الكاتب: أحمد علي
لا تظهر الكارثة الزراعية دائماً كحريق واضح في الحقل. أحياناً تبدأ من ثقب صغير في جذع نخلة، ومن يرقة تعمل في الداخل، ومن فسيلة انتقلت من مكان إلى آخر بلا فحص كاف. ثم تتراكم الخسارة بصمت. شجرة بعد شجرة، ومزرعة بعد أخرى، إلى أن يصبح السؤال أكبر من قدرة حملة محلية على الإجابة.
هذا ما يجعل سوسة النخيل الحمراء أكثر من آفة زراعية عادية. فهي لا تقف عند حدود بستان، ولا عند حدود دولة. تدخل مع المواد النباتية، تختبئ داخل النخلة، وتحتاج إلى وقت حتى تكشف نفسها. وحين تظهر العلامات، يكون الضرر قد سبق العين.
من هنا يمكن قراءة الدعوة السورية إلى إنشاء مركز إقليمي لمكافحة سوسة النخيل الحمراء. ليست الدعوة مجرد رغبة في مؤسسة جديدة، ولا عنواناً إضافياً في ملف الزراعة. هي محاولة، إذا توفرت لها الأدوات، لنقل المواجهة من رد الفعل إلى الرصد المبكر، ومن المعالجة المتفرقة إلى نظام يتعامل مع آفة عابرة للحدود بمنطق عابر للحدود أيضاً.
سوسة النخيل الحمراء وسؤال المركز الإقليمي
في 29 نيسان 2026، دعا وزير الزراعة السوري أمجد بدر، خلال اجتماع وزاري رفيع المستوى في أبو ظبي ضمن ائتلاف مكافحة سوسة النخيل الحمراء، إلى إنشاء مركز إقليمي متكامل في سوريا. وبحسب ما نشرته وكالة سانا، يفترض أن يختص المركز بتطوير أساليب الرصد المبكر، والمكافحة المتكاملة، والمكافحة البيولوجية المتقدمة.
هذه الصياغة تضع الفكرة في مكانها الصحيح. فالمركز المقترح لا يتعلق بالرش وحده، ولا بإزالة الأشجار المصابة فقط. المطلوب، وفق الطرح السوري، بنية قادرة على معرفة أين تبدأ الإصابة، وكيف تتحرك، وما الوسائل الأقل كلفة والأكثر فعالية للحد منها. وهذه نقطة أساسية. فالآفة التي تعمل في الداخل لا تُهزم بعمل موسمي قصير.
ربط الوزير السوري الدعوة بوضع زراعة النخيل في البلاد، وبالأضرار التي لحقت بواحات تدمر ودير الزور والبوكمال، وبآثار الحرب والتغيرات المناخية وضعف الإمكانات. هنا تصبح المسألة سورية وإقليمية في الوقت نفسه. سورية لأنها تمس مناطق وواحات تضررت بشدة، وإقليمية لأن الآفة لا تعترف بحدود الجمارك والسياسة.
الاجتماع نفسه لم يكن معزولاً. فقد شهد إشهار إعلان أبو ظبي الثالث لمكافحة سوسة النخيل الحمراء 2026، استكمالاً لإعلانين سابقين في عامي 2019 و2024. ووفق ما نشرته سانا، جاء الائتلاف استجابة لتوصيات مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ كوب 28، ولحماية القيمة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لنخيل التمر، مع اعتماد حلول مبتكرة وصديقة للبيئة. بهذا المعنى، لا تتحرك دمشق خارج المسار الدولي، بل تحاول أن تجد موقعاً عملياً داخله.
آفة صغيرة وخسارة واسعة
تصف منظمة الأغذية والزراعة سوسة النخيل الحمراء بأنها من أخطر الآفات التي تهدد نخيل التمر. أصلها من آسيا، لكنها انتشرت خلال العقود الأخيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا ومناطق أخرى. خطورتها ليست في حجمها، بل في طريقتها. فهي تتغذى داخل أنسجة النخلة، ما يجعل كشف الإصابة في بدايتها صعباً.
هذه الخاصية وحدها تكفي لشرح جزء كبير من المشكلة. فالمزارع قد يرى النخلة قائمة، بينما يجري تدميرها من الداخل. وحين تبدأ الأعراض الظاهرة، قد تكون الآفة قد انتقلت أو أصبحت معالجة الشجرة مكلفة وغير مضمونة. لذلك لا يمكن بناء سياسة مكافحة على انتظار العلامات المتأخرة.
