الكاتب: أحمد علي
يبدو قانون الجنسية، للوهلة الأولى، نصاً قانونياً بارداً يخص المحاكم والدوائر الرسمية. لكن أثره الحقيقي يظهر في مكان آخر، في المدرسة والمشفى والوثيقة وحدود الحركة، وفي سؤال بسيط يطارد أسراً كثيرة، من هو الطفل أمام الدولة إذا كانت أمه سورية وأبوه غير سوري أو غائب أو متعذر الإثبات. لهذا لا يبدو النقاش الذي عاد إلى دمشق مؤخراً مسألة تقنية. هو نقاش يلامس معنى الانتماء نفسه، وحدود المساواة داخل الأسرة، وما إذا كانت الدولة مستعدة أخيراً للنظر إلى هذا الملف باعتباره حقاً مؤجلاً لا قضية هامشية.
لا يعني المؤتمر الذي ناقش الثغرات في قانون الجنسية السوري وحده أن التعديل صار قريباً، لكنه يعني شيئاً لا يقل أهمية، أن الملف خرج من دائرة المطالبة المزمنة ودخل إلى مساحة النقاش الرسمي العلني، وهذا تطور لا يمكن تجاهله.
جنسية الأم السورية اليوم
أهمية المؤتمر لا تأتي من عنوانه فقط، بل من الجهة التي نظمته، ومن اللغة التي استُخدمت فيه. فقد عُقد في جامعة دمشق بتنظيم من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وفي ختامه شدد المشاركون على ضرورة إصلاح قانون الجنسية بما يحقق المساواة بين الجنسين ويكفل حق المرأة في منح جنسيتها لأطفالها، مع الدعوة إلى التعجيل في التعديلات القانونية وتسهيل الحصول على الوثائق الرسمية للأطفال المتضررين.
كما ظهر في تغطيات أخرى أن المؤتمر لم يكن محلياً صرفاً، إذ شاركت فيه جهات أممية، وتحديداً هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى جانب مبادرة حويتي، ما أعطى النقاش طابعاً مؤسسياً أوسع من مجرد فعالية رمزية، وعندما تصبح جنسية الأم السورية بنداً مطروحاً في مؤتمر رسمي، فإن العتبة السياسية تتحرك، ولو ببطء.
قانون قديم وأثر حي
نعتقد أن جوهر المشكلة ما زال معروفاً. المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969 يعطي الجنسية حكماً لمن يولد لأب سوري داخل البلاد أو خارجها، بينما يتيحها من جهة الأم في حالة ضيقة جداً، هي أن يولد الطفل في سوريا وألا تثبت نسبته إلى أبيه قانوناً. وهنا يظهر الخلل بوضوح، فالأب هو الأصل في القاعدة، والأم استثناء محاط بشروط، وهذه الصياغة لم تعد مسألة نظرية.
تشير تقارير أممية حديثة إلى أن هذا التمييز ينعكس على الوصول إلى الوثائق، ويزيد خطر انعدام الجنسية، ويؤثر في التعليم والرعاية الصحية والتنقل والعمل. الأمر أشد قسوة حين يقترن بالنزوح والوفاة والاختفاء القسري والزواج غير المسجل، وهي كلها وقائع تضخمت خلال سنوات الحرب. لذلك فالسؤال لم يعد إن كان النص القديم عادلاً أو لا. هذا حسمته الوقائع منذ زمن، السؤال هو كم طفلاً ينبغي أن يبقى معلقاً كي يُنظر إلى الخلل بوصفه أزمة اجتماعية كاملة لا مجرد نقص تشريعي.
الحرب وسعت الجرح
قبل الحرب كان التمييز قائماً، لكن بعدها صار أثقل بكثير، فلجنة التحقيق الدولية المستقلة تحدثت بوضوح عن نساء كثيرات تعذر عليهن تأمين تسجيل الولادات والجنسية لأطفالهن، وأن أبناءهن بقوا أكثر عرضة لخطر انعدام الجنسية وللعوائق في التعليم والخدمات الطبية.
كما توضح مواد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن تسجيل الولادة ليس إجراءً ثانوياً، بل هو ما يثبت العلاقة القانونية بين الطفل ووالديه ويؤكد هويته وجنسيته، وأن غيابه قد يحرم الطفل من خدمات أساسية ويمنعه من إثبات صفته القانونية. هنا بالضبط تصبح جنسية الأم السورية ملفاً اجتماعياً حساساً. لأن القضية لا تتعلق بالمساواة المجردة فقط، بل بمصير يومي لآلاف العائلات داخل سوريا وخارجها، وبأطفال ولدوا في ظروف نزاع أو نزوح أو زواج غير موثق، ثم وجدوا أنفسهم في منطقة رمادية بين القانون والحياة.
بين المؤتمر والتعديل
هل اقترب فتح الملف فعلاً؟ نعم، بالمعنى السياسي والمؤسسي. ولا، إذا كان المقصود فتحه قانونياً بصورة حاسمة. ما جرى حتى الآن هو إشارة قوية إلى أن المسألة لم تعد مؤجلة إلى أجل غير معلوم، لكن الإشارة ليست بديلاً من التعديل. الطريق الفعلي يبدأ حين يُعاد النظر في المادة التي تجعل نقل الجنسية عبر الأم استثناءً، وحين توضع آلية واضحة لتسوية أوضاع الأطفال العالقين الآن، لا الأطفال الذين سيولدون لاحقاً فقط. وهذا فرق مهم، لأن أي إصلاح لا يعالج التراكم القائم سيبقى ناقصاً.
الخبر الجيد أن المنطقة نفسها لم تعد مغلقة كما كانت، إذ تذكر مذكرة المفوضية السامية لعام 2026 أن دولاً عدة عدلت قوانينها خلال العقدين الأخيرين لتوسيع حق الأمهات في نقل الجنسية إلى أطفالهن، ما يعني أن الحجة القائلة إن هذا الباب مستحيل الفتح لم تعد مقنعة. لكن في الحالة السورية تبقى المسافة بين النقاش والإنجاز أكبر، لأن الملف يتشابك مع السجل المدني، والزواج غير المثبت، والولادات خارج البلاد، وإرث انعدام الجنسية في بعض المناطق، والقدرة الإدارية على تنفيذ أي تعديل بعد إقراره.
لهذا فالجواب الأدق على السؤال المطروح في العنوان هو أن الملف وضع ونوقش على الطاولة، وهذا بحد ذاته تطور مهم، لكنه ليس النهاية. فإذا تُرجم المؤتمر إلى نص قانوني واضح وإجراءات تنفيذية قابلة للتطبيق، نكون أمام بداية فعلية. وإذا توقف عند حدود الاعتراف بالمشكلة، فسنكون أمام نقاش متقدم، لكن من دون أثر كاف في حياة الأطفال الذين يفترض أن يحميهم القانون أولاً.
اقرأ أيضاً: إحاطة جنيف: ماذا عن “مؤشر الشرعية” في سوريا.. من العدالة الانتقالية إلى إصلاح الأمن!