إلى حلول تقوم على المحاكمة أو الإعادة إلى بلدان الأصل.
ومن جهة أخرى تحذر منظمات حقوقية من أن نقل المعتقلين بين سلطات مختلفة يثير أسئلة حول الولاية القضائية ومعايير المحاكمة وإمكانية الوصول إلى محامين، إضافة إلى مشكلة الأدلة التي قد تكون متناثرة بين ساحات معارك ووثائق محلية وشهادات متضررين. وركزت مبادرات أوروبية لدعم العراق على تدريب كوادر على مقابلات تراعي الصدمة وتحترم المعايير، في محاولة لتقليل الأخطاء التي قد تولد مظالم جديدة.
ومع ذلك يبقى النقاش مفتوحاً حول آلية دولية لمعالجة ملفات المقاتلين الأجانب، لأن تكديسهم في دولة واحدة يخلق عبئاً أمنياً وسياسياً طويل الأمد، ويعيد طرح سؤال المسؤولية المشتركة.
هل انتهت داعش حقاً؟
القول بانتهاء داعش في سوريا يعتمد على تعريف النهاية. فالتنظيم فقد مناطق حكمه، لكن مراقبين يرون أن خلاياه النائمة تستفيد من فراغات السيطرة ومن صراع الأولويات حين تنشغل القوى المحلية بتثبيت النفوذ. فالمخيمات والسجون ليست مخلفات حرب فقط، بل عقدة يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد إذا ضعفت الحراسة أو تعطلت مسارات المحاكمة والإعادة.
والتحوّل من الهول إلى السجون العراقية قد يقلل مخاطر الانفلات الفوري، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال المستقبل. ملف داعش في سوريا يحتاج مساراً متماسكاً يربط بين أمن مواقع الاحتجاز، وعدالة تردع وتعيد الاعتبار للضحايا بحال وجودهم، وبرامج تمنع إعادة إنتاج التطرف بين الأطفال والشباب.
أي أن التحول الأكبر اليوم قد يكون بداية نهاية مرحلة المخيمات، لكنه لا يعني أن ملف داعش في سوريا قد أُغلق، بل يعني أن المعركة انتقلت من ساحة القتال إلى ساحة الإدارة والقضاء وإعادة البناء، فيما ويبقى الحذر واجباً أمام التحولات.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: شبيك لبيك.. داعش بين إيديك!