تشير الفاو إلى أن نحو 90 في المئة من تمور العالم تنتج في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وأن سبل عيش قرابة 50 مليون مزارع تتأثر بسوسة النخيل الحمراء. كما تشير إلى أن نخيل تمر بقيمة 480 مليون يورو يتلف سنوياً في بلدان المتوسط بسبب هذه الآفة. هذه الأرقام تنقل النقاش من مستوى الحشرة إلى مستوى الاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي والمعيشة الريفية.
الآفة هنا لا تضرب شجرة فقط. تضرب عملاً، ودخلاً، ومشهداً بيئياً، وتراثاً زراعياً قديماً. وهذا ما يفسر لماذا تتعامل دول عدة معها كملف يحتاج إلى تعاون إقليمي لا إلى إجراءات محلية متفرقة.
سوريا ليست جديدة على الإصابة
عرفت سوريا سوسة النخيل الحمراء منذ سنوات. بحسب ما نشرته سانا في شباط 2024، اكتُشفت الآفة في البلاد عام 2005 في محافظة اللاذقية، ثم ظهرت لاحقاً في مناطق أخرى. في عام 2016 سجلت الإصابة في الحواش وتلكلخ ووسط مدينة حمص، وفي عام 2018 سجلت في ريف دمشق.
الأرقام التي أوردتها المصادر السورية تكشف حجم الكلفة. فقد قُطع نحو 7045 شجرة نخيل تمر مثمرة مصابة، إضافة إلى 1060 شجرة نخيل مروحي و73000 غرسة وفسيلة. هذه ليست أرقاماً جانبية. كل شجرة مقطوعة تعني خسارة وقت طويل من النمو، وكل فسيلة مصابة تعني احتمال نقل الخطر إلى مكان آخر إذا لم تُضبط الحركة النباتية.
في شباط 2024، أطلقت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي بالتعاون مع محافظة دمشق حملة لمكافحة سوسة النخيل الحمراء في دمشق وريفها. هدفت الحملة إلى الحد من آثار الآفة عبر الرش الوقائي الدوري، ومتابعة المشاتل والمنصفات والحدائق العامة، وتنظيم الجهود لخفض مستوى الإصابة إلى أقل من واحد في المئة. كما قُسمت مدينة دمشق إلى عشرة قطاعات، وشُكلت لجنة رئيسية في الوزارة ولجنة دائمة للمتابعة والتقييم.
هذه الإجراءات تظهر أن الملف ليس نظرياً. هناك خبرة محلية، وهناك إصابات موثقة، وهناك كلفة سابقة. لكنها تظهر أيضاً أن العمل بقي مرتبطاً بحملات وقطاعات ولجان. المطلوب الآن، وفق فكرة المركز الإقليمي، أن يتحول هذا التراكم إلى بنية أوسع وأكثر ثباتاً.
لماذا لا تكفي الحملات؟
الحملة تعالج مرحلة من المشكلة. لكنها لا تملك دائماً قدرة دائمة على الرصد والإنذار والتنسيق. وسوسة النخيل الحمراء تحتاج قبل أي شيء إلى وقت مبكر. من يصل متأخراً يدفع أكثر، ويقطع أكثر، ويخسر أكثر.
تؤكد الخطوط التوجيهية للفاو حول إدارة هذه الآفة أهمية المكافحة المتكاملة، بما يشمل المراقبة، وتدابير الصحة النباتية، والكشف المبكر، وبروتوكولات الاصطياد بالفيرومونات، والمعالجات الوقائية والعلاجية، والإزالة والتخلص الآمن من الأشجار المصابة بشدة، وأفضل الممارسات الزراعية. هذا ليس تفصيلاً تقنياً. إنه هيكل المعركة كلها.
إذا بقي العمل محصوراً في الرش، سيبقى ناقصاً. وإذا بقي الحجر النباتي ضعيفاً، ستدخل الفسائل المصابة إلى مناطق جديدة. وإذا غابت البيانات، لن يعرف المسؤول أين يضع المصائد، ولا أين يرسل الفرق، ولا أي منطقة تحتاج إلى تدخل عاجل. لذلك يكون المركز، إذا أُنشئ على نحو جدي، وسيلة لتجميع ما يتفرق عادة بين الوزارة والبلديات والمشاتل والمزارعين والمراكز البحثية.
المطلوب ليس مبنى جديداً باسم كبير. المطلوب نظام. قاعدة بيانات، فرق رصد، مختبرات، تدريب، بروتوكولات واضحة، وتنسيق مع الحجر الزراعي والجهات المحلية. من دون هذه الأدوات يصبح المركز عنواناً إدارياً، بينما تواصل السوسة عملها بصمت.
