بقلم هلا يوسف
تصدر انتشار مرض الجرب في سوريا تريندات السوشال ميديا بعد تسجيل حالات من الجرب في مشفى المجتهد بدمشق، حيث خرج أحد مسؤولي المشفى موضحاً عدد الإصابات وأسباب ظهورها داخل المشفى. ومع مرور الوقت، بدأت تتكرر روايات عن رصد حالات في مناطق أخرى مثل طرطوس واللاذقية، ثم وصلت إلى الحديث عن إصابات في حمص، على الرغم من غياب أي إعلان رسمي يؤكد ذلك بشكل واضح حتى الآن. وبين هذه المعلومات المتداولة، أشارت مصادر محلية في مدينة حمص إلى وجود حالات في بعض المدارس، من بينها مدرسة فداء الخطيب، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الأهالي الذين انتابتهم حالة من القلق على أطفالهم. هذا القلق دفع بعض الأسر إلى الامتناع عن إرسال أطفالهم إلى المدارس خوفاً من انتقال العدوى، على الرغم من استمرار العملية التعليمية في المدارس التي تم رصد حالات فيها.
أمام هذا الواقع وما يرافقه من مخاوف متزايدة، تبرز الحاجة إلى فهم طبيعة هذا المرض بشكل أدق، والوقوف على طرق انتشاره ووسائل الوقاية منه، بعيداً عن التهويل أو المعلومات غير الدقيقة.
طبيعة مرض الجرب وكيفية حدوثه داخل الجسم
يعد الجرب واسمه العلمي (Scabies) مرض جلدي معدٍ تسببه حشرة طفيلية دقيقة جداً تعرف باسم القارمة الجربية، وهي كائن مجهري لا يمكن رؤيته بالعين المجردة تقريباً بسبب صغر حجمه الشديد. تعيش هذه الحشرة على سطح الجلد، لكنها لا تبقى في الخارج، بل تقوم بحفر أنفاق دقيقة داخل الطبقة السطحية من الجلد.
تضع أنثى المرض بيوضها داخل هذه الأنفاق وتتكاثر، بينما تبقى الطفيليات تتغذى وتعيش على أنسجة الجلد. هذا النشاط يسبب رد فعل تحسسي في الجسم، يظهر على شكل حكة شديدة واحمرار وطفح جلدي، إضافة إلى تهيج واضح في الجلد.
لا يظهر المرض بعد الإصابة مباشرة، إذ قد تمر فترة تتراوح بين أسبوعين لستة أسابيع قبل أن تبدأ الأعراض بالظهور، خصوصاً عند الشخص الذي يصاب للمرة الأولى. أما في حال تكرار الإصابة، فقد تظهر الأعراض خلال أيام قليلة فقط.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الجرب من الأمراض الجلدية المعدية المنتشرة عالمياً، خاصة في البيئات المزدحمة أو ذات الاتصال المباشر المتكرر بين الأشخاص، مثل المدارس، السجون، ومرافق الرعاية الصحية. كما تؤكد المنظمة أن المرض ليس مرتبطاً بالنظافة الشخصية كما يُعتقد، بل يعتمد بشكل أساسي على الاحتكاك المباشر لفترة كافية لنقل الطفيلي من شخص لآخر.
طرق انتقال العدوى وعوامل انتشارها في المدارس والمجتمع
ينتقل الجرب بشكل أساسي عبر التلامس الجلدي المباشر الطويل نسبياً بين شخص مصاب وآخر سليم، وليس عبر المصافحة العابرة أو المرور السريع. هذا يعني أن انتقال العدوى يحتاج إلى احتكاك قريب ومستمر، مثل النوم المشترك أو اللعب لفترات طويلة أو الجلوس المتقارب داخل صفوف مكتظة.
كما يمكن أن ينتقل أحياناً بشكل غير مباشر عبر الأدوات الشخصية مثل الملابس أو المناشف أو أغطية السرير، إلا أن هذه الطريقة أقل شيوعاً لأن الطفيلي لا يستطيع العيش خارج جسم الإنسان لأكثر من يومين إلى ثلاثة أيام.