ماذا يمكن أن يفعل مركز إقليمي؟
الدور الأول لأي مركز جدي هو الرصد المبكر. لا قيمة للمكافحة إذا جاءت بعد انتشار الإصابة. الرصد يعني شبكة مصائد، ومسوحات دورية، وتحديثاً مستمراً للخرائط، وربطاً بين البلاغات الميدانية والتحليل الفني. هكذا تنتقل الإدارة من رد الفعل إلى التوقع.
الدور الثاني هو تطوير المكافحة المتكاملة. لا يكفي الاعتماد على المبيدات وحدها، ولا على إزالة الأشجار وحدها. المطلوب مزج الحجر النباتي بالمصائد والمعالجات المستهدفة والمكافحة الحيوية والتخلص الآمن من الأشجار شديدة الإصابة وتحسين الممارسات الزراعية. حديث الوزير السوري عن المكافحة البيولوجية المتقدمة يذهب في هذا الاتجاه، بشرط أن يستند إلى بحث وتمويل وتجارب ميدانية لا إلى شعار عام.
الدور الثالث هو التدريب. تشير الفاو، ضمن برنامجها الإقليمي، إلى أهداف تشمل 60 تدريباً، بينها 10 دورات إقليمية لتدريب المدربين و50 دورة وطنية، والوصول إلى 3.2 مليون مزارع عبر خدمات الإرشاد، وإدارة أكثر من 50 في المئة من نخيل التمر باستخدام المكافحة المتكاملة. هذه الأرقام تشرح أن المعركة ليست في المختبر فقط. إنها في الحقل أيضاً، وفي يد المزارع الذي يقرر متى يبلغ، وماذا يشتري، وكيف يتعامل مع نخلة مشكوك بإصابتها.
الدور الرابع هو تبادل البيانات. في عام 2025، عرضت الفاو نتائج برنامج إقليمي جمع 18 دولة، وتحدثت عن أدوات للإنذار المبكر، منها المصائد الفيرمونية، وتقنية الجذب والقتل، والمجسات الصوتية، ومنصة SusaHamra الرقمية لتبادل البيانات في الوقت الفعلي. إذا أرادت سوريا مركزاً إقليمياً، فعليه أن يتصل بهذه اللغة. مركز بلا بيانات حية سيبقى أبطأ من الآفة.
النخيل السوري بين الذاكرة والحقل
في الخطاب السوري الرسمي، يظهر النخيل بوصفه جزءاً من هوية زراعية قديمة. هذه ليست مبالغة بالكامل. تدمر، ودير الزور، والبوكمال، ومناطق أخرى ارتبطت بالنخيل كعنصر من المكان والعيش. لكن حماية الذاكرة لا تتم بالكلام عنها فقط. تحتاج إلى خدمة زراعية، ومياه، وغراس سليمة، وحجر نباتي، ومراقبة للمشاتل.
عندما تظهر السوسة في الحدائق العامة والشوارع والمنصفات، كما أشارت المصادر السورية، لا تعود المشكلة مشكلة مزارع بعيدة فقط. تصبح قريبة من المدينة ومن البلديات ومن حركة الغراس والزينة. نخلة مصابة في شارع قد تكون مصدراً لإصابات جديدة إذا لم تُكتشف وتعالج أو تُزال بطريقة آمنة.
لذلك تتوزع المسؤولية على أكثر من جهة. وزارة الزراعة، المحافظات، البلديات، المشاتل، المزارعون، مراكز البحوث، والحجر الزراعي. كل طرف يرى جزءاً من الصورة. المركز المقترح يمكن أن يجمع هذه الأجزاء، لكنه لن ينجح إذا بقي فوقها لا داخلها.
الحرب والمناخ يرفعان سقف الكلفة
لا تتحرك سوسة النخيل الحمراء في بيئة مستقرة. القطاع الزراعي السوري خرج من حرب طويلة، ومن تضرر في البنية التحتية، ومن ضعف في الموارد، ومن ضغوط مناخية تتصل بالمياه والحرارة وتراجع القدرة على الخدمة. الوزير أمجد بدر أشار إلى تضرر واحات في تدمر ودير الزور والبوكمال، وإلى تأثيرات الحرب والتغيرات المناخية وضعف الإمكانات. هذه ليست خلفية عامة، بل جزء من سبب تعقيد المكافحة.
المزرعة الضعيفة أكثر عرضة للخسارة. والجهة التي لا تملك معدات كافية تصل متأخرة. والمزارع الذي لا يستطيع تحمل كلفة المعالجة قد يؤجل الإبلاغ، أو يلجأ إلى معالجة فردية لا تمنع الانتشار. هكذا تتحول الآفة من إصابة قابلة للحصر إلى مشكلة واسعة.