وتعد المدارس ورياض الأطفال من أكثر البيئات عرضة لانتشار المرض، بسبب عدة عوامل مجتمعة، من أهمها الاحتكاك المباشر المستمر بين الأطفال أثناء اللعب، والجلوس المتقارب لفترات طويلة داخل الصفوف، وتبادل الأدوات الشخصية أحياناً دون وعي، وصعوبة اكتشاف الحالات في بدايتها بسبب تشابه الأعراض مع أمراض جلدية أخرى. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الصفوف المدرسية في سوريا يوجد فيها تقريباً 45 طالب، وهذا ما يجعل احتمالية العدوى مرتفعة.
كما أن بعض الممارسات الخاطئة تساهم في استمرار انتشار العدوى، مثل تنظيف الصفوف دون علاج المصابين فعلياً، أو علاج الطالب وحده دون أفراد أسرته، أو السماح له بالعودة إلى المدرسة قبل إكمال العلاج الكامل.
الأعراض وطرق العلاج والوقاية وفق التوصيات الطبية
تظهر أعراض الجرب بشكل رئيسي على هيئة حكة شديدة تزداد في الليل، وهي من أكثر العلامات المميزة للمرض. ويصاحب ذلك طفح جلدي على شكل بثور أو حبوب صغيرة، إضافة إلى خطوط دقيقة تحت الجلد تمثل مسارات حفر الطفيلي.
تتركز الأعراض عادة في مناطق معينة من الجسم، مثل بين الأصابع، والرسغين والمرفقين، والإبطين ومنطقة الخصر، والأعضاء التناسلية وأسفل البطن، وخلف الركبتين وأعلى الفخذ. ومع استمرار الحكة، قد تظهر تقرحات أو التهابات جلدية نتيجة الخدش المستمر، وقد تتطور في بعض الحالات إلى عدوى بكتيرية ثانوية إذا لم يتم علاجها.
أما العلاج فيعتمد على أدوية تقضي على الطفيلي وبيضه، وأهمها الكريمات الموضعية مثل بيرمثرين، التي تستخدم على كامل الجسم وفق إرشادات الطبيب، وقد تُكرر الجرعة لضمان القضاء على البيوض الجديدة. كما يستخدم الكبريت في بعض الحالات الخاصة مثل الأطفال الصغار والحوامل، بينما يتم اللجوء إلى أدوية فموية مثل الإيفرمكتين في الحالات الشديدة أو عند ضعف الاستجابة للعلاج الموضعي.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن علاج الجرب يجب أن يشمل المصاب وجميع المخالطين له، حتى في حال عدم ظهور الأعراض، وذلك لمنع إعادة العدوى. كما تؤكد على أهمية غسل الملابس وأغطية السرير بالماء الساخن، أو عزلها في أكياس مغلقة لعدة أيام في حال عدم إمكانية غسلها، لأن الطفيلي لا يعيش خارج الجسم لفترة طويلة.
أما بالنسبة إلى الوقاية فتقوم على تجنب الاحتكاك الطويل مع المصابين، والاهتمام بالنظافة العامة، وتنظيف الأقمشة والأغطية بشكل دوري، مع الانتباه إلى أن الجرب لا يرتبط بضعف النظافة بل بالعدوى المباشرة.
في الختام، يبقى الجرب مرضاً جلدياً مزعجاً وسريع الانتشار في البيئات المزدحمة، لكن في الوقت نفسه ليس مرضاً خطيراً، ويمكن علاجه والسيطرة عليه في حال اكتشافه في وقت مبكر واتخاذ الإجراءات المناسبة. لذلك لا داعي للخوف الكبير بالنسبة للأهالي، وعند اتباع الإجراءات الاحترازية يمكن القضاء على أي مصدر للعدوى.
اقرأ أيضاً: أدوية بلا رقابة في حمص: كيف تهدد الأدوية المهربة المرضى؟