لهذا يجب أن يكون أي مركز إقليمي مقترح واقعياً. لا يكفي أن يستورد نموذجاً جاهزاً من بلد يمتلك تمويلاً واسعاً وبنية مستقرة. يحتاج إلى تصميم يناسب الحقل السوري، حيث تتداخل إعادة الإعمار الزراعي مع مكافحة الآفات، وحيث لا تزال الحاجة قائمة إلى دعم مباشر للمزارعين، وإلى تأهيل الواحات، وإلى غراس سليمة، وإلى رقابة أشد على حركة الفسائل.
التعاون الإقليمي كشرط لا كزينة
لا يمكن عزل مكافحة سوسة النخيل الحمراء عن حركة الحدود. الآفة تنتقل مع الفسائل والمواد النباتية، وتستفيد من ضعف الرقابة ومن تأخر تبادل المعلومات. لذلك لا يكفي أن تضبط دولة حقولها إذا بقيت الحركة النباتية في محيطها غير منضبطة.
البرنامج الإقليمي للفاو ركز على السياسات واللوائح الصحية النباتية، وعلى البحث والابتكار، وبناء قدرات المزارعين وأصحاب المصلحة، ونقل المعرفة والتقنيات. هذه المحاور تصلح كخريطة للمركز الذي تطلبه سوريا. فالمركز الذي لا يرتبط بالحجر النباتي سيكون ناقصاً، والذي لا يصل إلى المزارع سيكون بعيداً، والذي لا ينتج بيانات قابلة للتبادل سيصبح مؤسسة محلية باسم إقليمي.
الحدود السياسية لا توقف الحشرة. ما يوقفها هو فحص الفسائل، والشهادات الصحية النباتية، وسرعة الإبلاغ، ومشاركة الخرائط، وتوحيد جزء من إجراءات الحجر والمكافحة. هذا هو المعنى العملي لعبارة آفة عابرة للحدود.
بين الطموح والقدرة
الفكرة طموحة. وهذا جيد. لكن الطموح في الملفات الزراعية لا يكفي إذا لم يجد ميزانية وفريقاً وخطة عمل ومؤشرات. إنشاء مركز إقليمي لمكافحة سوسة النخيل الحمراء يحتاج إلى تمويل مستقر، ومخابر، ومصائد، ومنصة بيانات، وتدريب مستمر، وصلاحيات واضحة. يحتاج أيضاً إلى أن يكون قريباً من المزارعين لا محصوراً في الاجتماعات.
الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا تملك دوراً معلناً في تطوير زراعة النخيل، من تحديد الأصناف الملائمة، وانتخاب الفحول، وإنشاء المجمعات الوراثية، وإدخال الغراس النسيجية، وتطوير عمليات الخدمة. هذه الخبرة يجب أن تكون داخل المشروع لا على هامشه. كما يفترض أن يتصل المركز بأكساد والفاو والمراكز العربية والدولية التي تعمل على النخيل والآفات العابرة للحدود.
يبقى شرط الشفافية. كم بؤرة إصابة توجد؟ أين تتوسع؟ ما تكلفة المكافحة؟ ما نسبة النجاح؟ ما المناطق الأكثر خطراً؟ من دون بيانات دورية، لن يعرف المزارع ولا صانع القرار إن كان الوضع يتحسن أم يتأخر. والآفة التي تختبئ داخل الجذع لا يجوز أن تُدار بمعلومات مختبئة داخل الأدراج.
خاتمة
تريد سوريا مركزاً إقليمياً لمكافحة سوسة النخيل الحمراء لأن المشكلة أكبر من شجرة مصابة، وأطول من حملة موسمية، وأوسع من حدود محافظة أو دولة. الآفة تتحرك بصمت، وتضرب اقتصاداً زراعياً وذاكرة مكانية وبيئة إنتاجية في وقت واحد. لذلك يحتاج الرد إلى منظومة لا إلى رد فعل.
قد يكون المركز المقترح خطوة مهمة إذا تحوّل إلى رصد مبكر، وحجر نباتي فعال، ومكافحة متكاملة، وتدريب للمزارعين، وتبادل بيانات، وبحث قريب من الحقل. أما إذا بقي عنواناً بلا أدوات، فستبقى السوسة أسرع منه. تعمل في الداخل، وتترك الخارج يكتشف الخسارة بعد أن يصبح إنقاذ النخلة أصعب بكثير.
اقرأ أيضاً: دراسة علمية: الزراعة الكهروضوئية حل عملي في ظل التغير المناخي